قامت في الفلبين حضارة إسلامية عامرة منذ أكثر من ثمانية قرون وقد قامت هناك العديد من الممالك الإسلامية التي دافعت عن جميع الجزر ضد غزوات وأطماع المحتلين، وقد ساهمت هذه الممالك في تأصيل الوجود الإسلامي والحفاظ على العقيدة والهوية الإسلامية، ومن هذه الممالك إمارة الشريف أبي بكر في جزيرة (سولو)، وإمارة الشريف محمد بن علي في جزيرة (ميندناو)، وإمارة السلطان (لابو لابو) في جزيرة (ماكتان).

حضارة وتاريخ وأبطال لنا هناك لا نعرف عنهم شيئًا ولا حتى أسمائهم، مجاهدون ضحوا بأرواحهم دفاعًا عن دينهم غيبتهم أيدي الصليبين عن صفحات التاريخ.

فمن وقت أن صرنا شعوبًا مهزومة راضخة، أصبحنا لا نكتب تاريخنا ولا نقرأ، وإن قرأنا فإننا نقرأ ما خطته يد المحتل من تشويه لتاريخنا وإقصاء لقادتنا وتبجيل لقوادهم المغتصبين، فمن منا لا يعرف ماجلان؟ ذا السمعة الحسنة في مناهجنا الدراسية، فإنه كما علمونا رحالة ومستكشف برتغالي عمل في خدمة البلاط الإسباني وهو أول من دار حول الكرة الأرضية، اكتشف ماجلان أمريكا كما يدعون وذلك في إطار رحلته حول العالم التي انتهت به في الفلبين، حيث أخبرونا أنه قتل على يد مجموعة من الهمج وهو يحارب إلى جانب بعض الفئات الفلبينية المتنازعة في جزيرة ماكتان.

لكنهم وعلى الرغم من جميع محاولات التعتيم والتدليس التي بذلها الغزاة الإسبان بهدف تحريف الحقائق ومن بعدهم الميديا العالمية، تظل الحقيقة باقية رغم أنوفهم منتظرة فقط من ينفض عنها غبار الإهمال، فتعالوا نتعرف على حقيقة بطلنا المجاهد «لابولابو» قاتل بطلهم المزعوم ماجلان.

بداية تعالوا نعرف حقيقة ماجلان بطلهم المزعوم من تربى في مدرسة الحقد الكهنوتي القديم والتي أسست منذ سقوط الأندلس، فمنذ ذاك التاريخ تعاظمت في نفوس رجال الكنيسة الكاثوليكية فكرة استئناف حروب الإبادة للمسلمين، وتدمير معاقلهم، ونهب ثرواتهم، وتنصيرهم أو استعبادهم. وكان السبيل الوحيد هو الغزو البحري لبلاد المسلمين، فأعدت الجيوش الصليبية بمباركة البابا، فكانت حروبهم استباحية وانتقامية وطائفية شملت معظم البلدان الإسلامية، وكانت السفن الحربية الإسبانية والبرتغالية هي رأس حربتها، وذراعها الممتدة عبر البحار.

وقد شب ماجلان في تلك الظروف، والبيئة المشحونة بروح العداء والكراهية للإسلام والمسلمين، وعرف بتطرفه الكاثوليكي، وعشقه للمغامرات البحرية فانضم إلى الأسطول البرتغالي وبعد أن صار قبطان طرد من الخدمة، وأعيد إلى البرتغال بسبب خرقه للقوانين، وإبحاره بسفينته نحو الشرق من دون إذن رسمي، ثم عاد إلى الخدمة في العام التالي ليشارك في عمليات القرصنة والسطو المسلح على السفن والسواحل المغربية، ومارس السلب والنهب في حوض الأبيض المتوسط، وفي عام 1514 عرض خدماته على ملك البرتغال «عمانويل الأول»، طالبًا منه تجهيزه بالسفن اللازمة للقيام بمغامرته البحرية، لبسط نفوذ البرتغال على جزر التوابل الواقعة جنوب شرق آسيا وقد رفض طلبه، فما كان من ماجلان إلا أن سرق خرائط الملاح جون كابوت وهرب بها إلى إسبانيا.

وكانت تلك الخرائط سرية نادرة، رسمها الملاح البرتغالي «جون كابوت»، وهي تعد من الوثائق البرتغالية السيادية؛ لأنها تشتمل على أدق تفاصيل المسالك الملاحية، والخطوط الساحلية، والمسطحات المائية في المحيط الهندي، ومقتربات الخليج العربي، التي كانت تعد آنذاك من «حصة» البرتغال، بينما كانت سواحل غرب الأطلسي هي «حصة» إسبانيا بموجب معاهدة «تورديزلاس» الموقعة بين البلدين عام 1494، اعتبرت البرتغال ماجلان خائنًا في حين رحبت به إسبانيا، واستقبله ملكها، ووفر له الرعاية والحماية، وعده مواطنًا إسبانيا من درجة النبلاء، وأبدى موافقته واستعداده لتهيئة خمس سفن عابرة للمحيطات، وضعت جمعيها تحت تصرف ماجلان، كي يقودها بنفسه وفي مقابل ذلك، وافق ماجلان على أن يعلن بأن كل ما يكتشف من أرض ملك لإسبانيا.

وفي رحلته بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادي وصل إلى الممر الفاصل بينهما وهو الممر الذي رسمه «جون كابوت»، وثبته في الخرائط البرتغالية، التي سرقها ماجلان وأطلق عليه ماجلان اسمه على أنه هو مكتشفه، وخلال رحلاته لم ينس ماجلان حقده على الإسلام والمسلمين فلم يطأ أرض بها مسلمين إلا ونكل بهم وعمل على تنصيرهم بالإجبار، حتى وصل إلى جزر أرخبيل الملايو أو «جزر المهراج» كما أطلق عليها العرب المسلمون الذين وصلوا إلى شواطئها كتجار ودعاة، والذين زاد عددهم أكثر بعد سقوط بغداد بيد المغول فهاجر عدد كبير من المسلمين إلى جنوب شرق آسيا خاصة في الملايو وسومطرة وجاوة.

استقر ماجلان في جزيرة «سيبو»، بعد أن اتفق مع حاكمها الوثني «راجا همابون»، على أن يعتنق الديانة المسيحية الكاثوليكية مقابل أن يكون ملكـًا على جميع الجزر تحت التاج الإسباني، وافق الانتهازي «همابون» على شروط سيده الجديد، وأقام نصبًا خشبيًا كبيرًا لعلامة الصليب، وضعه في مكان مرتفع وسط الجزيرة.

ثم أخذ ماجلان يعمل على تمكين حليفه من السيطرة على السكان الأصليين، وتنصير الشعب المسلم، وإجباره على اعتناق المسيحية بالقوة، واشترك مع «همابون» في تحويل عدد من المساجد إلى كنائس، وهدم مقابر المسلمين.

شعر المسلمون أن هذه الحملة ليست كغيرها، تضرب، وتنهب ثم تعود إلى ديارها، إنما غزو عسكري من أجل البقاء الدائم، وكان هذا الشعور كافيًا لإشعال فتيل المقاومة في نفوس سكان الجزر المجاورة، والدعوة إلى التنظيم المسلح، والوقوف بحزم في وجه الطغاة، والبحث عن القائد الشجاع، الذي ينقذهم من هذه المحنة، فوقع الاختيار على الفارس «لابو لابو».

فمن هو لابولابو؟

لابو لابو سلطان مسلم لجزيرة ماكتان إحدى جزر بيسايا الفلبينية، ينظر إليه الفلبينيون كأول بطل قومي قاوم الاستعمار الإسباني وهو ابن السلطان «داتو منغال»، هزم ماجلان في معركة ماكتان 1521، تلك المعركة التي أعاقت بعثة ماجلان وأخرت الاستعمار الإسباني للفلبين أربعين عامًا.

كان (لابو لابو) يدرس الأرض دراسة المقاتل الخبير؛ فيحفر الخنادق، ويقيم المتاريس والتعزيزات، ويستفيد من الأدغال والأحراش، وكان يقظـًا ساهرًا على شؤون رعيته، شديد الحذر عند تنفيذ خططه، التي ما كان يطلع أحدًا عليها إلا عند التنفيذ، كان «لابو لابو» واعيًا لما يدور حوله من دسائس وتحالفات، ويعرف دوافعها وما ترمي إليه، ولا يقع فريسة الخداع والتضليل، وكانت له عيون تعمل لحسابه في جزيرة «سيبو»، من بينها ابنه «ساويلي»، فاستطاع أن يرصد مخططات الغزاة وتحركاتهم، ويبني استعداداته على المعلومات السرية الدقيقة، التي حملها إليه ابنه؛ فنجح في حشد أعداد كبيرة من المتطوعين، وتمكن من تدعيم نقاط الرصد الساحلية حول جزيرة «ماكتان».

وكان ماجلان قد أرسل رسالة إلى «لابولابو» يطلب منه الاستسلام قائلا: «إنني باسم المسيح أطلب إليك التسليم ونحن العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولى منكم بحكم هذه البلاد»، فأجابه «لابو لابو»: «إن الدين لله وإن الإله الذي نعبده هو إله جميع البشر على اختلاف ألوانهم».

المشهد الأخير في حياة الطاغية ماجلان

في يوم 27 أبريل 1521عندما كانت الشمس في منتصف السماء، كانت سفن «ماجلان» تقترب من سواحل ماكتان حيث درات رحى معركة الكرامة توقفت سفن «ماجلان» غير بعيدة عن الشاطئ، أنزلت القوارب الصغيرة وعليها الرجال المدججين بالسلاح والخوذ والتروس والدروع، في حين وقف أهالي الجزيرة ومعهم سهام مصنوعة من البامبو المنتشر في الجزيرة وبعض الرماح والسيوف القصيرة القديمة، وتقدم جنود «ماجلان» متدافعين، ونزلوا من قواربهم عندما اقتربوا من الشاطئ، والتقى الجمعان وانقض جنود «ماجلان» ليمزقوا الأجساد نصف العارية بسيوفهم الحادة ويضربوا الرؤوس بالتروس ومقاليع الحديد، ولم يهتموا بسهام البامبو المدببة ويى تنهال عليهم من كل صوب، فقد كانوا يصدونها ساخرين بالخوذ والدروع، وتلاحمت الرماح والسيوف، لكن «لابولابو» أظهر شجاعة قل نظيرها، واستمات في قتاله، وامتاز بخفة الحركة، وقوة المفاجأة، وسرعة المراوغة، وامتلاك عنصر المباغتة في الوقت المناسب، وهذا ما جعل الإسبان يشعرون أن هؤلاء المسلمين ليسوا كمن تعودوا على محاربتهم، فسقط ماجلان مضرجًا بدمه، وكان لهذا المشهد المثير أثره في بث الذعر في نفوس الإسبان، فتفرق شملهم من هول الصدمة، ولاذوا بالفرار منهزمين، ورفض «لابولابو» تسليم جثة ماجلان الذي مازال قبره ليومنا هذا يشهد على هزيمته على يد المجاهد «لابولابو».

وينظر الفلبينيون إلى اليوم لـ«لابو لابو» كونه بطلاً قوميًا قاوم السفن الإسبانية الغازية، وحفظ لهم كرامتهم ومكانتهم بين الأمم، وبنى مجدهم؛ فأقاموا له في حديقة نصبًا تذكاريًا يحمل عنوان «لابو لابو حارس الحرية»؛ تمجيدًا لهذا البطل التاريخي، الذي يعد رمزًا لحرية ونضال الشعب الفلبيني.

رحم الله المجاهد «لابو لابو» وأسكنه فسيح جناته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

لابولابو

المصادر

عبد الله قادري الأهدل: في المشارق والمغارب، «رحلات الفلبين» المجلد 17.
إسماعيل أحمد ياغي ومحمود شاكر: تاريخ العالم الإسلامي الحديث والمعاصر 1/360.
مصطفى رمضان: الإسلام والمسلمون في جنوب شرقي آسيا 1/360، 361. عبد الله قادري الأهدل: في المشارق والمغارب، «رحلات الفلبين» المجلد 17.
عرض التعليقات
تحميل المزيد