“لقد تعلمت اللغة في مركز اللغات التدريبي”.

 

“لقد تعلمت اللغة على الإنترنت”.

 

في حين تبدو العبارة الأولى طبيعية منتمية إلى كوكب الأرض، تبدو الثانية للكثيرين كأنها الحديث عن المريخ. فمع الأسف الشديد في عصر فيهالعلوم مُفتَّحة الأبواب، تجد كثيرًا من العقليات المُصرّة على أن التعلم لا يمكن أن يثمر إلا بوجود “شخص” الملقّن.

 

إن مقاومة التغيير حين يكون إيجابيًّا، لا تعني إلا أن مُقاوِمَه لا يريد أن يغامر خارج حدود المنطقة المألوفة المأمونة؛ فكل من لا يزال يظن أنه لا يستطيع إتقان لغة أجنبية ما إلا بإنفاق الوقت والمال في الدورات قد جانبه الصواب، كل الصواب. لماذا؟ لأن ما تقدمه الدورات المدفوعة من مواد تعليمية، مسموعة ومرئية، وكتب مقروءة وأوراق مصورة، ومعلمين للنطق، كله – بلا استثناء– متوافر بغزارة على الإنترنت، وبالمجان!

 

إذن، ما الذي لا يزال يتلبس بعقلية من يصر على أنه لا يستطيع تعلم لغة بمفرده؟ الإجابتان المنطقيتان الوحيدتان في هذا السياق، هي أن الإنترنت لا تتوافر لديه، أو أنه نشأ على عادة وجود رقيب فوق رأسه، يذكّره بأنه لابد أن يدرس، ويتابع معه الواجبات، ويعاقب على التقصير، ويخوّف بالعصا، وهذا باختصار تفكير من لا يريد أن يتعلم.

 

قد يكون بحاجة للغة ما لأجل متطلبات العمل، أو للوجاهة الاجتماعية، لكنه لا يسعى للعلم الحقيقي ولا يطلبه من تلقاء نفسه بتحفيز داخلي. إن طالب العلم لا تَحُدّه قلة الموارد، ولا يوقفه غياب شخص المعلم، متمثلاً الوصية النبوية”احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز”.

***

وإذا ثبت بالتجربة أن تعلم لغة بإتقان وبنفسك هو شيء يمكن تحقيقه على كوكب الأرض، ولا يستلزم السفر إلى المريخ، كان السؤال المطروح: كيف ذلك؟

 

هنا، سألخص لكم بعض الأفكار العملية مما اتبعته وأفادني:

1. أية لغة تنقسم من حيث مهارات استعمالها إلى فروع أربعة: القراءة والكتابة، والاستماع والمحادثة، حقيقة الأمر كدارس أو متعلم، المطلوب منك العمل على مهارتين فقط فعليًّا: القراءة والاستماع، أما المهارتان الثانيتان فهما نتاج إتقان هاتين، مع الممارسة والصقل.

 

2. قم بعمل جدول مقسم لخانتين: القراءة والاستماع، ويفضل أن يكون على ملف Word (أو Excel) ليكون أيسر في النسخ واللصق.

 

3. تصفح المواقع بمنهجية:
بعد ذلك ابدأ بتصفح وجمع المواقع الخاصة باللغة التي تتعلمها، من خلال محرك البحث جوجل: فاكتب مثلا “تعلم الإنجليزية” ، OnlineLearn English، Audio Books، Online Stories… إلخ، مع مراعاة نسخ رابط الموقع المختار في خانته الملائمة.

فمواقع الكتب المسموعة تقع في خانة مهارة الاستماع، في حين قنوات اليويتوب ليس بالضرورة أن تكون كذلك إذا كانت القناة المختارة في شرح دروس القواعد وليست في مهارات المحادثة. فمن المهم الانتباه لمضمون الرابط \الموقع، وهدفك من إضافته، وليس الأمر تجميع قوائم روابط وتكديسها والسلام.

بعض اللغات – كالإسبانية والتركية والصينية مثلا – تكون المواقع العربية لشرحها نادرة وقليلة الفائدة، ولا تتوفر مواقع بنفس تلك اللغات، فسيفيدك أن تلجأ إلى لغة وسيطة تُحسِنها كالإنجليزية: Learn Turkish Online ; Spanish Audio Lessons ؛ هذا من شأنه أن يطور مستواك فياللغتين كلتيهما.

 

4. بعد التجميع والتصنيف، هنالك منهجيتان للتعلم:

الأولى: أن تخصص فترة زمنية لكل مهارة، فشهر للقراءة مثلا، وشهر للاستماع، مع ملاحظة أن الكتابة والكلام نتائج تحصيلية للقراءة والاستماع كما أسلفنا، وبالتالي فمنهجك كمتعلم لا يعني فقط أن تكتفي بالاستماع أو القراءة بذاتهما.

 

بل ينبغي أن تتأنى فيما تقرأ ، فتحرص على الانتباه للتراكيب اللغوية أثناء القراءة، وتدوين الكلمات والتعبيرات الجديدة ومشتقاتها في مفكرة خاصة لذلك، لتراجعها باستمرار. بذلك تنمو حصيلتك اللغوية ويرتقي أسلوبك التعبيري في سياق حي يعينك على استحضار الكلمات والمرادفات.

أما دراسة القواعد والنحو، فخصص لها وقتـًا في مستوى أو مرحلة تالية؛ لأن اكتساب الملكة بطريقة المعايشة والتطبيق المباشر ييسر فهم سياق القواعد وكيفية استعمالها؛ بعكس الطريقة النظرية المعتمدة على حفظ “معادلات” لغوية لا تعرف كيف ومتى تطبقها، بل وتجد صعوبة في تذكرها. اللغة ملكة أولاًتصوغها قواعد ثانيًا.

 

بالنسبة للاستماع، ركز على التقليد والمحاكاة لكل ما تسمع، أكثر من حرصك على الإكثار من الاستماع؛ لأن الاستماع دون محاولة المحاكاة، سيمكّنك من فهم المتحدث بتلك اللغة بامتياز، لكنك لن تستطيع الحديث بنفس المستوى، فلابد من تعويد اللسان على النطق، وتعويد الذهن على استدعاء الكلمات من الذاكرة بسرعة، لئلا تتردد في الحديث، كرر العبارات التي تسمعها، واقرأ فقرة من كتابك المفضل بصوت عال، وإذا كنت خجولاً لا تستطيع المشاركة في دوائر نقاش أو محادثة، فالحل السريع اختراع الحوارات مع نفسك بصوت عال، وهنالك كتب في المحادثة عامرة بالمواقف التي يمكنك التدرب عليها.

 

الثانية: قسِّم المواقع التي جمعتها لمستويات (مبتدئ – متوسط – متقدم) ، ثم امضِ مع كل مستوى مارًا بالفروع الأربعة (قراءة واستماعًا وتدربًا على الكتابة والمحادثة)، حتى تنهي ذلك المستوى وتنتقل للذي بعده.

كلا الطريقتين مجربتان ومثمرتان إن شاء الله ، فالأمر عائد إليك بالكلية في الاختيار، وقد يكون لك إضافاتك الخاصة.

***
للاطلاع على مثال عملي لخطة الجمع والتصنيف: جمعتُ لكم مواقع في تعلم اللغة الإنجليزية في ملف إكسيل على هذا الرابط

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد