وأنت تمر بخطى سريعة متجهًا إلى عملك أو متخمًا بالروتين ومنشغلًا بالأعباء اليومية، لن تملك نفسك من التوغل في أعمال الفنان العصامي العربي لكحل ما إن تصادفها مقلك للوهلة الأولى، ولن تستطيع الانصراف بنظرك بعيدًا عنها بسهولة، دون التفكير ولو لمرة في تشفير رموزها الكثيفة التي تجبر العين البشرية على الخضوع التام لرسالتها والاستسلام لسحرها. وهي الأعمال التي انتقلت من إحدى أرصفة سوق إنزكان (بأكادير-المغرب) حيث يشتغل الفنان ماسحًا للأحذية، إلى أروقة معرض فني بمبادرة شبابية فريدة.

ظاهرة فنية مميزة تعاني التهميش

اعتاد الفنان العربي لكحل في تحد صارخ للمجتمع المغربي ومنذ سنة 2012 أن يقحم لوحاته السريالية الرفيعة والصريحة في خضم الضجيج اليومي لسوق إنزكان؛ إذ اختار لنفسه مكانًا سحيقًا على أحد أرصفة السوق، حيث فضل ممارسة عزلته الفنية التي ترفعه إلى سماء الخلق والابتكار، في تجاهل تام لصراخ الباعة المتجولين وخطوات المارة المستعجلة ونظراتهم الشرزاء أحيانًا والمغلفة بالفضول أحيانًا أخرى وضجيجهم المتعالي وتجاهلهم كذلك، وكأنه يجعل من ذلك كله معزوفة موسيقية تؤثث مكان عمله.

ويأتي ذلك تتويجًا لسنوات قضاها مرتحلًا، كانت آخرها رحلته لبلدان جنوب إفريقيا، والتي قضى فيها قرابة 7 سنوات من التنقل والرسم ومحاولة التحليق بعيدًا عن القيود المجتمعية وإكراهات الواقع، قبل أن يستقر به الحال بسوق إنزكان، حيث اشتغل ببيع السجائر وتلميع الأحذية لضمان قوت يومه مع عرض لوحاته في وسط هش قد يُعتبَر الفن آخر اهتماماته.

سريالية أيقونية وعمق دلالي

إن الغرابة التي تطبع أعمال الفنان العربي لكحل، سواء منها الرسومات الأحادية اللون والتي برع في إبراز مكوناتها الجمالية بقلم حبر جاف على ورق الكرتون الذي يتخلص منه الباعة بمنتهى اللامبالاة، مستخدمًا في ذلك تقنية التنقيط، أو تلك التي اختار لها ألوانًا مظلمة وهادئة تتماهى وخطوط الصورة في توازن تام، هي السمة المميزة لمجمل أعماله؛ إذ من الواضح أن الفنان العصامي يبرع في تصوير خلجات النفس البشرية في مختلف حالاتها وفضح الصراعات الدفينة التي تحدث بداخلها جراء المواجهة المباشرة والتفاعل مع المواضيع المادية والاجتماعية وكذا السيكولوجية ويمثل بذكاء صارخ مأساوية الكائن البشري وعبثية وجوده، بسريالية محضة سواء على مستوى الرمز أو الدلالة.

وبالاقتراب أكثر من المكونات التي تؤثث لوحات العربي، نجد أن العنصر الأبرز والمكرر في كل الأعمال، رغم اختلاف الوضعيات والحالات التعبيرية التي يقحمه بها، هو الجسد الأنثوي العاري، مقابل حضور طفيف للجسد الذكري، حضور يكاد يوصف بالمنعدم والرمزي أحيانًا، وكأننا به يرسخ لتوجه جمالي وتمفصل أيقوني جديد عنوانه الدهشة.

إلا أن هذا المكون وعلى الرغم من صرامته، فهو يشكل الحلقة الأضعف داخل باقي مكونات الصورة، ذلك أن الجسد العاري، سواء أكان لذكر أو أنثى فهو مجرد من كل دلالات الصمود ومجبر على الهدنة والخضوع والاستسلام لباقي المكونات التي تجذبه وترغمه على مجاراتها جلوسًا أو وقوفا أو حتى غرقًا، ويزيد من حدة هذا الاستسلام الحضور الغامض والقوي لظلال سوداء مفرغة من أي قالب خارجي، والتي تشغل حيزًا هامًا من حجم الصورة؛ مما يعكس لذى المتلقي انطباعات نفسية عميقة وأثارًا بارزة لا يمكن تجاهلها.

صندوق مسح الأحذية لا يغيب عن أول معارض الفنان

لقد كان من الملفت للانتباه أن يحرص الفنان العربي لكحل وهو في غمرة احتفائه بأول معارضه، على توسيم تلك اللحظات بحضور صاخب لصندوق مسح الأحذية الخاص به، مع كل ما تحمله هذه القطعة الخشبية من تمثلات واقعية تحاكي البؤس اليومي ومرارة العيش لدى شريحة عريضة من أفراد المجتمع المغربي، وهي الأداة التي يشعر الفنان العربي بامتنان كبير نحوها؛ إذ لطالما كانت رفيقته على الدوام حتى في أحلك أوقاته وأشدها.

وقد تمكن العربي لكحل من حصد اهتمام العديد من الشباب بمواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تم تداول صوره بمجموعة على الفيسبوك تحمل اسم (عقول مبدعة). ليتم فيما بعد التفكير في سبل من شأنها رد الاعتبار لهذا الفنان المتواري خلف زحمة سوق إنزكان. وهو ما خلص عنه تنظيم أول معرض فني خاص به، تحت عنوان (تعبيرية الشارع) الذي جرى تنظيمه بالمركب الثقافي لأيت ملول خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) في العام الماضي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد