يقول جورج أنطنيوس في كتابه «يقظة العرب»، إن أشد المغامرات التي قام بها توماس إدوارد لورنس، من حيث الجرأة، وهو على أرض العرب، تتمثل في ذهابه وحده إلى منطقة تدمر، وقيامه بزيارة شيوخ ولد علي وقبائل الكواكبة، وبعد أن جنَّد 35 بدويًّا من ولد علِي، اجتاز إلى بعلبك ونسف جسرًا صغيرًا على الخط الحديدي المتجه من رياق، ثم تابع المُضِي راكبًا حتى وقف على بعد خمسة أميال من دمشق، واختبأ في «قابون»، ثم سلَّم رسالة، كان قد حملها من فيصل إلى القائد العربي في الجيش التركي، رضا باشا الركابي؛ لحثِّ خصوم الدولة التركية في دمشق على أن يقوموا بتشجيع الفرق العربية، التي تعمل في الجيش التركي، على الفرار والانضمام إلى قوات فيصل في العقبة. ولقد أشار أنطنيوس إلى أن لورنس لم يذكر هذه المغامرة في مؤلفاته عن الثورة العربية لسبب ما.

لورنس، الذي قيل عنه إنه صانع الملوك في أرض الجزيرة العربية، والذي قيل عنه بأنه ملك الجزيرة غير المتوج، إنه داهية الإنجليز على أرض العرب، الذي كان مشغولًا بسير الثورة العربية الكبرى ومآلاتها. فكان يتساءل بلسان الحال، وربما بلسان المقال، فيقول: «هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية؟ وهل يغلب الاعتقادُ الوطني المعتقداتِ الدينية؟ وبمعنى أوضح، هل تحل المُثُلُ العليا السياسية مكانَ الوحي والإلهام، وتستبدل سوريا بمثلها الأعلى الديني مثلها الوطني؟».

إعدام الشرق والطريق الثالث:

بعد أن استولت القوات العربية، بقيادة لورنس، على منطقة العقبة، توجه إلى القاهرة لمقابلة رؤسائه من قادة الجيش البريطاني، ليعرض عليهم تقريره عن آخر مستجدات الأوضاع في أرض الجزيرة، ثم ليطلب منهم الدعم اللازم لاكتمال النصر.

وصل لورنس إلى القاهرة، متوجهًا إلى الجنرال كلايتون، اطلع الجنرال البريطاني على تقرير لورنس عن الثورة العربية، ثم أمر بسرعة إرسال سفينة محملة بالمؤن إلى العقبة، وأيضًا أمر بإرسال 16 ألفًا من الجنيهات الذهبية. ثم توجه لورنس لمقابلة الجنرال اللنبي، الذي حل محل الجنرال موراي بعدما فشل الأخير في حربه على القوات التركية في غزة، عرض لورنس على اللنبي، خطة تجهيز 200 ألف رجل من أجل تحقيق تحولات جذرية في الحرب، هذا بعدما أطلعه على خريطة تفصيلية عن طبيعة سوريا وطبيعة سكانها.

وهنا تتجلى عبقرية ذلك الداهية الإنجليزي الذي استطاع من خلال المعايشة والمشاركة والملاحظة ثم القراءة، ثم وبلا شك، من خلال التراكمات والتجارب التي خاضها من قبل، استطاع أن يشرِّح البيئة الاجتماعية والجغرافية، وبناءً على تشريحه هذا كان يضع أو يشارك في وضع الخطط العسكرية التي أثمرت في النهاية. وأقول، لذلك استطاع الغرب أن يحكم العالم، فلقد قدموا أصحاب الكفاءات المتميزة، وقدموا لهم الدعم اللازم حتى يصنعوا لبلادهم الأمجاد، أما نحن العرب، فقد قدمنا التافهين والأقزام والمنتفعين على مر العقود الماضية، فكانت النتيجة العادلة هي ما وصلنا إليه اليوم. والعجيب أن فينا مَن يلوم الغرب لأنه أخلص لعقيدته، وتفانى في خدمة قضايا بلاده.

بعد الاستيلاء على العقبة، أصبحت سوريا هي الهدف القادم، وكانت معرفة الفارق ما بين طبيعة الحجاز وسوريا ضرورية بالنسبة للقوات العربية. وعن ذلك قال لورنس، إن الفرق ما بين الحجاز وسوريا، هو كالفرق ما بين الصحراء والأرض الخصبة، لذا كان من مصلحة الثورة العربية الكبرى، في مرحلة نموها المبكر، أن يفرض التغيير نفسه على الساحة العربية، وكان علينا أن نعمل المستحيل لحرث الأراضي البور المهدورة، وأن نجعل الوطنية والقومية تنمو في مكان مليء بيقين الله، إن مبدأنا بين القبائل يمكن أن يكون فقط كعشب الصحراء، جميلًا وسريع النمو، ولكنه إذا تعرض لحرارة النهار فسوف يذبل ويتغير، لذا فالأهداف والأفكار يجب أن تُحَوَّلَ إلى شيء ملموس بواسطة التعبير المادي.

ثم أخذ لورنس يُشرِّحُ البيئة بكل ما تحمله من تعقيدات وتناقضات، تشريحًا لا تتسع المساحة لذكره تفصيلًا، ولكنه باختصار قسَّم الأراضي السورية إلى مناطق عديدة، ثم تناول كل منطقة، على حدة، على المستويين، المستوى العام الذي يميز المنطقة، ثم المستوى الخاص الذي تختلف فيه فئة عن فئة أخرى داخل المجتمع، ثم انتقل إلى التشريح من حيث الأعراق والأجناس والديانات والمذاهب والعادات والتقاليد، فكان يحدد نقاط الاختلاف ونقاط الاتفاق، ثم فكر في الطريقة التي تجمع كل تلك الاختلافات في بوتقة واحدة مؤيدة لجيش فيصل ضد الأتراك. ثم حدد الوسائل التي ينبغي استخدمها لتحفيز السوريين على الانضمام إلى الثورة، فكانت اللغة العربية هي مفتاح الرأي العام السوري، ومن خلال اللغة سيتم النفوذ إلى فتح أبواب الخيال من أجل الوصول إلى وسيلة التحفيز الثانية، وهي التذكير بالمجد الإسلامي القديم، مجد الخلفاء.

ومن خلال ذلك التشريح القائم على الدراية والمعرفة، استطاع أن يحدد الطريق إلى النصر، فلقد قال، إن المركز الخطير لسوريا في كافة العصور، كان يكمن في «وادي اليرموك، وحوران، ودرعا»، فإذا انضمت لنا حوران فإن حملتنا ستنتهي بشكل جيد.

لقد استطاع لورنس من خلال هذا التشريح للبيئة ومكوناتها أن يصنع الأرضية الصلبة التي سوف تُبْنَى عليها الخطط الحربية، ولقد استطاع أن يُصَوِّر في أذهان القادة والقوات، صورة ذهنية واضحة عن طبيعة المعارك القادمة للاستيلاء على سوريا.

وبالفعل استولى على سوريا في خريف عام 1918، ولقد استقبل السوريون فيصلَ وجيشَه استقبال الفاتحين. وأشير إلى أن ذلك النصر الذي حققته القوات العربية المسلمة على القوات التركية المسلمة، لم يكن نصرًا عربيًّا خالصًا؛ فلقد كان للغارات الجوية البريطانية على المواقع التركية أثرٌ مدمر، ولقد كان للمدفعية البريطانية دور معنوي وحربي كبير، ثم إن عمليات تفجير خط السكك الحديدية، التي كان يقوم بها لورنس وأعوانه، تسببت في تقليل عدد القطارات التي كانت تتجه من دمشق إلى المدينة، بل لقد تضاءل عدد الرحلات حتى وصل إلى رحلة واحدة أسبوعيًّا، بل لقد أصبحت الرحلة من دمشق إلى المدينة تستغرق خمسة أيام بدلًا من 18 ساعة، وهذا ما تسبب في نشوء حالة من الرعب للجانبين، الجانب العربي السوري، والجانب العسكري التركي، وبالتالي عانت القوات التركية نقصًا في الإمدادات.

وما ساعد فيصل أيضًا في الاستيلاء على سوريا، هي طبيعة مكونات القوات العربية، إذ كان الثوار المقاتلون يمثلون قبائل مختلفة، وكانت القبائل تشارك في الحرب بالتناوب أحيانًا، إذ كانت موزعة على أيام الأسبوع، وأيضًا كلما كانت القوات العربية تحرز تقدمًا، كانت تتوافد قبائل وعشائر جديدة للانضمام إليها مع أداء القسم على الولاء لفيصل وللثورة. ومن هنا تراجع دور الاستخبارات التركية تراجعًا كبيرًا، فما كان بمقدورها أن تحصر عدد القوات العربية وتحدد أسلوبها القتالي؛ لأنها قوات غير نظامية، وأيضًا كان من الصعب على الاستخبارات التركية أن تتعرف على نوع الأسلحة التي تسلح بها العرب وحجمها. وأيضًا كانت بعض القبائل العربية تقاتل بجانب الأتراك منذ بداية الثورة، ومع تقدم العرب يومًا بعد يوم، قامت تلك القبائل بخداع الأتراك، إذ كان شيوخ القبائل يُظهرون الولاء للدولة التركية، في حين أنهم كانوا قد انضموا إلى قوات فيصل. ثم لقد وضع لورنس استراتيجيات قتالية تتناسب مع طبيعة كل بيئة، وتتناسب مع حجم الثوار العرب الذين لم يتدربوا على الأساليب القتالية الحديثة التي تتمتع بها الجيوش النظامية وقدراتهم، كاسترتيجية «اضرب واهرب داخل الجبال وخلف الأشجار»، وذلك تجنبًا للخسائر الفادحة .

وبهذا نجحت الثورة العربية في تحقيق الاستقلال عن الدولة التركية. لقد دخل فيصلُ سوريا فاتحًا وسط تهليل السوريين وتكبيرهم. وأيضًا لقد رحلَ صانع الملوك، من أرض الجزيرة، رحل الضابط البريطاني، المُلقَبُ بلورنس العرب.

ويروق لي أن أختم بكلامه الخطير الذي قاله عن حروبه ومغامراته في بلاد العرب على مدار عامين تقريبًا: يقول لورنس: «إن كل ما بذله الحلفاء للعرب من وعود قد تَبَخَّر بتأثير مطامع إنجلترا في بترول العراق، وتحت تأثير سياسة فرنسا الاستعمارية، إن كل ما نحتاجه هو أن نهزم أعداءنا، والتُّرْك، من بينهم.

وقد استطاع اللنبي بحكمته أن يحقق ذلك في آخر الأمر بخسارة تقل عن 400 قتيل، وذلك باستغلال المعارضين لتركيا».

ويواصل لورنس فيقول: «وكم أنا فخور بالمعارك الثلاثين التي خضتها، والتي لم ترق فيها نقطة دم إنجليزي. إن مجلس الوزراء قد دفع العرب إلى أن يقاتلوا في صفنا لقاء وعود معينة، وعود بأن يحكموا أنفسهم في المستقبل. ولم يكن هناك بدٌ من أن أدخل في المؤامرة وأُصبِح أحد أعضائها، فأكدت للعرب ما بُذِل لهم من الوعود عن مكافأتهم على ما سيبذلون من عون.

وفي السنتين اللتين رافقتهم فيهما بين نيران الحرب نَمَت ثقتهم بي، ونمت تبعًا لذلك ثقتهم بحكومتي، فاعتقدوا أنها لا بد أن تكون مخلصة مثلي، وقد أنجزوا ما أنجزوا من عمل مثمر بدافع من هذه الآمال.

وها أنا ذا أعاني من الشعور الدائم بالمرارة والخزي، بدلًا من أن أكون فخورًا بما حققت بمعونتهم من انتصار، وقد كان واضحًا منذ البداية أن هذه الوعود المبذولة تصبح حبرًا على ورق في حال انتصارنا.

ولو أخلصتُ للعرب لنصحتهم وقتذاك بأن يعودوا إلى بيوتهم، وبأن لا يغامروا بحياتهم في القتال لقاء دراهم معدودة. وقد غامرتُ بنفسي في هذه المؤامرة الغادرة لأني كنت واثقًا أن مساعدة العرب لازمة ضرورية لإحراز ذلك النصر في الشرق رخيصًا وسريعًا، وقد فضَّلتُ أن نكون منتصرين وناكثين بالعهد على أن نكون خاسرين مهزومين».

إعدام الشرق والطريق الثالث. أُكْمِلُ ما تبقى في كتابات قادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

أعمدة الحكمة السبعة، توماس إدوارد لورنس
ثورة في الصحراء، توماس إدوارد لورنس
الطريق إلى بيت المقدس، الدكتور جمال عبد الهادي
تجديد الفكر القومي، الدكتور مصطفى الفقي
يقظة العرب، جورج أنطونيوس
عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

بدر كانت أمة ج(2)
منذ يوم
تاريخ وفلسفة