تستشيط حادثة مدينة Las Vegas «لاس فيغاس» – أكثر المدن سياحية في العالم – بولاية «نيفادا» في الولايات المتحدة الأمريكية، غضب الرأي العام على المستوى الدولي؛ بعد ما عاش المحتفلون أسوأ وأروع لحظات حياتهم على خشبة الطرب  والمرح والموسيقى. حيث تحولت الحفلة بكاملها فجأة إلى بؤرة الجُثث الهاوية، منظر يقشعر من هوله الجلود، ويشيب  بفكرها الرأس. وجعل الناس يبحثون عن ملاذ آمن، وذلك بعد ما فتح رجل مسن نيرانه باتجاه حشود المحتفلين من فندق «ماندا لاي باي» ومن الطابق الثاني والثلاثين. وما يحيرني أكثر فأكثر أنه حدث كله على مرأى من الناس، والفيديو الذي تداولته مواقع التواصل الاجتماعي لعله فيديو لمسلسل قتل على التلفاز، أو لعب طفولي على الكمبيوتر، لا يختلف لا كمًا ولا كيفًا عما يحدث في أفلام هوليوود الأمريكية على يد ممثل أسطوري (سوبرمان)، والفرق كل الفرق بين سيناريوهين أننا نمجد شخصية البطل في الصورة الأولى، وهنا نلعنه إذ انتحر.

ليست هذه أول مرة في الولايات ا لمتحدة يُقتل الناس بمختلف أعمارهم بدم بارد، بل سبقها الكثير ولما كانت القضية تتعلق بحيازة السلاح وشركاته تدر أموالًا طائلةً على الكونغرس لم تلتفت إليه الرئاسة الأمريكية في السنوات الماضية. أو قل بأن الضغوط غير المبررة قد أدت رئاسة «أوباما» إلى اتخاذ موقف الحيطة الأكثر فالأكثر، ففي 12 من شهر يونيو (حزيران) عام 2016 ، نفذ عمر الصديقي متين، البالغ من العمر 29 عامًا، هجومًا شرسًا من خلال رصاصاته على نادي «بلس» الليلي للمثليين بمدينة أورلاندو بولاية فلوريدا، مخلفا وراءه 50 قتيلًا، وقد تم قتله بيدالشرطة بعد ما احتجز لفترة وجيزة بعض الناس كرهائن. وأنا محتار تمامًا وأرى من بين الفينة والاُخرى كيف تتحول الأماكن الخاصة حتى الحرم الجامعي إلى أنهار للدماء الآدمي، وذلك ببلد تمتلك أقوى نظام الأمن والدستور والقانون الديمقراطي، وتفرض نفسها على العالم كبوليس رقابي، وهو ما تمكن منذ عصور غير قليلة على الحد من قتل نفس زكية برصاصات فاقدة الوعي، ولا أنسى قط صرخات اُسرة الطلبة الأجانب – ولا سيما الهنود – الذين يغادرون البلد إلى أمريكا للدراسات العليا ثم لا يعودون أحياء ويستلم ذووهم جثتهم بعد وقوف طويل في المطار الهندي، ولايفوتني في هذا الصدد ذكر حادثة إطلاق النار في 16 أبريل (نيسان) 2007، نفذه سيونغ هوي تشو، طالب جامعي البالغ 32 من العمر حيث أطلق النار في موقعين داخل الحرم الجامعي  بجامعة فرجينيا للتكنولوجيا في بلاكسبرج بولاية فرجينيا، مما أسفر عن مقتل 32 شخصًا وإصابة عدد غير محدد من الأشخاص، ثم انتحر. وقد تبعه إطلاق نار على مدرسة «ساندي هوك» الابتدائية بولاية كونيتيكت، في 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 2012،  ونفذه آدم لانزا، الذي كان يبلغ من العمر 20 عامًا، أطلق النار على 20 طفلًا تتراوح أعمارهم بين الست والسبع سنين، وستة بالغين منهم موظفي المدرسة وأعضاء هيئة التدريس، قبل أن يوجه السلاح إلى نفسه. وفي وقت لاحق أثناء التحقيق، عثرت الشرطة  على نانسي لانزا، والدة آدم، مقتولة إثر طلقة نارية، وكان العدد النهائي لضحاياه هو 28 قتيلا ضمنهم مطلق النار آدم.

وهل ثمة باحث سياسي للولايات المتحدة الأمريكية يفوته حادثة هجوم إطلاق النار على كافيتيريا «لوبيز» في ولاية تكساس، وذلك في 16 أكتوبر (تشرين) الأول عام 1991، نفذه جورج  هينارد، الذي كان يبلغ من العمر  35  عامًا، حيث حطم شاحنته الصغيرة عبر جدار الكافتيريا، ثم خرج منها وأطلق النار على الموجودين، ما أسفر عن مقتل 23 شخصًا، ثم انتحر.  والمحللون السياسيون في الشوون الخارجية يعرفون تمامًا وبصورة جيدة إلى أي حد وصلت دسائس البشرية في الولايات المتحدة فلا يسلم من شرها لا الجامعات ولا المقاهي ولا البارات. ففي 18 من يوليو (تموز) عام 1984 فتح «جيسمس هو برتي، البالغ من العمر 41 عامًا نارًا عشوائيًا على مطعم «ماكدونالدز» وذاك في منطقة سان يسيدرو بولاية كاليفورنيا، وقد كان مسلحًا بمسدس رشاش من طراز «أوزي» وبندقية ومسدسًا، مخلفًا وراءه 21 قتيلًا من بينهم الأطفال والمسنون وقد تم قتله بعد ساعة على يد قناص الشرطة. وماذا تقول لو تحول جندي بدوره إلى ذئب بشري ففي منطقة أوستن، بولاية تكساس، نفذ تشارلز جوزيف ويتمان، أحد جنود مشاة البحرية الأمريكية السابقين، هجوم إطلاق النار من برج جامعة تكساس، وأسقط 16 من الناس قتيلا و30 جريحا وقد تم قتله بيد ضابط الشرطة راميرو مارتينيزو هيوستن مكوي في البرج، ولعلني لا أبالغ  إن أقول إن القتل بدم بارد من خلال رصاصات مجنون عقليًا يحيط جميع مجالات الحياة الإنسانية ففي الثاني من ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 نفذ سيد رضوان فاروق، الأمريكي والبالغ من العمر 28 عامًا هجومًا شرسًا على مركز إنلاند الإقليمي، لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، في سان برناردينو، بولاية كاليفورنيا مما أسفر عن مصرع 14 شخصًا وإصابة 17 آخرين، ويقال إنه عمل متخصصًا بيئي لمقاطعة سان برناردينو لمدة خمس سنوات، مع  زوجته تاشفين المالك، البالغة من العمر 27 عامًا. ولا أنصف الكلام قط مع القطاع الحكومي الأمريكي لو أمر مرور الكرام بدون ذكر حادثة إطلاق النار على مكتب خدمة البريد في منطقة إدموند بولاية أوكلاهوما، في 20 أغسطس (آب) عام 1986، نفذه باتريك هنري شيريل، الذي كان يعمل ساعيًا للبريد بدوام جزئي، وكان مسلحًا بثلاثة مسدسات، مما قتل 14 عامل بريد خلال عشر دقائق، ثم ينتحر بطلقة في الرأس. ولا أعتقد أن المُخ البشري قد أنسي تمامًا هجوم إطلاق نار في قاعدة «فورت هود» العسكرية بولاية  تكساس، في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2009، ونفذه نضال مالك حسن، رائد في الجيش الأمريكي، مما أسفر عن 13 قتيلًا و32 جريحًا، ثم قبضت السلطات عليه وأدانته وحكمت عليه بالإعدام. وقبل أن يطول البحث أكتفي بذكر حادثة أخيرة فقط وهي حادثة هجوم إطلاق نار في مركز اجتماعي للمهاجرين في منطقة بينغها متون بولاية نيويورك، في الثالث من أبريل (نيسان) عام 2009، ونفذه جيفر لي ونغ، مما أدى إلى مقتل 13 شخصًا وإصابة أربعة آخرين، قبل أن يقتل نفسه.

هذا بعض ما حدث في التاريخ الأمريكي الدامي، أما مجموعة الأحداث منذ 1996 حتى الآن فهي تبلغ 130 حادثة إطلاق نار قتل خلالها 889 شخصًا بينهم 145 طفلا، فماذا أقول إذن؟ هل أصف الحوادث التي أفرزتها بالتفصيل بالفشل السياسي والاجتماعي؟ أو أوجه مسوولية هذه وتلك إلى الرئاسة الأمريكية؟ هل هي نتاج فكرة البلد ذاتها التي تقوم على فكرة التهميش، والإقصاء، والإلغاء، والإعدام عبر العصور؟ لا شك أن الجميع في صدد طرح السوال، لماذا مجزرة «لاس فيغاس» الأكثر دموية في التاريخ الأمريكي الحديث؟ وما هي الدوافع لها؟ وهو مقتنع تمامًا بما لديه من الجواب حيث أمريكا الآن في مرحلة التغيير فكريًا سلوكيًا اجتماعيًا؛وفكرة زعامتها وسيطرتها على العالم قد أشغلتها عما يجري في ساحة الوطن عبرالدهور، تشجع السينما المروعة على تبني النشء الجديد سلوكيات فارغة من الود والتآخي والتعامل الحسن، فالكل يريد أن يصبح بطل السوبرمان على الشارع الحقيقي.

أليس من المثار سؤال أن يدخل رجل ستيني في «لاس فيغاس» بكميات من الأسلحة، ويحجز الفندق قبل أيام وينصب الكاميرات حيث يطلع بها على تحركات رجال الأمن، وكيف لم يعرقل مسؤولو الفندق بين ما يريد بادوك؟ هل أمريكا تجيز امتلاك أسلحة بهذه الكمية لرجل بدون أن يلقي بائعو الأسلحة نظرةً على خلفياته؟ لا ضير فى امتلاك الأسلحة للحفاظ على النفس والاُسرة وهو يحصل ببندقية مرخصة من قبل الحكومة كما يحدث بالهند.

«لاس فيغاس» ليست مدينة عادية لأمريكا ولكنها أكثر المدن سياحية بالعالم، وحسب الجريدة اليومية الهندية The Times Of India الإنجليزية ففي عام 2016 وصل عدد السياح فيها إلى 42 مليون أما الأموال فهي تقارب عشر مليارات دولار أمريكي، ويهمني ما أشارت إليه أيضا نقلًا عن الإعلام الأمريكي، بأن كل حادثة إطلاق نار في الولايات المتحدة الآن تكون أكثر دموية من السابق.

قد آن الآوان أن تقوم الولاية المتحدة الأمريكية بتشريع  قانون جديد لحيازة الأسلحة الفتاكة، بدلًا من أن تحذو حذو اللوبي في هذا الصدد وذلك بعد ما تسبر أغوار الخلفيات لشخص يريد امتلاكها، وتصدر أمرًا لكل من يبيع الأسلحة على المستوى الوطني أما صانعو الافلام المروعة فهم ليسوا أقل من مخاطر وكوارث والحاجة ماسة إلى إعطائهم إطارًا لا يخرج الفيلم الجديد منه.  ولا يبعد من القول بأن الأسوأ قادم عن قريب لو لم تلق الرئاسة بالًا إلى هذه القضية الحساسة، كما لا يبعد لو استمرت الحوادث الدموية أن تتحول أمريكا إلى بلد فوضوية تتعود على رؤية الأشلاء والجثث يوميًا. والأمل معقود على النشء الأمريكي الجديد؛ فهم صانعو مستقبل أمريكا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد