من بين أهم المشاعر التي يتنقل بينها الأطفال، هي مشاعر الخوف الذي ساد اعتقاد إلى وقت طويل أنَّ الطفل يولد مزودًا بهذه الغريزة، إلاَّ أنَّ الدراسات أثبتت أنَّ الأطفال لا يدركون معنى الخوف قبل بلوغهم الشهر السادس، وهذا يعتبر مؤشرًا إيجابيًا لنموهم، فبدء الشعور بالخوف هو علامة صحيّة تدل على قدرة الطفل على ربط الأسباب بالنتائج، وعلى ذكاء وقدرة على التنبه إلى الأخطار التي يعتقد أنها قد تحدق به، ولكن عند بعض الأطفال قد يتحول الحذر والانتباه إلى ما يشبه نوبات من الهلع تنتاب الطفل، وهذا أمر يجب التنبه إليه وسرعة معالجته.

مخاوف الأطفال وكيف تتطور

تتعدد أسباب الخوف لدى الطفل تبعًا لعمره، فمخاوف الرضيع تختلف كثيرًا عن أسباب خوف الأطفال في سن المدرسة، وأيضًا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجارب والخبرات التي مرَّ بها الطفل، وارتبطت بذكريات معينة اختزنها، فتعرضه لحادث سير مثلًا قد يكون سببًا في خوفه من عبور الشارع، وأبرز المخاوف التي تنتاب الأطفال هي:

الخوف من الانفصال

إحساس الطفل بالأمان يأتي من حب المحيطين به، والانفصال عن الأهل هو أبرز المخاوف التي تشعر الطفل بعدم الأمان، فالرضيع يعتبر أمّه مصدر أمانه، وابتعاده عنها مصدرا للخوف والقلق يعبر عنه بنوبات من الصراخ المتواصل، وتحتاج الأم إلى إقناع طفلها تدريجيًا أن انفصالها عنه مؤقت، وأنها ستعود، حتى يقتنع أنَّ عودة أمّه مؤكدة، فيما عند الطفل الأكبر سنًا تزداد مخاوفه عند تركه وحيدًا في المنزل، خصوصًا إن أحس أن تركه هو نوع من العقاب يمارسه والداه معه، كأن يقول أحد الوالدين: (إن لم تفعل هذا سنتركك في المنزل وحدك)، هذا التهديد سيتحول إلى رعب من فكرة بقائه وحيدًا.

الخوف من الظلام

خوف الطفل من الظلام هو خوف طبيعي مصدره الخوف من المجهول، ومع بلوغ الطفل عامه الثاني، يبدأ بالخوف من الظلام، خاصة إن كان يبيت في غرفة منفصلة عن الوالدين، وقد يستمر هذا الخوف إلى سن السبع سنوات، وأحيانًا يصاب الطفل بكوابيس ليلية وهلع من دخول غرفته وحيدًا، والسبب أن خيال الطفل يلعب دورًا في تهويل مخاوفه، إضافة إلى الأساليب التي يتبعها بعض الأهل لتهديد الطفل، وينصح الأخصائيون بترك ضوء الغرفة مضاءً في غرفة الطفل لطمأنته عندما يصحو ليلًا، كما أنَّ قراءة قصة قبل النوم، أو قليل من اللعب والضحك سيفيدان في تخفيف الكوابيس الليليّة.

الخوف من الحيوانات

إن حوالي نصف الأطفال تقريبًا بين عمر سنتين والأربع سنوات يبدون خوفًا شديدًا من الحيوانات، وتبدأ مخاوفهم بالانحسار بعد سن الخامسة، كما تلعب البيئة التي يعيش فيها الطفل في زيادة خوفه أو الحد منه، فالأطفال في الريف يكونون أقل خوفًا وتقبلًا للحيوانات من أطفال المدن، وأيضًا يلعب الأهل دورًا في زيادة مخاوف الطفل، فالأم التي تخاف القطط، أطفالها سيخافون أيضًا.

الخوف من الغرباء

الخوف من الغرباء تبدأ علاماته بالظهور على وجه الطفل من الشهر الثامن، بعد أن كان يبدي أريحية بالتعامل مع الناس الغرباء، ففي هذا العمر يصبح قادرًا على التمييز بين الناس الذين يراهم باستمرار وبين من يراهم لأول مرة، ويمكن التغلّب على خوفه بتوسيع دائرة المحيطين به تدريجيًا، وذهابه في نزهات إلى أماكن عامة كالمراكز التجارية، والحدائق حتى يعتاد وجود الناس حوله.

الخوف من المجهول

مع وصول الطفل إلى عامه الثالث، يبدأ بمزج الواقع بالخيال، فحكايات الساحرة الشريرة، والعفريت الذي يتربص به تحت السرير، واللص الذي سيقفز من النافذة، تكون أبرز مخاوفه، ويعمل عقله الباطن على تهويلها خصوصًا في الظلام، وقد تستمر هذه المخاوف بالتزايد في مراحل المدرسة الأولى، حيث يعزز الأطفال من مخاوف بعضهم ويزيدونها، وأيضًا مشاهدة الطفل لمشهد من فيلم مرعب في التلفزيون، قد يتحول إلى كوابيس ليلية تمتد لشهور، ومما يخافه الأطفال في هذا العمر الحديث عن الغيبيات، كالشيطان وجهنم والموت، فتفكيرهم لم ينضج كفاية لتفهّم هذه الأمور، والأفضل تبسيط الموضوع، وعدم المحاولة بالخوض في تفاصيله حتى لا نزيد من مخاوفه، ويعتبر الاستماع إلى الطفل وسيلة ممتازة لمساعدته على التخلّص من الخوف.

مقاومة الخوف

الخوف هو انفعال طبيعي يجب أن نتعامل معه ببساطة، وهو يكسب الطفل الكثير من الخبرات، ويساعده على تنمية شخصيته، ولكن بشرط ألا تتحول المخاوف إلى هاجس يسكن الطفل طوال اليوم، وغالبًا ما تبدأ مخاوف معظم الأطفال بالانحسار مع نهاية سن السادسة، بعد أن بلغت ذروتها في الرابعة والخامسة، فيما تظل الأشباح والعفاريت واللصوص أمرًا محيرًا للطفل يثير مخاوفه من حين لآخر، إن لم يستطع الأهل كسر حاجز الخوف عند أطفالهم، ويمكنهم ذلك من خلال عدّة طرق، هي:

التفهّم والتعاطف: التعامل مع خوف الطفل يجب أن يواجه بالحب والتفهم من والديه، لا بالسخرية والنقد، فشعور الطفل أنَّ والديه مدركان لأسباب خوفه، يجعله أكثر قدرة على التعامل مع ما يخيفه، وأكثر ثقة بنفسه.

التدرّج: يحتاج الطفل أن يتعرّض تدريجيًا للمواقف التي قد تثير خوفه، فإطفاء الضوء فجأة في غرفته وهو معتاد أن ينام وهو مضاء، سيثير لديه خوفًا شديدًا من الظلام، بينما لو جرى تخفيف الإنارة تدريجيًا كل يوم، سيعتاد النوم بالظلام.

التجربة: مهما أخبر الأهل طفلهم، أن لا وجود لوحش في غرفته، فهو لن يقتنع، لذلك فخير دليل هو خوض المغامرة بحثًا عن الوحش في غرفته، عن ابتكار لعبة في الغرفة المظلمة، أو تمثيل مسرحية، وعندما يرى ظلّه على الحائط، سيتأكد أنّ ظلّه هو الوحش، ولكن سيكتشف ذلك بطريقة مسليّة.

المكافأة: يحتاج الأطفال إلى تقدير شجاعتهم، فذلك سوف يشجعهم على التقدّم في مقاومة الخوف، ومن الممكن أن يتبّع نظام النقاط، فكلما أحرز الطفل تقدّمًا في محاربة الخوف، سينال نقطة، وعندما يحرز عددًا معينًا، سينال جائزة من اختياره.

الخوف مكتسب: الأطفال لديهم قدرة كبيرة على اكتساب مخاوف والديهم، وبشكل عام ستزداد مخاوفه كثيرًا عندما يرى أنَّ والديه وهما مصدر الأمان بالنسبة له، يعانيان من الخوف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد