التجارب الإنسانية بعمومها، بطول حركة التاريخ وعرضها، ذخيرة لكل من يهدف لبناء المستقبل، شرط تناول كل هذه التجارب بمنطق أخذ العبر، وموضوعية في تفكيك كل تجربة للاستفادة من مواقفها، وتفادي كبواتها، حتى تراكم المعرفة والخبرة، فالتاريخ والمستقبل يمكن تشبيههما بالقوس والسهم، كلما شُدَّ قوس التاريخ بعمق، كلما انطلق سهم المستقبل بقوة ودقة نحو الهدف. أما الخطأ المنتشر في تناول التجارب الإنسانية هو بالانحياز لأحد أطرافها، والجلوس على مقعد التحكيم، والانغماس في التأييد والرفض – وكأن أيًا منهما له قيمة مضافة لقضايا المستقبل وتحديات بنائه –  فيغلب التعصب على الموضوعية، وتتوه التفاصيل في شوارع الجدال، وتهرب العبر المستفادةكما يذوب التراكم المعرفي، فلا قوس التاريخ قد تم شده ولا سهم المستقبل قد تحرك من مكانه، ويبقى الحاضر محلك سر، أسير عمى البصيرة الناتجة عن سطحية المعرفة، ومكبل بغياب الرؤية، فظلال الماضي تحجب عن النظر للمستقبل.

وبالنظر إلى ما جرى ويجري في أمريكا اللاتينية، نجد العديد من الدروس التي يمكن لها أن تساعدنا في بناء المستقبل، وتدعمنا في حركة التغيير الجذري، خصوصًا وهناك العديد مما هو مشترك بين مصر والوطن العربي وما بين أمريكا اللاتينية – مشترك لا يغفل الخصوصية الحضارية والقومية والتاريخية والاجتماعية للأمة العربية – لدرجة أنه مع طرح المسألة اللاتينية من الممكن أن يخيل للقارئ أن هناك إسقاطات تصل لدرجة اللمز على واقعنا المصري والعربي – تاريخًا وحاضرًا – ولكنه المشترك الذي يشجع على الاستفادة من دروس التجربة اللاتينية لصقل مستقبل مصري وعربي أكثر قوة واستقلالا.

وشعوب أمريكا اللاتينية تنحدر من عائلة شعوب العالم الثالث الذي يسع أخواتها من شعوب آسيا وإفريقيا (ومن ضمنها الأمة العربية)، هذا العالم الثالث الذي لم يكن وقت تكتله ينتمي للدائرة التي مركزها الولايات المتحدة، ولم يكن ينتمي للدائرة المقابلة التي ترتكز على الاتحاد السوفيتي، وكانت لشعوب العالم الثالث ثلاثة مطالب تاريخية مشتركة فيما بينها كلها، ظلت تناضل من أجلها قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها تبلورت بعد الحرب نتيجة تراخي قبضة الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية عقب تآكل قوتها نتيجة الحرب. هذه المطالب هي التحرر من سيطرة الأجنبي، وسيطرة الشعوب على مواردها وثرواتها، والاستقلال في القرار السياسي والاقتصادي.

ولكن قدر أمريكا اللاتينية الصعب هو أن تكون في نطاق دائرة المصالح الأولى للولايات المتحدة الأمريكية، فطالما كانت الولايات المتحدة تعتبر أمريكا اللاتينية حديقتها الخلفية، من غير المسموح لأي قوى خارجية أن تمد نفوذها فيها كما هو ممنوع على قوى القارة اللاتينية أن تتحرك بعيدًا عن الدوران في فلك الولايات المتحدة، وهو ما قد بينه بوضوح مبدأ مونرو في عام ١٨٢٣م، بأن أي قوى – وهذه الاستراتيجية موجهة للقوى الأوروبية أساسًا – تتدخل في الشؤون الداخلية للأمريكتين، سيُعتبر هذا التدخل عمل عدائي للولايات المتحدة الأمريكية. وإذا أخذنا في الحسبان أن الولايات المتحدة لم تكتمل حدودها كدولة إلا عام ١٨٩٨م، وأن التوسع القاري غربًا اكتمل عام ١٨٥٣م بمشترى جادسدن، يمكن لنا أن نستوعب أهمية أمريكا اللاتينية بالنسبة للولايات المتحدة، فقبل أن تكتمل حدود الدولة الأمريكية أصلًا كانت تعتبر أمريكا اللاتينية ضمن دائرة نفوذها المباشر.

هذا يعني أن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت الأصعب على أمريكا اللاتينية منها في آسيا وإفريقيا، لأن آسيا وإفريقيا كانتا تحت سيطرة قوى أوروبية كانت قد ضعفت قبضتها بسبب تدميرها الذاتي في الحرب العالمية الثانية، ودائرة الصراع كانت في صد محاولة الولايات المتحدة وراثة مناطق نفوذ القوى الأوروبية، أفق الاستقلال الأوسع نسبيًا هذا سمح لشعوب العالم الثالث في آسيا وإفريقيا أن تنتصر في بعض الجولات، وأن تحاول التلاعب بين القوتين العظمتين المتصارعتين (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة) لصالح تحقيق مكاسب وطنية وتنموية وسياسية واقتصادية – وقومية في حالتنا العربية – فعلى الرغم من ثمن الدم الغالي الذي دُفع كان في مقابله مكاسب تحققت على الأرض – وأمل في تحقيق الأحلام الأكبر – لكن أمريكا اللاتينية لم تكن لديها هذه الفرصة لأنها من البداية تقع في دائرة نفوذ قوة عظمى بازغة خرجت من الحرب العالمية الثانية أقوى قوة اقتصادية وعسكرية في التاريخ الإنساني، وأي محاولة كانت تقتلع من جذورها، في جواتيميلا في الخمسينات مثلا أو شيلي في السبيعنات أو نيكاراغوا في الثمانينات، مع استثناء الملحمة الكوبية والتي حوصرت حصارًا يهشم العظام، فالثلاثة مطالب المذكورة لم يكن من الممكن تحقيقها في ظل هيمنة قوة هائلة كالولايات المتحدة.

ولكن ظلت هذه المطالب هي مطالب الشعوب اللاتينية، فكيف يمكن لشعب حر ألا يطمح في التحرر من سيطرة الأجنبي؟ وكيف لشعب واعٍ ألا يطالب بالسيطرة على مقدراته وثرواته كي يستفيد هو وحده من ثمار تنميتها؟ وكيف لشعب حي أن ألا يرفض التبعية ويسعى لقرار مستقل في الاجتماع والسياسة والاقتصاد؟

ولكن هيمنة الولايات المتحدة ظلت هي السائدة، بأدوات السيطرة المألوفة، نُظم اجتماعية سياسية ترتكز على نخب اجتماعية، تؤمن نفاذ المؤسسات الأمريكية لموارد القارة اللاتينية، وتفتح أسواق القارة لتفريغ فوائض الإنتاج الأمريكي، وتضمن دوران دول أمريكا اللاتينية في فلك التبعية لأمريكا.

ولأن هذه الأنظمة لا تعمل لصالح عموم الشعب ولكن من أجل نُخب تمثل رؤوس جسور لشبكات مصالح أمريكية / غربية، فمن البديهي أن تتجه أنظمة الحكم للديكتاتورية والاستبداد السياسي، وفي بلاد متعددة الإثنيات كأمريكا اللاتينية كان القهر الإثني أحد أوجه القهر السياسي بشكل عام، كما أن منظومة السيطرة الاقتصادية – أو الاقتصاد الحر كما يسميه البعض – من النفاذ للموارد وإعادة ضخها كمنتجات في سوق مفتوح تؤدي إلى الديون، وتداعيات الديون، من عجز في ميزان المدفوعات وتكاليف خدمات الديون. ثم ينعكس كل هذا في ضغوط طاحنة على المجتمععات اللاتينية، خصوصًا الشرائح الاجتماعية الواسعة التي تدهسها حركة هذه الأنظمة، وتسحقها منظومة الهيمنة الأمريكية، فدول أمريكا اللاتينية هي من أكثر دول العالم في التفاوت الطبقي وفيها أعلى معدلات الظلم الاجتماعي.

ولكن النخب الحاكمة حاولت أن تواجه هذه الأزمات لكن دون أن تحيد عن النهج النيوليبرالي (الاقتصاد الحر)، وكانت النتيجة المزيد من الأزمات، خصخصة مؤسسات القطاع العام ورفع الضرائب وخفض الدعم الاجتماعي، وبالتالي لفة أعمق في دوامة المعاناة الاجتماعية، لدرجة أن البعض أطلقوا على عِقد الثمانينات بالعِقد الضائع، نظرًا لوصول مجتمعات أمريكا اللاتينة  إلى قاع الأزمات، من فقر وإفلاس واستبداد، فتحولت الأزمات إلى اضطرابات في كولومبيا (الأزمة مع الفارك) والأرجنتين (أزمة الديون والإفلاس) وبوليفيا (انفلات التضخم) ونيكاراغوا (أزمة السانتنيستا والكونترا)، وأظهرت هذه الأنظمة عدم قدرتها على تلبية طموحات شعوب أمريكا اللاتينية، كيف وهي أصلًا وجدت لتأمين مصالح أجنبية ونخب داخلية موصولة بها؟ فبنية الأنظمة التي على هذه الشاكلة لا تعمل – ولن تعمل – لصالح عموم الجماهير، والحل الحقيقي يكون بإحلالها بأنظمة اجتماعية سياسية جديدة تعمل على أسس طبقية وثقافية جديدة، كي يستفيد منها أغلبية الشعب وليس أقلية على القمة.

ونضال الشعوب اللاتينية لم يتوقف، والمطالب الثلاثة لم يُتنازل عنها، بل وجدت لها قنوات سياسية تعبر عنها وتسعى لتحقيقها، في تيارات سياسية اجتماعية تعبر عن هذه القوى الاجتماعية المسحوقة، والإثنيات المهمشة، هذه التيارات أُطلق عليها أكثر من مسمى، في زمن الحرب الباردة أُطلق عليها شيوعية، وهذا من أجل قطع جذورها من التربة الوطنية وكأنها تيارات عميلة للروس كي يكون ذلك مبررًا للقضاء عليها بكل السبل، ثم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت تتغير المسميات إلى اليسار ويسار الوسط وأحيانًا الشعبوية، بغض النظر عن المسمى، المهم هو أنه بعد فشل الأنظمة الاجتماعية السياسية الموصولة بالولايات المتحدة بدأ عود هذه التيارات أن يقوى، وبدأ مد هائل أُطلق عليه «المد الوردي» بأن اكتسحت هذه التيارات المشهد، وتوالى منها الحكام في كل أرجاء القارة تقريبًا، ففي عام ٢٠٠٩م كان ١٥ رئيسًا من أصل ٢١ ينتمون لهذه التيارات، فكانت موجة وطنية عارمة تهدف إلى التغيير، وانفتحت أخيرًا أبواب الأمل في التحول الجذري في الواقع اللاتيني.

وقد أطلقنا عليها تيارات «وطنية» لأنها ببساطة عملت لصالح أغلبية الشعب، وقطعت شوطًا في تحقيق مطالبه الرئيسية الثلاثة، أليست هذه الوطنية؟ فالحكم النخبوي الذي يأتي لحساب أقلية على حساب الأغلبية هو استبداد، والمنظومة الاقتصادية التي يزدهر في ظلها نخبة على حساب إفقار الشعب هو استغلال، والنظام الاجتماعي السياسي الموصول بقوى كبرى ويدور في فلكها هو نظام تابع، فالحق واضح وضوح الشمس، والمبادئ لاتتجزأ.

فمثلًا في البرازيل لم تتحقق طفرة اقتصادية على أساس مؤشرات تنمية ومعدلات استثمار وخلافه فقط – كما جرى في مصر أواخر عهد مبارك – بل انعكس ذلك في انتشال ٤٠ مليون برازيلي من الفقر وإتاحة الفرصة للتعليم بما أدى إلى توسيع هائل للطبقة الوسطى. في فنزويلا مثلًا جرى شيء مماثل، بوليفيا أعلنت منح حقوق اقتصادية واجتماعية كبيرة للسكان الأصليين وهو ما لم يتمتعوا به من قبل، باختصار، هذا المد الوطني سعى لفك قبضة الولايات المتحدة عن السيطرة على موارد الشعوب اللاتينية، وحاول تمكين هذه الشعوب من ثرواتها ومقدراتها، وهذه العملية تعني السعي للتحرر من الهيمنة الأمريكية والاستقلال في القرار السياسي والاقتصادي. ولتأكيد قدر من الاستقلال، أقامت دول أمريكا اللاتينية علاقات استراتيجية واقتصادية وعسكرية مع روسيا والصين وإيران.

ولكن هذا المد «الوردي» ذبل لونه وتحول إلى رمادي باهت، فبدلًا من أن يتحول هذا المد إلى شلال هادر، يغير في بنى النُظم الاجتماعية السياسية في الدول التي تحكمها التيارات الوطنية، ويقتلع ما يتبقى في أمريكا اللاتينية من جذوره، بدأ المد في الانحسار ثم تحول للاتجاه المعاكس، فانقلبت الأمور رأسًا على عقب، وانهار البناء الذي لم يكتمل، فالحكومات الوطنية قد زال حكمها بشتى الوسائل، بالخلع أو الانقلاب تارة، وبالسقوط الذاتي تارة أخرى، وبدأ يحل محلها نفس الحكومات المنتهجة للنيوليبرالية الاقتصادية، المعتادة على الدوران في الفلك الأمريكي وتأمين سيطرة هذه القوة المهيمنة، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت.

مسلسل السقوط بدأ في يونيو (حزيران) 2009، بدأت السلسلة تنفك من أضعف حلاقاتها، وكانت هذه الحلقة هي هندوراس، بانقلاب قضائي/عسكري أطاح بالرئيس مانويل زيلايا، ثم تم عزل الرئيس فرناندو لوجو في ٢٤ ساعة أخذ منها محاميه ٥ ساعات فقط كفرصة للدفاع عن موكله، واشتد تيار المد العكسي بداية من سنة ٢٠١٥م باقتلاع الحكومات الوطنية بعد سقوط دانيل سيولي مرشح الحزب البيروني (العدالة الاجتماعية) في انتخابات نوفمبر ٢٠١٥م لصالح مرشح النخبة ماوريسيو ماكري – صاحب التوجهات النيوليبرالية والعازم على تحرير سعر الصرف وإلغاء الدعم على الكهرباء والمياه والغاز – ثم يفوز التحالف الديمقراطي بأغلبية المجلس التشريعي الفنزويلي على حساب الحزب الاشتراكي (حزب تشافيز) وجبهته الوطنية، وتسعى قوى اليمين النيوليبرالي لعزل الرئيس نيكولاس مادورو وجمع 1,8 لتحريك إجراءات العزل، ثم يخسر الرئيس البوليفي إيفو موراليس في فبراير 2016 الاستفتاء على السماح بإعادة انتخابه لمدة أخرى في 2019، ومن بعدها خيبة الأمل لخسارة كيكو فيوجيموري (حزب الشعب) الانتخابات الرئاسية لصالح المرشح الذي كان يعمل في البنك الدولي و في صندوق النقد الدولي (وهو ما يظهر توجهاته وانتماءاته)، ويكتمل المشهد الدرامي في ٣١ أغسطس (آب) 2016 بعزل الرئيس ديلما روسييف التي هي خليفة لولا دي سيلفا المنتمين معا لحزب العمال. كل ذلك بالإضافة لضغوط الرأي العام وانخفاض نسب التأييد في شيلي حتى لو هناك بعض الضوء في المشهد الإكوادوري، يؤكد على أنه هناك مد عكسي غلب المد الوطني «الوردي» في أمريكا اللاتينية.

التجربة الوطنية في أمريكا اللاتينية – وفي كل ربوع الأرض – لم تنته قطعًا، فلا يوجد ضربات قاضية في حركة التاريخ، ونضال الشعوب شعلة لا تنطفئ، قد يخفت توهجها مرة أو تبرد حرارتها مرات، ولكنها تظل حية ينبض قلبها بلهيب الحق والكرامة، ولكن إذا سلمنا بعدم انتهاء التجربة الوطنية، فهي قطعًا قد انتكست وانكفأت، تعطلت وتراجعت، بدلًا من أن تنطلق في تحقيق المزيد من المكاسب للشعوب اللاتينية. ولكن ماهو مهم حقًا هو معرفة أسباب ما جرى ويجري، الأهمية القصوى تكون في تعلم دروس التجربة الوطنية في أمريكا اللاتينية حتى يتم آخذ العبر منها في التجربة الوطنية/القومية في مصر والوطن العربي.

لو سلمنا عقولنا للذهنية الاختزالية، التي تفضل الاجابات الجاهزة والمحددة، وكأن حركة التاريخ عبارة عن معادلات حسابية جامدة وصماء، قد نجد في المؤامرة الأمريكية أشفى جواب، سقطت الحكومات الوطنية على يد الولايات المتحدة، هكذا وببساطة نستريح من عناء البحث والتدبر، ولكن تداعيات ذلك النهج ستنعكس سلبًا وقت ما يبدأ العمل الوطني/القومي في محاولة تغيير الواقع المصري والعربي.

بالقطع للولايات المتحدة الأمريكية دور في ما حدث ويحدث، فأمريكا اللاتينية كانت ممنوع الإقتراب منها سواء من حليف أوروبي أو عدو روسي أو غيره قبل حتى أن تكتمل حدود الدولة الأمريكية، والصراع الطاحن في أمريكا الوسطى والجنوبية على مدار قرن كامل كان لسبب واحد بالتحديد، عدم السماح لأي قوى بالاستقلال عن الهيمنة الأمريكية حتى لا ينتشر هذا النموذج المستقل، خبراء وزارة الخارجية تحت قيادة دين أتيشون أطلقوا نظرية «التفاحة العفنة»، بأن عفن تفاحة واحدة سيعدي كل التفاح المحيط بها في الصندوق، وهذه النظرية التي لاحقا ما تطورت إلى نظرية «الدومينو» الشهيرة، وبعدها أضاف هنري كيسينجر وصف «الفيروس» حينما كان يتحدث عن شيلي تحت قيادة الرئيس السلفادور الليندي، بأن الفيروس سينتشر من شيلي ليصل إلى إيطاليا إذا لم يتم القضاء عليه، هذا «العفن» أو «الدومينو» أو «الفيروس» هو نموذج تنموي وطني مستقل لا يفتح الثغرات لنفاذ السيطرة الأمريكية على الموارد، ونظام اجتماعي سياسي يعمل لصالح أغلبية الشعب وليس نظامًا نخبويًا يخدم مصالح نُخب موصولة بأمريكا، وبالتالي المحصلة النهائية تكون دولا مستقلة لا تدور في الفلك الأمريكي تبحث عن مصالحها وهو ما قد يؤهلها لإقامة علاقات اقتصادية أو حتى عسكرية بقوى منافسة للولايات المتحدة (الاتحاد السوفيتي في زمن الحرب الباردة والصين وروسيا في الظرف الراهن).

كل ما سبق تحقق في المد الوطني «الوردي» أو ماهو معروف بالمد اليساري، فالنموذج التنموي المستقل بدأ يظهر للنور، والثروات التي تُضخ للخارج مع تركز جزء منها عند النخب بدأت في إثلاج صدور الفقراء، وبدأت شرائح اجتماعية واسعة في الصعود على السلم الاجتماعي، وتوسعت الطبقة الوسطى، والأهم هو انعكاس ذلك كله على استقلالية الدول اللاتينية، فهذه الدول حققت قدرًا من الاستقلال الذي سمح لها بإقامة تكتلات اقتصادية، ونسج علاقات استراتيجة وعسكرية واقتصادية مع الصين وروسيا وإيران، وهو ما لن تقف الولايات المتحدة تتفرج عليه مكتوفة الأيدي – حتى بالرغم من كون الولايات المتحدة الأمريكية هي الشريك التجاري الأول مع أمريكا اللاتينية – فبالقطع المد الوطني قاد أمريكا اللاتينية للتمرد على هيمنة الولايات المتحدة، والتحرر من سيطرتها، بمعنى أخر هذا المد تخطى كل خطوط الممنوع والمحظور في العقل الاستراتيجي الأمريكي.

فالذهنية المركبة – والتي هي عكس الذهنية الاختزالية – التي ندعو باتباعها نهجًا للتحليل السياسي لا تستسهل في البحث، فلا يوجد سبب واحد بلم ختلف الأسباب، فحركة التاريخ ليست معادلة حسابية بل تفاعل كيميائي، ومن هذا المنطلق، كون للولايات المتحدة يدًا في تحول اتجاه المد في أمريكا اللاتينية أمرًا لا خلاف عليه، فهي طرف أصيل في الأحداث، بحروب اقتصادية طاحنة وهجمات استخباراتية قاصمة وحملات دعائية شعواء، ليس صدفة مثلًا أن رئيس الأرجنتين الجديد سيتوجه لاستئناف العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا (وإذابة الثلج حتى مع بريطانيا) مع مراجعة العلاقات مع الصين وروسيا (ابحث عن المستفيد). الولايات المتحدة دائما ستحاول إسقاط أي محاولة للنهوض المستقل، وبالنسبة لمصر فالولايات المتحدة دائمًا ستكون بالمرصاد لأن نظريات «الفيروس» و«العفن» و«الدومينو» تنطبق على مصر بأكثر من أي بلد أخرى، نظرًا لمقومات التأثير المصري الهائل في الوطن العربي، فالتغيير الثوري في مصر بنموذج اجتماعي سياسي جاذب سيضرب بتأثيره في الوطن العربي بأسره، وبالتالي علينا في التعمق في البحث عن أسباب ارتداد المد الوطني في أمريكا اللاتينية حتى تتراكم المعرفة ونستخلص كل الدروس المستفادة لأن التحرك الأمريكي من الثوابت البديهية، وكأنه قانون طبيعي.

هل نعتبر مقاومة الولايات المتحدة درسًا من الدروس اللاتينية؟ ولم لا، فالثوريون في مصر والأمة العربية عليهم أن يوقنوا بأن الولايات المتحدة وحلفاءها سيكونون بالمرصاد، كي يعبئ الثوريون كل أدوات الصراع التي ترفع راية الثورة الاجتماعية والوحدة العربية عاليًا وتحميها من الإسقاط والسقوط، فالدرس الأول هو «حتمية انقضاض قوى السيطرة على المد الثوري الوطني/القومي».

الدرس اللاتيني الثاني موصول بالأول، ويبدأ من أزمة الهوية لدى المد الوطني «المد اليساري»، أو تداخل في تحديد شخصيته ومقاصده، هل هو مد إصلاحي أم ثوري؟ هل هذه التيارات جاءت لاقتلاع نظام اجتماعي سياسي أم جاءت لتصلحه؟

بغض النظر عن أدبيات التيارات الوطنية في أمريكا اللاتينية أو خطاباتها السياسية، فواقع ممارساتها على الأرض قد أجاب وأفاض، فالتيارات الوطنية فعليًا جاءت بأنها يسار في مواجهة يمين، كلاهما من مكونات نفس النظام، يختلفون في توجهات السياسات العامة، فهي نخبة سياسية يسارية جاءت تتربع على قمة نفس النظام الاجتماعي السياسي لتجري عمليات إصلاحية فيه، فهي إذًا في المحصلة النهائية تيارات يسارية إصلاحية.

ولكن إذا كان منظور هذه التيارات للمشهد العام مختلفًا، ونظرتها لشخصيتها ومقاصدها مغايرة، كان سينعكس بشكل حاد على المشهد وتداعياته، إذا كانت ترى النظام الاجتماعي السياسي أنه نظام يعمل لصالح قوى السيطرة الأمريكية بارتكازه على نخب هي الوحيدة المستفيدة من بقائه واستمراريته، وأنها في المقابل جاءت لتزيل هذا النظام من جذوره لتحل محله نظامًا جديدًا – يعمل لصالح عموم الجماهير وليس أقلية نخبوية – بمعنى أنها تيارات وطنية ثورية تحمل راية التغيير البنيوي في الدولة والمجتمع.

فالتيارات الوطنية حصرت نفسها في أنها فصيل يساري مشارك بدلًا من تيار وطني ديمقراطي شامل يحمل عدة برامج، وبالتالي سارت في مسار الإجراءات الجزئية وليس طريق الإجراءات الجذرية، مسكنات وعلاج ظاهري وليس عمليات جراحية باترة في جسد الدولة والمجتمع، كل ذلك فتح المجال للمواءمات السياسية مع «اليمين»، مواءمات بين متضادين متنافرين لا يمكن أن يتعايشا معًا، وبات المشهد عبثيًا بيسار إصلاحي يحكم نظاما رأسماليا، ديمقراطية دورية بدلًا من إزالة حكم واقتلاعه، النقد بدلًا من النقض.

وهذا المنهج – عدم التغيير البنيوي – لم يقتصر فقط على الحكم والسياسة، بل امتد إلى الاقتصاد، نبدأ من الركن الأساسي من أركان معادلة الهيمنة، أن قوى السيطرة تنفذ إلى الموارد والثروات ثم تعيد ضخها كمنتجات وسلع في الأسواق المستهلكة، وتستفيد قوى السيطرة من القيمة المضافة في مقابل معاناة القوى المسيطر عليها من العجز في ميزان مدفوعاتها الذي يفضي إلى الاستدانة لسده، وأمريكا اللاتينية من القارات التي تزخر بالمواد الأولوية – وهذا من أسباب تكالب قوى السيطرة عليها (الأوروبية ثم الأمريكية) – كما أنه من أركان الأنظمة الاجتماعية السياسية «اليمينية» في أمريكا اللاتينية، الذي فعله «اليسار» هو أنه لم يغير في بنية هذه المعادلة بل تطرق إلى مسألة عدالة توزيع الثمار فقط، فهو لم يتبوأ مكانة التيار «الوطني» الثوري الذي يوجه عائدات صادرات المواد الأولوية لبناء قاعدة صناعية يوجه ثمارها وعوائدها للإنفاق الاجتماعي ورفع مستوى معيشة السكان – بما يغير جذريًا من بنية الاقتصاد والمنظومة الاقتصادية – ولكن اكتفى بأن يكون مجرد «يسار» قضيته هي توزيع عائدات تصدير المواد الأولوية بنسب أكثر عدلًا، فمن تصدير البترول من فنزويلا إلى تصدير فول الصويا من البرازيل إلى الحاصلات الزراعية من الأرجنتين، تبقى قواعد المد الوطني أسيرة لمراكز استيراد هذه المواد الخام (القوى الصناعية) وخاضعة لإيقاع الاقتصاد العالمي الذي مر بأزمة خطيرة في سبتمبر 2008 (الاقتصاد العالمي الذي تؤثر فيه بقوة قوى السيطرة الغربية بقيادة الولايات المتحدة).

كل ما فات أبقى على رؤوس الجسور التي عبرت منها قوى السيطرة الأمريكية/الغربية لتفكيك كل المكتسبات الوطنية التي حققتها التيارات «اليسارية» في أمريكا اللاتينية، فالإجراءات الإصلاحية الجزئية قد قوت النظام الرأسمالي – وأنقذته – وعدم اقتلاع جذور الرأسمالية المستغلة قد ترك تأثيرها يحد حركة الحكام «اليساريين»، وعدم محو النخب الموصولة بشبكة المصالح الأمريكية قد أبقى عليها متربصة والأخطر هو الإبقاء على أدواتها كما هي دون تفكيك (إعلام مرئي ومقروء، قيادات في أجهزة الدولة، السيطرة على وسائل الإنتاج، أحزاب سياسية)، وبالتالي حينما تراكمت أخطاء الإدارة وأعباء الظروف الدولية تكالبت القوى الراغبة في إسقاط التجربة وعرقلت محاولات تفادي الأزمة، والخطأ في الأصل خطأ التيار الذي من المفترض أن يكون وطنيا ولكنه قام بدور التيار «اليساري» الذي يحاول المواءمة مع نقيضه والتعايش من الذئب الذي لن يتوانى على أكله في أول منعطف، وقد كان، ومن هنا فالدرس اللاتيني الثاني الذي يجب أن نستفيد منه في معركة بناء المستقبل والتغيير الثوري للواقع المصري/العربي هو «اقتلاع النظام الاجتماعي السياسي من جذوره ومحو النخب المرتكز عليها النظام من على الخريطة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مع تصفية أدواتها في التأثير على المجتمع والدولة».

السؤال الآن هو، هل الجماهير في أمريكا اللاتينية تخلت عن مطالبها؟ والغرض من السؤال هو التساؤل عن إمكانية تفريط الشعوب في مطالبها التي تمثل جزء أصيل من كرامتها، الاستقلال، والسيطرة على الموارد، والانفكاك من هيمنة الأجنبي.

الإجابة عن هذا السؤال هو قطعًا لا، لا شعوب أمريكا اللاتينية تخلت عن مطالبها التاريخية التي قدمت في سبيل تحقيقها ملاحم بطولية على طول تاريخها، والأهم هو أن الشعوب عامة – ومنها شعبنا العربي – لا تتخلى ولن تتخلى عن مطالب مغروسة في جيناتها، وتخلي الشعوب عن تيار وطني لا يعني أن الشعوب قد فرطت في مطالبها، وإنما يعني أن هذا التيار لم يعد يجسد المطالب الوطنية، وأن الفجوة بين خطابه وممارساته قد نفذت منها الشكوك، فالحركات الاجتماعية السياسية هي تجمعات بشرية في الأخير، تخضع للحسابات الإنسانية من انحراف أو قصور أو حتى فشل.

حُسن الإدارة هو من أعمدة الحكم الرشيد الذي يضمن استمرارية أي مشروع ثوري – أو حتى إصلاحي – وهو ما لم يتحقق بقدر يضمن استمرارية المد «الوردي» في أمريكا اللاتينية، فالتعثر الاقتصادي قد انعكس بشكل سلبي على الأوضاع الاجتماعية عامة، ولكن السم القاتل كان في الفساد، فالمؤشرات الاقتصادية التراكمية لحقبة «اليسار» في مجملها إيجابية خاصة مع المكتسبات الاجتماعية الضخمة، ولكن فساد الحكم قد هز إيمان الجماهير بتيارات «اليسار»، وثبت يقينها بأنها مؤسسات حكم لا تختلف في فسادها عن «اليمين»، والفارق الكبير ما بين أمل البدايات واحباط الممارسات، قد غذى الرغبة في التصويت العقابي لصالح «اليمين» التقليدي ضد «اليسار» التقدمي، في أمريكا اللاتينية التي يتحرك بندولها الانتخابي يمينًا.

مشكلة الفساد في ظل حكومات تيار المد «الوردي» تكمن أساسًا في المساس بالمال العام، ولكن هذا لم يكن بالضرورة فسادًا لأطماع شخصية – كما هو عادة ما يجري في بلادنا العربية – مثل واقعة شركة كافال في شيلي لنجل ميشيل باتيليت، ولكن فضائح الفساد التي تلاحق المسؤولين في فنزويلا والبرازيل مثلا هي لكشف توجيه المال العام لأغراض سياسية، ففي ظل نظم حكم رأسمالية مفتوحية يكون عادة المنافس «اليميني» يحتكم على ثروات – هو ومن ورائه من شبكة المصالح – مما يوسع قنوات المال السياسي، وهو ما يغري سياسيوا «اليسار» في التفكير في توفير موارد للحملات الدعائية، والتي هم في حاجة إليها نظرًا لتعثر المسار الوطني تحت قيادتهم، وهو نتيجة الإبقاء على مستودعات المال السياسي دون مساس في يد شبكات المصالح المتربصة، فهي دوامة أدت إلى الوقوع في خطيئة المساس بالمال العام، والسقوط إلى مستوى سارقي قوت الشعوب تمامًا مثل النخب الموصولة بشبكات المصالح. فالدرس اللاتيني الثالث والأخير هو «كفاءة الإدارة وعدم السماح للفساد أن يتنفس ولو نفس واحد من هواء الثورة».

ومن هنا حين تتمكن التجربة الثورية الوطنية/القومية عليها أن تأخذ في حسبانها هذه الدروس الثلاثة، كي لا تقع فريسة لأعدائها، وكي لا يكون حاضرها فخًا يحول دون وصولها للمستقبل الأفضل والأقوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد