مما لا شك فيه أن عبد الله العروي مفكر من العيار الثقيل، اختار أسلوبًا مختلفًا في التأليف، فمنذ أن حط قدمه في الطريق الفكري الذي اختاره باقتناع لم ينحز عنه، وأصدر كتاب (الأيديولوجيا العربية المعاصرة) معلنًا ولادة مشروعه التنويري، وسعى من خلال مؤلفاته إلى إعادة النظر في البنيات المجتمعية السائدة على أكثر من صعيد.
إن تفكير العروي تمركز أساسًا حول كيفيات تجاوز التأخر التاريخي، إلا أن هذا التفكير يمر من خلال بوابة واحدة وهي الثورة الثقافية، ولقد أدرك مبكرًا أن قصور القارئ العربي على ضبط المفاهيم المركزية التي تشكل العمود الفقري في أطروحته ينعكس سلبًا على تمثل المتلقي لطبيعة المشروع التنويري الذي يدافع عنه، وعلى هذا الأساس أصدر سلسلة من الكتب؛ مفهوم الأيديولوجيا، مفهوم الحرية، مفهوم الدولة، مفهوم التاريخ، ثم مفهوم العقل. في هذا الأخير يبرهن على استمرار دفاعه بنقد التيارات السلفية، وتأكيده في هذا الصدد على أحقية أي فرد القيام بقراءة فردية للقرآن وتفسيره بطريقة خاصة دون الاعتماد على المفسر أو العالم، شريطة ألا ألزم غيري بتلك القراءة، لنزع القداسة على النص الفقهي والانفلات من الضوابط التي وضعها العلماء من المسلمين. ودعا العروي بإلحاح إلى الدعوة بالانخراط الفكري في تاريخ لم نصنعه نحن لكننا مطالبون باستيعابه، لنتمكن من بناء قيم الحداثة.
أما على مستوى القطيعة المنهجية، فهو ينطلق من فكرة أساسية وهي: أن الفكر العربي لا زال سجين إشكالية النهضة والإصلاح كما صاغها رواد هذا الفكر من خلال السؤال: لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟
صحيح أن إسهامات المفكر عبد الله العروي تعددت (تاريخية، مفاهيمية، روائية…)، لكنها في النهاية تصب تجاه مشروع أوحد وموحد ومتكامل كذلك؛ هو نفسه يقول بأن إنتاجاته الفكرية تشكل وحدة عضوية.
إن كتاب الأيديولوجيا العربية المعاصرة، هو بمثابة تصميم عام لمشروعه الفكري الذي لا زال مستمرًا إلى اليوم. ويمكننا طرح سؤال مركزي تدور حوله منجزاته، كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات العقل الحديث؟
يقف المشروع الفكري عند عبد الله العروي في المرجعية التاريخية التي ينطلق منها، حيث قام بقراءة شاملة للتاريخ العالمي مقارنًا به التاريخ المحلي أي العربي، وتبنيه للفلسفة الألمانية خاصة الماركسية. حيث يمثل كتاب الأيديولوجيا العربية أقوى الكتب المؤسسة للفكر العربي المعاصر، مارس فيه نقدًا جذريًّا، مفككًا الأيديولوجيات؛ فالسلفية يمثلها الشيخ، الليبيرالية يمثلها رجل السياسة، والتقنية يمثلها الداعية التكنوقراطي. وبين لنا سبب إخفاقات السياسات العربية حول التعامل مع الغرب بطريقة انتقائية تجزيئية، وطالب بالتسلح بالنظرة الشمولية للخروج من هذا المأزق، مركزًا على مفهوم التأخر التاريخي في التحليل التاريخاني لأنه يربط تفكير المثقف العربي بفكر كارل ماركس.
إن النقد الأيديولوجي عند العروي يهدف إلى تحديث العقل أساسًا، من أجل تجاوز مظاهر الفكر التقليدي الذي يتعارض تمامًا مع الفكر الحديث بسبب اعتقاده الطوباوي بوجود الحقيقة في زمان ومكان ما. والحل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو القيام بثورة ثقافية شاملة. إذن مشروع عبد الله العروي هو الدفاع عن مشروعية الحداثة والتحديث وسبل ترسيخها في المجتمعات العربية، أي الانتقال من بنية التقليد إلى أفق العقلانية والحداثة.
يجوز لنا القول إن هذا المشروع رسم خطوطه من الأيديولوجيا العربية المعاصرة التي قدم فيها تصوره العام، وانبنى مشروع التاريخانية على ثلاث مراحل: نقد اجتماعي، ونقد أيديولوجي، ونقد ذاتي.
وقبل الختام، الحداثة عند عبد الله العروي هي أولًا واقع تاريخي تقوم على الجانب المعرفي، حيث يسود سلطان العقل بدل سلطان النص. وبخصوص إصداره لسلسلة من المفاهيم فهو اختيار أيديولوجي رامٍ إلى استيعاب دروس الحداثة الغربية باعتبارها خطوة أساسية لتجاوز التخلف التاريخي عبر نقد التيارات السلفية، معتبرًا أن الماركسية هي أفضل مدرسة ونظام فكري ملائم لاستيعاب منطق الحداثة، وبدونها سنكون غرباء في عالم يشيد بجوارنا، وربما على أرضنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد