لا شك أن تعلم اللغات الأجنبية شيءٌ مغرٍ يدور في خلد الكثيرين، ولا شك أيضًا في قيام الكثيرين بمحاولات لتعلم لغة ما، لكن سرعان ما يتوقفون عند حد معين، وكأن تعلم لغة أجنبية لم يعد بهذا الإغراء الذي كان في البداية، أو أن ما بذلوه من جهدٍ لم يأت بالثمار المرجوة.

والأمر يتوقف على  زعم الكثيرين من العاملين في مجال تعليم اللغات أن تعلم لغة أجنبية لا يستغرق كثيرًا بل ويتمادون في القول بإن الأمر يستغرق عدة ساعات في شهور أو أسابيع ربما لجني المال أو لاعتقادهم بأن تعلم اللغة يكمن في تعلم تعبيرات المناسبات وسماع الأغاني الشائعة أو مشاهدة الأفلام ذات الشهرة الواسعة! وتصديق الراغب في التعلم لذلك. ومن المؤكد أن تلك الأمور مفيدةٌ لكنها في الحقيقة بمثابة من يختار أجود الطلاءات لجدارٍ من ورق أو كمن يبني منزلًا على حافة بحرٍ مع أول موجة عالية يُغمر البناء بالماء ويفقد معنى المأوى.

الأمر الذي ينبغي على المقبلين على تعلم لغةٍ ما معرفته، أن الأمر ليس بتلك السهولة أو كما كُتب في ذلك المنشور الجميل الذي يحتوي على مواد مختلفةٍ لتعينك على تعلم تلك اللغة ويهون من حقيقة الأمر. تعلم اللغات كطفل يتحسس خطواته في الحياة لأول مرة يمشي خطوة ويحبو أخرى، يتحرك ويتعثر، ويحتاج لمساعدة حتى يستطيع المشي بلا تعثر أو وقوع، ثم هو يبدأ في اكتشاف القلم والورق والحروف ثم النطق الخاطئ للكلمات ثم النطق الصحيح تدرجيًا مع الوقت. ولا شك أن الاستيعاب يختلف عن الطفل لكن تبقى المراحل المعتادة لتعلم اللغة هي الأساس ابتداءً من الحروف وانتهاءً بمعرفة الأدوات والظروف وطرق استعمالها الصحيحة.

أما بخصوص مراكز تعليم اللغة المعتمدة التي يُشرف على التعليم فيها متخصصون في مجال اللغة وعلى دراية بطُرق تعليمها لغير الناطقين بها (مراكز تعليم اللغة المعتمدة)  أو حتى كليات اللغات، ما يجب أن تعلمه أيضًا أن تلك الأماكن ما هي إلا مرشد يبين لك معالم طريقٍ طويلٍ ينبغي عليك اكتشافه بمفردك، وإن اكتفيت بما تتعلمه في تلك الأماكن لن تستفيد شيئًا، بل وكأنك لم تتعلم لغةً أصلا. فطريق تعلم اللغة كرحلة سفرٍ تقدر بآلاف الأميال، ليس المهم فيها سرعة الوصول للنهاية، بقدر ما هو مهمٌ فيها أن تعلم كل تفصيلةٍ وتفريعةٍ وصغيرةٍ وكبيرة في هذا الطريق.

تعلم أي لغةٍ أمرٌ شاق في بدايته، لكنه ممتعٌ ورائعٌ مع مرور الوقت والأيام. ويزداد إمتاعًا مع مداومتك على قراءة المقالات المختلفة، واستخراجك للمعاني والمصطلحات الجديدة. وشغفك بمعرفة الأمثال وحكاياتها. هو البحث لاستيعاب معنى جملةٍ بلاغية في روايةٍ مر عليها قرن من الزمن، هو غوصك في أدبيات اللغةِ العتيقةِ وفَهمُك لما كتبه رُواد أدب تلك اللغة.

وكما قال أحدهم تعلم اللغة يستغرق أكثر من عمر الإنسان، فاللغة كالبحر كلما أجدت السباحة ذهبت إلى الأعمق، حتى تصل إلى أعمق الأعماق. فاللغة كائنٌ حي كلما استطعت سبر أغوارها استمتعت بها وانتشيت بجمالها كسكير لا ينتشي  إلا بالخمر العتيق. وليس المقصد هو التنفير من الإقبال على تعلم اللغات، أو التقليل من أي مجهود مبذول، لكن حقيقة الأمر أن تعلم اللغة قد يستغرق عامًا، لكن الاستمتاع بها يستغرق أعوام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد