«اللغة» حالة فريدة وسمة لصيقة بالإنسان وحده، فحتى اللحظة لا يمكن الجزم بوجود كائنات أخرى عاقلة تستخدم نظامًا للتواصل الصوتي واللفظي كما يفعل الإنسان.

وبحسب تعريف «البنيوية – كنظرية» فإن «اللغة» هي: نظام رسميّ – أي له هيكلٌ محددٌ وثابت – للرموز التي هي الأحرف نفسها التي تُستعمل في اللغة؛ بحيث تحكمها القواعد النحوية لتوصيل معنى مُعيّن، ويؤكد هذا التعريف أنّ اللغات البشرية يمكن وصفها بأنّها أنظمةٌ هيكليةٌ تتكوّن من القواعد التي تربط بعض الرموز الخاصّة من كلمات وجمل بمعانٍ معينة.

وعندما نتطرق لتفسير «اللغة» فإننا نجد أن عامل الزمن أو الوقت له اعتبار كبير في تحديد قيمة أو قوة المعاني الكامنة بالكلمات أو الألفاظ المنطوقة.

كما أن المنطوق اللفظي يُعد عملية مستمرة ومضطردة للجانب الحياتي اليومي للفرد وبالتالي قد يختلف الأساس اللغوي من فرد لآخر  «مثلًا، أن الجانب الميتافيزيقي للمواطن الغربي يختلف كثيرًا جدًا عن مثيله بمناطق أخرى من العالم» وتستمر حالة الاختلاف والتباين أو التمثل اللغوي بذات المكان من زمن أو من فترة زمنية لأخرى بحسب هجر أو تكرار استخدام الناس هناك لكلمات أو لألفاظ محددة.

الخلاصة أن اللغة تعبّر عن جانب حياتي موضوعي اجتماعي تتأثر دومًا بالسياق الاجتماعي والحياتي المستمر بالمجتمع، وقسم كبير من التطور اللغوي بأي مجتمع قد لا يمكن قياسه أو التعبير عنه من خلال ألفاظ أو كلمات محددة، فقد تتبلور المعاني اللغوية هنا خلال السياق المجتمعي أو الحياتي المعاش ولا يمكن أن نعلي من قيمة الألفاظ المنطوقة على المكتوبة، خاصة وأن اللغة المكتوبة تمثل خير تعبير عن الجانب الاجتماعي للإنسان، ونخلص إلى أن التباين اللغوي يقل كثيرًا بين المجتمعات الإنسانية كلما مالت هذه الجماعات للتدوين أو الكتابة إذ يتحتم عليها آنذاك أن تحدد المعاني اللغوية الخاصة بها وتوضحها بصيغة رسمية متفق عليها.

والمعنى أو القيمة اللغوية للكلمة أو اللفظ المنطوق يرتبط بشدة بالجانب الحياتي الاجتماعي للفرد، بمعنى آخر أنه لا يمكن عزل المعنى أو القيمة اللغوية للكلمة عن هذا السياق الاجتماعي المشتقة منه كليّة. وبالتالي «فإن معرفة الفرد باللغة رهن بضرورة معرفة الفرد أو بمقدرته على المشاركة الفعلية بالسياق أو الجانب الاجتماعي المستخدمة معه أو خلاله هذه اللغة».

ولذا فإن المساحة الاجتماعية تعبّر عن سياق تطور أو نمو اللغة ومن ثم أيضًا كلما تباينت أو اختلفت الممارسات الاجتماعية كلما تطورت اللغة في ذات الاتجاه. وعلى نفس الشاكلة فإن المعاني اللغوية تُكتسب من خلال النسق العلاقاتي الاجتماعي أو الحياتي القائم بالمجتمع.

ويصدق هنا القول بوجود رابطة أو علاقة بين المعنى اللغوي وبين الإطار المرجعي الاجتماعي الذي انبثق المعنى منه. ولعل البنيويين أو أنصار البنيوية كانوا أكثر توضيحًا لهذه الجزئية من الفيلسوف «دريدا». الخلاصة أن الوعي بالأحداث أو التفاعلات الاجتماعية أو الحياتية الجارية يمثل البنية أو الأساس الذي تتطور خلاله اللغة (سواء معنى أو مرجعًا).

لذا فإن لكل فرد هوية أو بنية لغويّة داخلية يكوّنها من خلال الخبرات والتجارب الشخصية والحياتية التي يمر بها ومن ثم يختلف الإطار اللغوي من فرد لآخر بالمجتمع. ولذا تعتبر الرموز اللغوية تمثيلًا دقيقًا لهذه الهويّة الداخلية. ومن خلال هذه الرموز أو الهوية الداخلية يكونّ الفرد تصورًا شاملًا ومنطقيًا للعالم الذي يعيش فيه.

الخلاصة أن أي شكل مادي يمكن أن يتضمن بداخله معنى لغويًّا، لكن المشكلة هنا قد تتعلق بكيفية التوصل للمعنى الحقيقي لهذا الشيء المادي، مع التأكيد على قوة السياق الاجتماعي أو الحياتي في تكوين المعاني اللغوية والأفكار التي تشكّل بدورها تصورات أو رؤى الفرد حيال العالم الخارجي الذي يعيش فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد