ثورة يناير، محمد مرسي، الانقلاب العسكري، سلميتنا أقوى من الرصاص، الجهاد، أنصار بيت المقدس، تفجيرات مخابراتية، القاعدة، داعش، لا نريد أن نصبح مثل سوريا والعراق، يسقط يسقط حكم العسكر، المعارضة السورية المسلحة، حرب أهلية. هذا ببساطة ملخص ما حدث في مصر فالبداية كانت ثورة يناير، لم يساندها الجيش، أيضًا لم يحاربها بشكل مباشر، لأن الثورة بما لا يدع مجالًا للشك حققت هدفًا صعب المنال للعسكر، هو إبعاد جمال مبارك عن الحكم، فالعسكر كانوا يأملون أن يتسلموا السلطة من مبارك عن طريق شفيق ولكن الثورة كانت تقاوم حتى وجد العسكر في هذا الجنرال الصغير الدموي ما كانوا يبحثون عنه، فساعدوه حتى قام بالانقلاب العسكري في الثالث من يوليو سنة 2013، مما فتح الباب أمام الكثير من الأحداث المؤسفة والتي لا تزال مصر تعيشها حتى الآن.

“سلميتنا أقوى من الرصاص” تلك المقولة التي أثارت جدلًا في الوطن العربي أكثر من الجدل الذي صاحب مقولة “لدي حلم” للراحل مارتن لوثر كينج، هناك من يسخر من الدكتور بديع ومن يدعمه ومن يسبه ومن لا يصدقه كل هذا بناءً على تلك المقولة، بالطبع أكثر من يكره تلك المقولة هو قائد الانقلاب، فالديكتاتور يحتاج سببًا لوجوده بعد سداد ثمن التذكرة للقصر، يجب أن يكون هناك سبب لبقاء الانقلاب في الحكم مدعومًا خارجيًا وداخليًا، خارجيًا لا يمكن الاستمرار في القول أن الانقلاب قضى على الإخوان في مصر، فالإخوان مازالوا في مصر، لكن من اليوم الأول وجد الانقلاب وقائده السبب الذي سيحاول أن يتشبث به لآخر نفس، هو “القضاء على الإرهاب المحتمل”، الحجة الجديدة لبقاء أي ديكتاتور، هو الإرهاب، أو الفوضى، ولهذا قام الانقلاب بالعديد من المجازر من أجل عدة أهداف من ضمنها جر البلاد لحالة الحرب الأهلية وبالتالي يكون له ذريعة قوية في البقاء ولا يُمارس عليه أية ضغوط خارجية أو داخلية، لكن لم تنجر الثورة لمرحلة حمل السلاح.

تحرك الانقلاب في طريقين، الطريق الأول هو زيادة جرعة الظلم والقتل كي تستتب له الأمور أو يكون هناك رد فعل، هو حمل الثوار للسلاح، لكن لم يحدث هذا أو ذلك، الطريق الآخر هو “إذا كنت تريد زراعة العنف ولم يطرح، فاصنعه بنفسك”، فصنع العسكر ما يسمى بتنظيم “أنصار بيت المقدس” الذي قام بعدد من التفجيرات المخابراتية بامتياز، مثل تفجير مبنى المخابرات بالإسماعيلية وتفجير مديرية أمن الدقهلية وتفجير موكب وزير الداخلية السابق، الغريب أن أغلب من قام بتلك العمليات هم ضباط جيش سابقين، وهذا ما يذكرنا بما حدث في الجزائر أثناء انقلاب العسكر هناك على ثورة الجزائر.

مع زيادة أعمال العنف العسكري في مصر وخصوصًا في سيناء، انضم شباب طيب القلب لتنظيم “أنصار بيت المقدس” مثلما حدث مع أي تنظيم عسكري ينشأ في مكان مليء بالظلم فيكون لهذا الانضمام دافع واحد فقط، الانتقام، لكن قيادات ذلك التنظيم يحركها جهاز المخابرات المصرية، بالضبط مثلما أظهر الفيلم التسجيلي “مخبر القاعدة” الذي تم عرضه مؤخرًا على قناة الجزيرة، كيف كان يستخدم نظام علي عبد الله صالح في اليمن تنظيم القاعدة في اليمن، من أجل الدعم الداخلي والخارجي، المادي والمعنوي، ظهرت داعش مع انتصارات وهمية على قوات تنسحب بشكل غريب ومريب وتترك أسلحتها، أو على قوات ثورية تحارب في جبهة أخرى، فأعلن تنظيم “أنصار بيت المقدس” المبايعة لداعش، وبنفس فكرة صناعة تنظيم أنصار بيت المقدس تم صناعة تنظيم داعش من قادة عملاء وجنود يحلمون بالانتقام.

مع تلك الانتصارات والبروباجندا المصاحبة لداعش، وزيادة رقعة الظلم في مصر وحالة اليأس التي بدأت تضرب بعض الثوار ومع دخول المخابرات لعبة تسخين الثوار، بدأ العديد من الشباب يطلب حمل السلاح وإعلان الجهاد المسلح على الجيش المصري. إذن هيا بنا نحمل السلاح.

لكن دعنا نفكر لثوانٍ، ثوانٍ قليلة، لن أقول الجملة التي يستند عليها النظام من أجل الدعم الداخلي والتي أصبح يرددها الكثير من معدومي الثقافة والعلم وهي “لا نريد أن نصبح مثل سوريا والعراق”، في الحقيقة الوضع في العراق يختلف عن الوضع في سوريا والوضع في العراق بعيد كل البعد عن الوضع في مصر، أما الوضع السوري قريب إلى حد ما مع الوضع المصري، فالوضع في سوريا بشكل عام هو وجود حاكم ظالم وديكتاتور عسكري ينتمي لطائفة دينية تعتبر أقلية وأسرة حاكمة، وجيش مقسم لطبقتين، طبقة القادة وهي من نفس فئة الحاكم، وطبقة أخرى، وشعب مقسم لطبقتين، طبقة من فئة الحاكم ثم يأتي الجميع، ولكن الوضع في مصر يختلف بأن الطبقة المسيطرة في الجيش ليست تتبع أية فئة دينية، أما الطبقة المسيطرة في المجتمع هي الأغنياء الداعمين للجيش، اختلاف آخر بين مصر وسوريا، في سوريا آلة القتل أقوى وأعنف، فتم ضرب الثوار بالطيران، وهذا ما جعل الثوار يرفعون السلاح في وجه النظام في سوريا.

دعنا نرى ما حدث في سوريا بعد تقريبًا 4 سنوات من الثورة، استغلالًا لحالة الفوضى والحرب الموجودة في البلاد ظهرت داعش، وقتلت العديد من الثوار، واستولت على أراضٍ كثيرة حررتها الثورة المسلحة من النظام، وأصبحت خطرًا أكبر من خطر نظام الأسد على الثورة السورية، بل وشرعنت لوجود السفاح بشار في الحكم حتى الآن، كما لها كثير من المواقف السلبية تجاه الثورة السورية.

نصل لبعض الأرقام الهامة، تعداد سكان سوريا حوالي 23 مليون شخص، منهم 12 مليون سوري مشرد، بمعنى أنه أكثر من نصف الشعب مشرد، أكثر من 4 ملايين لاجيء سوري في العالم، أكثر من 1،1 مليون مصاب وهذا الرقم هو الرقم الرسمي المسجل بالملفات وجائز جدًا أن يكون الرقم الحقيقي أكبر من هذا بكثير، أكثر من 131 ألف شهيد موثق، غالبًا الرقم الفعلي أكثر من ذلك بكثير، هذا بخلاف حالات الاختفاء والاعتقال، إذا نظرت لتلك الأرقام قليلًا ستجد أنه تقريبًا 75% من الشعب السوري إما مشرد أو لاجئ أو مصاب أو شهيد. أمر آخر، عندما يعرف النظام أن هناك شخصًا انضم للجيش الحر أو جبهة النصرة فإن أسرته بالكامل تُعدم.

كلمة أخيرة، لشباب الثورة، أعلم جيدًا الغضب الموجود بداخلكم، ولكن هذا قدرنا، فكرة حمل السلاح ليست بتلك السهولة، فإن كان الانقلاب العسكري قد قتل حتى الآن ما يقارب من 6 أو حتى 7 آلاف شخص، فإن حمل السلاح سيولد في مصر ملايين القتلى، نحن لا نثور من أجل انتقام أو غضب شخصي أو أية أسباب شخصية أخرى، ولكن نحن نثور من أجل الوطن وحمل السلاح بشكل مباشر سيؤدي لدوامة عنف ستدمر البلاد والجيش بشكل كامل، وهذا بالضبط ما يريده الانقلاب فهو يعتقد أنه يستطيع أن يحيى على جثث الشعب، وكلما زاد عدد الجثث طال عمره، وفي نفس الوقت لا أقول أنه يجب عليكم أيها الأحرار أن تخضعوا لحكم الظالم وتستسلموا ولكن هناك حركات إبداعية للمقاومة يجب أن نتعلم من تجربة مانديلا، يجب أن يكون هناك ابتكارات أخرى وإبداعات أخرى، بحيث لا يتم توجيه الأعمال الثورية سوى لمن بالفعل يستحقها.

كلمة أخيرة، لثوار سوريا، لا أقصد انتقادكم أو الانتقاص من جهادكم، بل الطريق أمامكم كان مسدودًا ولم يكن أمامكم سوى حمل السلاح، وحينما حملتم السلاح لم يعد من الجائز تركه، أتفهم ذلك والنصر قريب، أعانكم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد