قد توصف اللغة بالسلاح الهجومي، يستهدف البنيات الفكرية والنفسية لعقول الجماهير؛ فهي أداة ناعمة بيد النخب الحاكمة؛ للسيطرة على عقول الجماهير، وخلق حالة من التضليل الكلامي، يجعل للكلمة الواحدة معاني عدة، مترادفات افتتن المرء بمعناها الجميل من الخارج، لتنتقل بعدها إلى جسده، وتكشف عن مقصدها الحقيقي.

كلمة «الديمقراطية» مثلًا، التي يستخدمها الساسة في خطاباتهم، والتي تعني حكم الشعب لنفسه، ولكن في الأمور الاجتماعية أو أمور أخرى، دون أن تتعدى التدخل في سياسة الدولة الحاكمة.

ذكر الفيلسوف «غوستاف لوبون» في كتابه «سيكولوجية الجماهير»، أن القائد يستخدم الشعارات البهيجة والصور الموحية بدلًا من الأفكار المنطقية والواقعية، وبهذه الطريقة يمتلك القائد روح الجماهير، ويسيطر عليها.

مثلًا يمكن أن يستخدم القائد في خطاباته، كلمة الأخلاق أو الحرية، كلمات يستريح لها الفرد، ويضع ثقته في قائلها، دون أن يدرك أن هذه الكلمات تحمل في طياتها معاني مزدوجة.

قال «شيللر» في كتابه «المتلاعبون على العقول» «إن تضليل الجماهير قد لا يكون الأداة الأولى التي تتبناها النخب الحاكمة؛ فهم يلجئون للتضليل، عندما يصبح هناك حراك جماهيري في مجتمع معين، أما قبل ذلك فليس هناك حاجة للتضليل عندما تكون الجماهير في شقاء عميق».

فالكلام يعد إشارة لغوية للتواصل والعلم والحداثة، ولكن تم استخدامه بشكل سيئ لتحقيق أغراض معينة، إذ أصبح هناك خطاب للغة هدفه تحريض الشعب وتخويفه وتوحيد فكره لصالح المتنفذ في المجتمع.

فاللغة استخدمت كأداة من أدوات الدعاية والتعبير القوي في الخطابات السياسية، لقد ذكر «كلود يونان» في كتاب «التضليل الكلامي وآليات السيطرة على الرأي»، العنف الكلامي في الدعاية الفاشية؛ إذ وصف «موسوليني» أسطوله الجوي «إن هدير الطائرات سوف يحرس جميع الشائعات، وستغطي أجنحتها سماء إيطاليا»، أما النازية فكانت تردد «هتلر هو القوة الحقيقية الوحيدة، وبما أن الجميع مع هتلر، فإنه يتوجب علي أن أكون معه أيضًا؛ إذا كنت أبغي السلامة»،  فهذه الدعاية العنيفة كانت بديلًا للحرب العسكرية الحقيقة.

وهي نفس الأداة التي استخدمها المسئولون عن الدعاية في الولايات المتحدة الأمريكية في فترة الحرب العالمية الأولى، التي جعلت كل أمريكي غليل لدماء الألماني، بعد أن كان رافضًا لتدخل بلاده في الحرب. ­­­­­­­­­­­­­­­­­­

قد تلغى فكرة الديمقراطية في نظام الحكم لمجتمع معين، إذا كان لها نتائج عكسية تضر بمصالح الطبقة السياسة والاقتصادية للحاكم؛ فالولايات المتحدة حاربت الديمقراطية في إيطاليا في عام 1948، عندما شعرت أنها تضر بمصالحها، ولكن مصطلح الديمقراطية يبقى في قواميس الحاكمين؛ لكسب ثقة الشعوب، وفي نفس الوقت تحقق الطبقة المهيمنة مصالحها.

وذلك دون السماح لأي مفكر أن يخرج على الإعلام ويتحدث عن الفكرة المزدوجة للمصطلح الواحد، أمثال «ناعوم تشومسكي»، الذي خرج على الإعلام الأمريكي ـ ربما ـ لمرة واحدة فقط بسبب أفكاره المعارضة لسياسية الولايات المتحدة.

التضليل الكلامي، عمل على خلق ثقافة جماهيرية كما تشاء الحكومات التي تضلل شعوبها، وفي نهاية المطاف لا شيء يتحقق سوى مصالح الطبقات المهيمنة في المجتمع.

فإذا كانت الهروات في الدول الشمولية هي التي تعمل على فرض نظام الحكم، فاللغة هي الوسيلة الناعمة في الدول الديمقراطية.

التي تظهر مفعولها السحري في السيطرة على روح الجماهير من وراء الكواليس، ومن وراء العمليات الانتخابية، لتقوم باغتصاب فكري ووجداني للشعب الخاضع تحت سيطرتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد