سجَل بول ريكور في مقال فلسفة اللغة الوارد بالموسوعة العالميَة، مفارقة تتعلَق بالوظيفة الحقيقيَة للغة، فكلما حاول الإنسان أن يعبر عن أفكاره ومشاعره، كلَما انتصب أمام خطابه أشكال حضر وصمت وكتمان.

هكذا تبدو اللغة ذات وجهين اثنين، يكون الوجه الأوَل شرط إمكان إثبات الإنسان لإنيَته، وذاته بفضل القدرة العجيبة التي تكتنزها اللَغة بفضل المجاز، والاستعارة، والأشكال البلاغيَة الأخرى التَي اتفق فيها المعجميون، الوجه الثَاني يسجَل قصور اللَغة والتَعبير، حتى أن التحليل النفسي لاحظ هذا القصور في أشكال العقد المكبوتة، كتب فرويد: إنَ الفرد لا يعجز عن التعبير عن غرائزه، بل لا يجد الكلمات المناسبة للتعبير عنها.

ثبت إذًا أنَ الازدواجيَة اللغويَة تطرح بحدَة قدرات اللَغة على التعبير والإفصاح، فهل تفتقر اللَغة فعلًا عن بيان الأفكار والمشاعر والتمثَلات بحيث تكون وسيطًا بين الذَوات والثَقافات أم هي قاصرة عن ذلك؟

بيَن كتاب التاريخ والحقيقة لبول ريكور أن اشكاليَة اللَغة تحمل هاجسًا «فينومينولوجيا»، ويكتسب رهنية مشروعيَته في عصر تتلوَن فيه الخطابات وتتنكَر لأصوله، ألم يصبح النضال شكلًا من أشكال الإرهاب؟ ألم تصبح القيم كالخير والشرَ، إجراءات لتصنيف الدول، حسب المصالح.

تكتنز اللَغة العديد من القدرات إلى حدٍ نعجز فيه عن الكلام، أليس الكلام عن الكلام صعبًا؟ لكن يمكن أن تتجلى قدرات اللَغة في مستويات ثلاثيَة نطلق عليها مثلثَ اللَغة، وتتعلَق بالعالم على مستويات ثلاثة، أولها المستوى الأنطولوجي، أما المستوى الثَاني فهو مستوى علائقي، أمَا المستوى الثالث والأخير فهو المستوى الإبستمولوجي يتعلَق ببنية اللَغة وقدرتها.

دعنا في البدء نحاور المستوى الأول، إذ وضح بنفنيست في كتابه مسائل في الألسنيَة العامة، أن علاقة الإنسان بالعالم ليست آنية ومباشرة بل تتخلَلها وسائط، وأهمَها الجهاز الرَمزي الذي نطلق عليه: اللَغة.

إن قيمة العالم هي الفسحة التي تحتضن الإنسان فهو الفضاء الفيزيائي المادي والمحسوس الذي يستلزم البحث عن أسماء وكلمات ورموز للتمييز بين الأشياء، فللغة قدرة على تجاوز الأشكال واللانظام، إذ إن العالم هو نص مكتوب تكون فيه اللَغة مجال الإنسان للتعبير وجعله متجذَرًا في العالم، محقَقة إحساسه بالانتماء في المجال اللَغوي اللساني، حيث تنتقل الأشياء الموجودة في العالم عن طريق إثارة عصبية فتتشكل إستعارة أولى في الجهاز العصبي، وتكون في شكل صورة، ويطلق الإنسان صوتا متمفصلا على صورة الشيء، كالشجر مثلًا.

لنحصل على استعارة ثانية وبحكم الإعادة والتَكرار تصبح هذه الأوهام حقائق ثابتة يعتقد الإنسان في صحَتها، لكنَها مجرَد كنايات. لذا بإمكاننا القول إن اللَغة لها قدرة على إنتاج الوهم ويلعب هذا الأخير نفس الوظيفة التي تلعبها الحقيقة حيث تمثل العالم وتستعيبه، ولئن كانت اللَغة قادرة على تمعين العالم بفضل أساليبها البلاغيَة، فإن حياة الإنسان لا تقوم على العزلة، بل تستلزم الإجماع المدني مثلما يقول ابن خلدون.

إن العلاقة البينذاتيَة تكون ذاتا واعيَة، أما البعد الثاني فينظر للذَات بوصفها هويَة ثقافيَة تحمل تراثًا وموروثًا وعادات وتقاليد واعتقادات دينيَة وحتى نمط وجود وحياة.

كتب صاحب كتاب الوجوديَة مذهب إنساني: لكي أحصل على معرفة بذاتي لزمت وساطة الآخر، فالآخر ضروري لوجودي بقدر ما هو ضروري لتحصيل المعرفة بذاتي. لكننا مثلما نكسب المعرفة ذاتيَة من خلال حكم الآخر يمكن لهذه الأحكام أن تكون منافقة وكاذبة، وهنا تنبثق قدرة جديدة للغة كالكذب والنَفاق والتملَق، إذ يفرض المجتمع على الفرد حتَى يحقَق اندماجًا وتواصلًا متفاديًا القطيعة مع المجتمع.

بين نيتشه أن الكذب أصبح واقعًا، بل عادة لا يمكن التخلي عنها فهي بمثابة التراث والجذور، وهنا تكون اللغة بمثابة الفضاء الذي يوفر الكنايات والاستعارات لأجل الإخفاء والتمويه، إذ إن اللغة تملك القدرة على تشويه القيم وتغيير الأفعال. للغة قدرة كبيرة على التثاقف بين الذوات والثقافات والحجة على ذلك الترجمة.

فبالرغم من أنها لا تملك دقَة المضمون فيما يتعلَق بالنَصوص الثقافيَة، لكنها تملك قدرة نقل بعض الخصائص، وهو ما أنجزه عالم الحفريَات الفرنسي جون فرانسوا شمبليون الذي نقل الحضارة المصريَة من خلال ترجمة اللَغة الهيروغليفية، من خلال اللغة يصبح الماضي حاضرًا؛ لذلك يفسر خلود الآثار الأدبية والشعرية، والتراث المكتوب والمنطوق، واللغة تضمن الخلود.

لكن اللغة تملك قدرة حربية فهي وسيلة فرض الهيمنة وامتصاص الثقافات وانصهارها في بعضها، وهو ما يبينه صموئيل هنتنجتون في كتابه صدام الحضارات (أو الثقافات حسب الترجمة)، أن الثقافة تقوم على قانون البقاء للأقوى، وهذا الأمر يكون بالنسبة للعولمة، وفي المقابل توجد الاشتراكية، وحاليًا التيارات الدينية ذات البعد الشوفيني.

تأسس اللغة لمعرفة العالم ولقدرات ابداعية تتجلى في التمفصل والتأويل، فالتَمفصل يعني قابليَة اللَغة للتفكيك وإعادة التركيب من خلال وحدات صوتية يطلق عليها بالصواتم يمكن استثمارها في سياقات مختلفة مثل كلمة رأس: إذ يمكن لهذه الكلمة التعبير عن ألم، أو سيد قبيلة، أو قمة جبل.

أما التأويل فهو كما بيَن شلارمشار في دروسه حول الهيرمونيطيقا أن اللَغة تمكننا من الإقامة في النصوص النثريَة، والشعريَة، والدينيَة، استنادًا إلى قواعد النحو، وهو ما يتجلى في تأويل الكتاب المقدس: الإنجيل بعهديه الجديد والقديم، وتأويل الشعر لكبار الشعراء أمثال بودلار وغوت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اللغة, مستطاع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد