تأملات فكرية في المشروع الفرنكوفوني

يجب على المثقف العربي اليوم أن يميّزَ بين حضور اللغة الأجنبية كمسألة معرفية ثقافية، وكمسألة تاريخية استعمارية سياسية خالصة، فالفركوفونية في الدول المغاربية تعكس الوصاية والنفوذ الذي تحظى به فرنسا في هذه الدول، وصدق ديغول حين قال: «كل فرنك نصرفه على اللغة الفرنسية سنجني من وراءه مئات الفرنكات من الدول التي تعتنق لغتنا»، وما يثير القلق في هذا الأمر هو أن الفركوفونية عززت مواقعها مؤخرًا في الدول المغاربية، وما زالت تطمح إلى المزيد، وخاصة على مستوى النخبة السياسة والثقافية والأدبية والإعلامية، مستدركة بذلك تراجعها عند نخبة الستينات بعد الدعوات التحررية التي قادت إلى مشروعات التعريب، ونتيجة إرادة شعبية وسياسية سعت إلى إقامة توازانات لغوية معقولة، ولعل ميلاد صيغ وأطر من قبيل القمة الفرنسية المغاربية والقمة الفرنسية الأفريقية والمنظمة الفرنكوفونية العالمية وسواها من الأدوات الني توسلتها فرنسا لصون مستقبل مصالحها خير دليل على العناية الفائقة التي توليها فرنسا لمشروعها الفرنكوفوني، ولاسيما في المغرب العربي عن طريق الحوامل الداخلية المحلية من النخب السياسية التي استلمت الإدارة، وهذه النخب هي التي ستهيئ شروط تمديد العمل بأحكام السيطرة الفرنسية على والاقتصاد الوطني في إطار ما عرف بالاستعمار الجديد، وهي التي سوف تعمل أيضًا على حماية مرجعية اللسان الفرنسي في الإدارة العامة وفي نظام التعليم والصحافة والإعلام وغيرها من المؤسسات المهمة والحساسة في هذه الدول.

وبناءً عليه يمكن القول: إن هذه النخب هي التي ستنوب مناب فرنسا في هذه الدول، لتمدد إقامتها بعد أن عجزت وسائل العنف العسكري الاستدماري في تأمين ذلك التمديد، فالولاء لفرنسا لسانَا وثقافةَ هو الولاء الذي راهن عليه المستعمر كي يكون له موطىء قدم بعد خروجه، والحق أن ما راهن عليه المستدمر الفرنسي لم يكن أملًا غامضًا، أو متروكًا للمجهول، وإنما أعد له العدة، وصرف له الجهد والمال للتخطيط للأمر بإحكام، ولقد كان ذلك في أساس العناية الفائقة لفرنسا، وإدارتها الاستعمارية في المغرب العربي، بتكوين نخبة حديثة من الإداريين والاقتصاديين والسياسيين، ونشر المدارس الفرنسية وتمكين أبناء الأعيان والأغنياء بها، وتمكينهم من متابعة تكوينهم في الجامعات والمعاهد الفرنسية، ثم تسليمهم أكثر الوظائف حساسية وأهمية بعد تخرجهم.

وبعد أكثر من نصف قرن على رحيل فرنسا، ما زالت هذه البنية الثقافية واللغوية تشتغل بطاقتها القصوى في سائر مرافق الدولة الحساسة، بالرغم من مشاريع التعريب التي فشلت فشلًا ذريعًا، لا لعلة أو عطب في اللغة العربية وقدرتها على مواكبة التطور المعرفي الإنساني، بل لحاجة في نفس يعقوب، وتصميم على إفشال مشروع التعريب وابتذاله وإسقاط حجج القائلين به، يجري ذلك كله فيما دساتير المغرب العربي تنص نصًا على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد؟ فهل نقول إن هذه الاختيارات الرسمية في مجالي التعليم والإدارة اختيارات غير شرعية؛ لأنها تتناقض مع مقتضيات القانون الأساسي للدولة وهو الدستور! لكن من يحترم الدستور في هذه الدول!

ها هي فرنسا بعد خروجها ذليلة تحت ضربات المقاومة الوطنية في الدول المغاربية، تعود إلى رحاب الوطن من خلال لسانها وجمهرة المتعصبين للسانها ولثقافتها باعتبارها مثالًا حضاريًا يجب الاقتداء به لتحقيق الازدهار والتقدم، والأهم من هذا أن فرنسا العائدة بمشروعها الفرنكوفوني الاستعماري تسلط مطرقتها على أهم مؤسسات الدولة وأكثرها حساسية، كالتعليم والإدارة والمعملات الاقتصادية.

وفي نهاية هذه التأملات الفكرية يجب أن نقول كلمة حق وهي أن المفرنسين كليًا أو جزئيًا ليسوا جميعًا في جملة المتعصبين للسان الفرنسي، فقد قادتنا تجربة الاحتكاك ببعض الزملاء المتخرجين من كلية الطب، والهندسة، والمعاهد العلمية، وأقسام اللغة الفرنسية، والإنجليزية تفاعلهم مع أفكار الأصالة والهوية الاسلامية والمرجعية اللغوية، وفي المقابل قادتنا تجربتنا مع بعض المعربين دفاعهم عن المشاريع الحداثية والانفتاحية على خلفية تمثلهم لتياراتها، وأنتجوا منابر تدعو إلى مثل هذه الفلسفات والأفكار التي تعكس تأثرهم وذوبانهم في المشاريع الفكرية الغربية عامة، والفرنسية خاصة، فالفركوفونية لم تنشأ في رحم المناخ الثقافي لفئة المثقفين المفرنسين حصرًا، وما كانوا ممثليها الوحيدين، بل وجدت أيضًا في أوساط مزدوجي اللسان وحتى المعربين تحت غطاء الدفاع عن الانفتاح الثقافي والفكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد