تُجبرك منظومة التربية في المجتمع المصري بشكل خاص، والعربي بشكل عام على اتباع سلسلة طويلة من العادات “الروتينية” والمتوارثة من أجيال سحيقة، سلسلة من العادات “المُهلكة” حرفيًا، وغير القادرة على مواصلة نموها في مواجهة اتساع شبكات التواصل الاجتماعي واختراقها للحواجز المُعلنة وغير  المعلنة وصولًا لأعمق التقاليد وأساليب التربية – والتعليم – تجذرًا في المجتمع.

 

حالة متكاملة من التناقضات التي نحياها يوميًا، ونحاول عبثًا تجاهلها من أجل مواصلة حياة غير ذات قيمة، وانتهاءً بنهايات محددة سابقًا، معروفة، ومضمونة للجميع!

 

يتبع الأهل – أغلبهم؛ من أجل تلافي التعميم وسوء الظن بالبعض – مجموعة من قواعد السلوك المتعارف عليها لدينا نحن الشباب، قائمة طويلة من الممنوعات المحفوظة لدى الجميع، وستطول القائمة أكثر  إذا كنتِ فتاة، وستطول أكثر  كثيرًا – جدًا – إذا كنتِ فتاة “أو حتى شابًا” تحاول الخروج عن النص وخلق مسار جديد لن ينتهي بالزواج وإنجاب الأطفال والسير على نفس النهج الذي أنتج من قبل عائلات هشة وأطفال مُحملين بالعُقد النفسية والاضطرابات السلوكية ولن أبالغ إن قلت؛ والكثير  من المشكلات العقلية أيضًا.

 

في ظل تلك المنظومة التي تُكملها “المنظومة التعليمية” لتأتي على ما يتبقى من “الفرد” بحيث تضمن انتهاءه تمامًا وإلى الأبد كمواطن صالح يتبع التعليمات ويعيش حياة منخفضة التكاليف في رضا بما قدره الله وفي دوامة متكاملة من محاولة توفير لقمة العيش، في ظل كل هذا يُنتظر منّا – الشباب – أن نكوّن النواة الأصيلة لجيل قادم يحمل جينات الرضا ويحافظ على النسق هادئًا ومتزنًا! تمامًا كما توارثه مَن قبلنا!

 

في أذهاننا؛ ومنذ نعومة أظافرنا؛ تُطبع الصورة الذهنية المثالية عما يجب أن نكون عليه في المستقبل غير البعيد، يصبح الفتى؛ الرجل “صاحب الكرش” المحمل بأعباء الوظيفة الحكومية والزوجة التي يتم اختيارها من أجل أن تناسب نوعية الوظيفة ومكانة صاحبها، أو فقط رغباته، ذلك الذي يجلس في المساء على القهوة يتابع ماتشات كرة القدم ويعاكس خيال النساء من أجل تعويض الفائض المُهدر من هرمونات الذكورة التي لا يستطيع إشباعها في المنزل المليء بالنكد و”الدوشة من العيال وأمهم”.

 

وتصير الفتاة؛ المرأة المنهمكة حتى النخاع في تحقيق رغبات الزوج والاهتمام بشؤون المنزل وتحقيق المعادلة المستحيلة في تسيير أموره الاقتصادية والاجتماعية والصحية والـ … وربما مع بعض التعليم والاهتمام من الأهل بتربيتها تُصبح المرأة صاحبة الوجه المُعبأ بألوان الطيف التي لم تُكتشف بعد، والتي تذهب للعمل نهارًا وتقضي يومها بين المطبخ – قليلًا – والهاتف والتلفاز  كثيرًا “جدًا”، وبعض من الاهتمام – الذي لن يضر – بالأولاد ودروسهم الخصوصية، ثم في الليل؛ تجتمع الرغبات لتُنتج للعالم أفرادًا جديدين مضطرين لحمل أمانة استمرار الحياة وتكاثر البشرية!

 

الصورة التي تنطبع في ذهنك خيالات قاتمة لتطبق عليك في الأيام الصعبة، وتحيطك بالاتهامات والشكوك من كل الاتجاهات، وتجعلك غير قادر على الإفلات من عذاب نفسك وضميرك فتظل تهرب منها إليها، ومنهم إلى كل الهموم المتلاصقة بك منذ الصغر، وتكتشف في نهاية مسار طويل ومؤلم من الصراع مع النفس والحياة؛ أنك كنت تحارب تلك الصورة التي تتخيلها “تنال رضاهم” هم، تلك الصورة التي تحقق أعلى درجة من المكانة الاجتماعية المفترض أن تكون عليها أمام أناس تجهل عنهم أكثر مما تتخيل أنك تعرف!

 

متى يمكن لتلك السلسلة أن تنكسر؛ لنقول أنه في استطاعتنا الآن أن نمتلك أنفسنا، وأن تنطلق أرواحنا دون رقيب يخبرنا في كل خطوة أننا لسنا هذه الصورة – الجيدة من وجهة نظر الجميع إلا أنفسنا – والمحفوظة بالداخل منذ أن عرفنا الحياة، وأننا حتى لم نقترب منها؟!

 

ما الذي يمكن أن يحدث لنستطيع في مرحلة ما أن نخلق حياة خاصة بنا، حياة يمكننا أن نتخيل بداياتها ونهايتها، أن نضع الخطوات التي تصلنا بما نريد، ونشرع في تنفيذها دون حروب طويلة تستهلك طاقتنا وتستنفذ كل ما احتَلْنا على الزمن لنختزنه من طاقة وقوة من أجل ما نرغب به حقًا؟!

 

على وشك أن أقول أن هذا لن يحدث! ولكني اكتشفت في النهاية أن الأمر يستلزم الكثير من القوة – كبداية – للاعتراف بكل ما نمتلكه من قدرة على تدمير ذواتنا وتحطيم المعنويات – حتى تلك التي تخص سوانا ممن يرميهم الحظ التعس في طريقنا – ورؤية النقاط السوداء – بغزارة – دون غيرها، وكمية هائلة من الطاقات السلبية والرغبة في الموت، وعشق الوحدة والكآبة والإحباط والاستسلام والضعف والعنف – أحيانًا كثيرة –!

 

ثم – قد يلي الاعتراف – إدراك أن ما أفسدناه في سنوات طويلة؛ سيحتاج سنوات طويلة كذلك ليعود لطبيعته! معرفة أن الخطوة الأولى والخطة الجيدة لن ينجحا من تلقاء نفسيهما! وأن المثابرة والسعي الدؤوب وطرق كل الأبواب والمناجاة والبكاء والتعكز على من حولنا قليلًا والسير طويلًا وحدنا، والتعرف إلى الدروب ومصادقة الرحلة في حد ذاتها، وصنع شخصية جديدة من اللا شيء المحطم والمتنازع عليه من كل صنوف الهلاك والدمار الذي تملكنا سابقًا.

 

كل هذا وأكثر؛ سيجعل منا في النهاية شخصية قادرة على السير دون خوف من السقوط! على الإيمان بأنفسنا قبل كل شيء، سيمنحنا بعض اليقين في الله، ثم في الطريق نفسه! في أن المسير هو الذي يستحق كل هذا العناء، وليست النهاية!

 

تقول الأسطورة أن علينا أن نتصنّع الأمور أحيانًا؛ كي ننجح في الوصول إليها!

 

يبدو الأمر مغريًا في الحقيقة، علينا أن نتصنع القدرة على السيطرة، التحكم في زمام الأمور، والمشاركة في صنع واتخاذ القرارات التي تخصنا، تلك التي ستصنع حياتنا فيما بعد. أن نتصنع أن لنا السيطرة على الأشياء التي تخصنا وحدنا، وأننا نمتلك القدرة على تحويل مسار الأمور لصالحنا، أو على الأقل نمتلك الحق في المحاولة من أجل ما نؤمن به دون الإنذار  بلعنات الإله والخوف الدائم من عدم قدرتنا على التمييز بين الصواب والخطأ. “من عدم معرفة ما هو الصواب وما هو الخطأ وما المقياس الذي يحدد كلًا منهما؟!”.

 

حتى هذا لا يبدو أمرًا هينًا، ففي النهاية تنتظرنا معارك الحياة – الأكثر قسوة وغلظة – تنتظرنا أزمات أخلاقية تفتعلها المواجهات الشرسة بين ما نؤمن بحقنا في الحصول عليه، وبين الحدود الصارمة التي يضعها لنا المجتمع بكل عاداته وتقاليده وقيمه البالية وتطرفه في رفض كل ما لا يتفق معها رفضًا قاطعًا وحادًا قد لا تُفلح معه المحاولات الدائمة لإقامة الحُجّة ووضع البراهين والأدلة التي تثبت حقنا وتدعمه.

 

سيكون علينا في النهاية أن ندرك الحقائق، والوقائع، ونختار الطريق، ثم نتحمل النتائج كاملة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد