بداية القول, بسم الله, الملك فؤاد الأول, المخابرات البريطانية, حزب الوفد, الملك فاروق, حرب 48, الصاغ لبيب, النقراشي, إبراهيم عبد الهادي, الضباط الأحرار, انقلاب 52 و54, دولة العسكر, نكسة 67, المخابرات الأمريكية, معاهدة كامب ديفيد, التوريث, اغتيال ثورة يناير والانقلاب, كل تلك الأسماء والمؤسسات والأحداث. هناك شيء واحد فقط يربطهم؛ “جماعة الإخوان المسلمين”.

من الجائز أن يكون الشاب البالغ من العمر 22 عامًا قد تخيل أن تكون فكرته هي الأساس لتكوين أكبر جماعة إسلامية سنية في العالم, ممكن أيضًا أن يكون حسن البنا قد تخيل أن تُحارب تلك الأفكار وتلك الجماعة حربًا شرسة كل شيء بها مباح, ولكن بالتأكيد لم يكن يتخيل الشاب الدرعمي تلك الأحداث التي وقعت في حياته وبعد استشهاده. بدأت الجماعة في فترة ولاية الملك فؤاد, وبعد سقوط الخلافة بسقوط الأناضول على يد أتاتورك.

الجماعة كانت تنتشر بشكل سريع, قوي, واضح ومؤثر, خرجت من الإسماعيلية لتنتشر على ساحل القناة ثم تجد طريقها للصعيد ووجه بحري, هذا ما لفت انتباه عدة جهات؛ القصر, حزب الوفد والمخابرات البريطانية. القصر حاول استمالة الجماعة لمواجهة الوفد, وهذا ما لم تعترض عليه الجماعة, لسببين هما: الجماعة كانت ترى خطورة حزب الوفد, والجماعة لم تكن ترى الملك فؤاد سيئًا كما صورته كتب التاريخ الناصرية.

لكن فعليًا أول من شعر بقوة جماعة الإخوان المسلمين هي المخابرات البريطانية, نُشرت رسائل اُرسلت من القاهرة بواسطة المندوب السامي الإنجليزي إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن, تلك الرسائل كانت تحتوي على معلومات عن حسن البنا وتكوين جماعة الإخوان المسلمين, وفي تلك الرسائل أيضًا مخاوف من تلك الجماعة الوليدة على مصالح المملكة البريطانية في مصر.
الغريب أن تلك الرسائل كانت مستمرة وكانت تحتوي على تفاصيل مهمة في نشأة الجماعة, لكن المخابرات البريطانية تعاملت بحذر وذكاء مع الجماعة, فبعد أن علمت أن الجماعة ليست للبيع أطلقت كلابها لكي تقضي على الجماعة ولكن الجماعة كانت أقوى ومن بعدها انشغلت الحكومة البريطانية في موضوعات أهم في تلك الفترة, حيث كانت المملكة تتهاوى.

تعرض البنا لمحاولات كثيرة لاستغلال الجماعة, ولكنه كان في منتهى الذكاء في التعامل مع تلك المواقف, من ضمن تلك المواقف وأهمها هي هدية شركة قناة السويس المادية, قبلها حسن البنا ولم يعطِ الشركة أي مقابل, ثاني المحاولات كانت محاولة البعض الزج بالجماعة في العنف بسبب تجارة الخمور والدعارة, فحزب مصر الفتاة يدمر محلات الخمور وتظهر بعض الأصوات الإسلامية داخل وخارج الجماعة تتعجب من موقف البنا في عدم القيام بمثل تلك الأفعال.

ولكن البنا استغل الموقف في توعية المجتمع أن الحل الأفضل هو الدعوة بالتي هي أحسن والقانون, وبالفعل كانت الإسماعيلية أول مدينة في مصر خالية من البغاء وذلك بسبب فكرة البنا في تأهيل عاهرات المدينة لكي يعملن في وظائف أخرى, وبنجاح الفكرة نجحت الجماعة في الانتشار أكثر وأكثر, حاول أيضا حزب الوفد وهو من أذناب الإنجليز القضاء على الإخوان, ولكنهم فشلوا, حتى عندما اعتقد النحاس أنه هزم الجماعة عند منع البنا من دخول الانتخابات البرلمانية, ولكن الواقع يقول أن البنا خرج فائزا من هذا الاتفاق فقد استطاع أن يجبر الوفد على إصدار قانون محاربة البغاء.

حاول بعدها الملك فاروق استغلال الجماعة في الضغط على الوفد, استفاد أيضًا البنا من ذلك فأخذ المزيد من الحرية لنشر فكر الجماعة وإعداد كتائب الإخوان لتحرير القدس, ولكن مع وفاة أحمد حسنين باشا وتغير الملك فاروق وحرب 48, كان أمام البنا خياران, الخيار الأول أن لا يرسل كتائب الإخوان للحرب ويستمع لكلام النقراشي رئيس الوزراء الخائن وكان البنا في حاجة إليه خصوصًا مع وجود صدام بينه وبين الملك بسبب عدم رضا الجماعة عن بعض سياسات الملك, الخيار الثاني أن يرسل كتائب الإخوان لتحرير القدس ويواجه بعدها الملك والنقراشي وهو الخيار الأصعب وهذا ما اختاره البنا.

الصاغ لبيب, لمن لا يعرف هذا الشخص, هو من أهم الشخصيات في تاريخ الجماعة، هو مؤسس كتائب الإخوان المسلمين ومؤسس تنظيم الضباط الأحرار. حاول ناصر استغلاله حينما كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين, ولكنه رفض وكان مخلصًا للجماعة وليس لأشخاص ولكن بعد اغتيال البنا سنة 1949 ووفاته سنة 1951 استطاع ناصر الاستيلاء على تنظيم الضباط الأحرار خصوصا وأن الجماعة كانت في وضع صعب.

حتى إبراهيم عبد الهادي حاول استغلال الجماعة, فضغط على البنا لحل الجماعة طواعيةً وبذلك يرضي الملك ويرضي الإنجليز, وعندما رفض البنا تلك المحاولات اغتاله إبراهيم عبد الهادي بمباركة القصر.

حاول ناصر استمالة الإخوان واستغلال شعبيتهم في انقلاب 52, ونجح في ذلك, اعتقد الإخوان أنهم أخذوا القرار الصحيح بمساندة الانقلاب الذي قضى على الأحزاب وترك الإخوان فقط, وعندما استطاع ناصر القضاء على أغلب خصومه, انقلب على نجيب وعلى الإخوان, انخدع الإخوان وقتها وتم استغلالهم.

لعل ناصرًا لم يكن ليفكر في ذلك وحده, فكانت هناك جهات وراءه تعرف جيدًا قوة الإخوان المسلمين سواء من تقارير المخابرات البريطانية أو من التجربة العملية معهم في حرب 48 أو حتى من خلال الأحداث التي وقعت في الفترة ما بين عامي 1952 و1954, في تلك الفترة وضحت قوة الإخوان على أرض الواقع فكان لابد من القضاء عليهم من أجل الحفاظ على مصالح قوة وليدة في المنطقة, هذه قوة ظهرت على الساحة مع اختفاء المملكة البريطانية, هذة القوة الوليدة في المنطقة كانت أمريكا.

نشأت دولة العسكر واستقرت في مصر, تم وضع الإخوان, المثقفين والوطنيين في المعتقلات, جاءت نكسة 67 ثم وفاة ناصر, وجاء السادات وبعد تثبيت نفسه أخرج الإخوان المسلمين من المعتقلات والهدف هو استغلالهم, البعض يرى أن استغلال الإخوان كان في القضاء على الحراك الشيوعي في الجامعات, لكن استغلال السادات للإخوان كان في أمر أكبر من ذلك, السادات كان يعلم جيدًا خوف الإدارة الأمريكية من الإخوان.

فأخرج الإخوان من المعتقلات بحجة الحرية وهو بالطبع كان لا يؤمن بها مطلقًا, ولكن كان يريد أن يوضح للإدارة الأمريكية أن أقوى جماعة تأثيرًا في الواقع السياسي المصري هي جماعة الإخوان المسلمين وذلك بانتشارها الواضح في الشارع بعد خروجهم من المعتقلات وفي فترة قياسية, بذلك أرسل رسالة أخرى هامة جدًا للإدارة الأمريكية, وهي في الواقع رسالة تهديد مفادها “احذروا فالإخوان المسلمون هم البديل”, ومع غضب الشارع من وجود سيناء في قبضة الاحتلال, وقوة الإخوان على الأرض, وبداية حرب 73 تم عقد اتفاق بين الإدارة الأمريكية والعسكر والإدارة الإسرائيلية, الاتفاق هو الجلاء العسكري الغربي عن سيناء, واحتلال مصر كلها عن طريق العسكر المصري, وتمت صياغة هذا الاتفاق في اتفاقية كامب ديفيد.

الإدارة الأمريكية متمثلة في المخابرات المركزية هي الأخرى تستخدم جماعة الإخوان المسلمين, مهم بالنسبة لهم وجود العسكر في الحكم فيضمنون ولاء مصر لهم واستمرار انحدار الحياة في مصر, مهم أيضًا بالنسبة لهم وجود جماعة الإخوان المسلمين, ولكن في دور المعارضة لضمان ولاء العسكر لهم, فالإخوان بالنسبة للعسكر والإدارة الأمريكية هي “البعبع”, الجهتان تستخدمان الإخوان بنفس الأسلوب.

 

مبارك أيضًا استغل الإخوان بنفس الطريقة, “جمال أو الإخوان” تلك كانت الرسالة المرسلة للإدارة الأمريكية من انتخابات برلمان 2005, جاء رد الإدارة الأمريكية في انتخابات برلمان 2010, ثم أتت ثورة يناير, وسواء اتفقت أو اختلفت مع الإخوان فلا يمكن إنكار دورهم في الحفاظ على الثورة, ولأول مرة منذ اغتيال البنا لا يستغل أحدٌ جماعة الإخوان المسلمين, ولا أستطيع القول بأن ما حدث بعد الانتخابات الرئاسية سنة 2012 كان استغلالًا للإخوان, بل كانت مواجهات عديدة بين الإخوان والعسكر, وصلت في النهاية لانقلاب عسكري في 2013.

كلمة أخيرة, لقيادات الإخوان لا تجعلوا أحدًا يستغلكم, بل استغلوا أنتم الأوضاع المحيطة حولكم, فها هو أردوغان, استغل الضغط الأوروبي على الإدارة التركية من أجل إصلاحات ديمقراطية واستلم السلطة وبدأ بناية عصر تركي جديد, ها هو مهدي عاكف استغل وجوده في أوروبا ومناخ الحرية الممنوحة له, فعمل على نشر الإسلام بين غير المسلمين, بل وعمل على تقوية الجماعة خارجيًا, وعندما عاد لمصر وتولى منصب المرشد العام, استطاع استغلال كل الأوضاع السيئة التي أحاطت بالجماعة في ذلك الوقت وتحويل كل الصعاب لمكاسب, تعلموا من تلك النماذج.

كلمة أخيرة, للثوار, لا تتخلوا عن الإخوان, لا تستغلوهم, حافظوا عليهم, اقتربوا منهم, تناقشوا معهم, توصلوا لصيغة توحد صفكم مرة أخرى, هم أقوى مجموعة على الأرض تستطيع مواجهة العسكر, وهم منكم وأنتم منهم, الجميع كان يدًا واحدة في الميدان في ثورة يناير المجيدة أعادها الله علينا, نستطيع العودة للميدان, نستطيع أن نمحو خلافاتنا, نستطيع أن نثور مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد