قبل الولوج في الموضوع الأساسي للمقال وقبل سبر غوره؛ لأصل إلى قاعه لا بدّ أن يعرف القارئ الكريم إن أهم المذاهب التي تسود العالم في الوقت الحاضر ثلاثة مذاهب، وهي: المذهب الرأسمالي الذي يقوم على تنمية الملكية الفردية والتوسع في مفهوم الحرية، والمذهب الاشتراكي الذي يقوم على الملكية الجماعية بين أفراد المجتمع الواحد وتدخل الدولة في كافة المجالات، والمذهب الإسلامي، إلاّ إن العالم يتقاسمه بشكل فعلي المذهبان الأولان، فلكل منهما أدواته وأسلحته الخاصة التي يستند عليها في مواجهة المذهب الآخر أثناء الصراعات الفكرية والسياسية.

أما المذهب الإسلامي فلم يلق التطبيق الأمثل إلاّ في بداياته حيث تمخض عنه في ذلك الوقت أعظم تجربة اجتماعية وسياسية واقتصادية، أما بعد ذلك فقد بدأت هذه التجربة بالاضمحلال والتصدع؛ نتيجة أسباب عديدة أهمها وصول أناس للحكم لم ينم الإسلام في نفوسهم ولم يداعب أرواحهم، فكان همهم الشاغل السيطرة على دفة الحكم دون اكتراث إلى تعاليم هذه الشريعة السماوية السمحاء، وأسباب أخرى لا يوجد فائدة من ذكرها في المقال، عليه أصبح الإسلام في الوقت الحاضر مجرد نظرية ومجرد عقيدة في نفوسنا.

من المقدمة الموجزة أعلاه أردتُ التمهيد إلى مسألة مهمة، وهي إن كل نظام أو مذهب من المذاهب أعلاه لهُ فلسفته الخاصة في الحكم وقواعده القانونيّة التي يطبقها، فعندما يواجه مشكلة معينة يستنبط الحل لهذه المشكلة من الفلسفة التي يقوم عليها، إلاّ إن ما يحدث الآن في الدول العربية والجمهوريات الإسلامية التي غالبية سكانها من المسلمين، فضلًا عن إن دستورها ينصّ على إن الإسلام مصدر أساس أو المصدر الرئيسي للتشريع نجدها غارقة في مستنقع القوانين الغربية الوضعية التي هي من صنع البشر المليء بالنقص تاركين الشريعة الإسلامية خلف ظهورهم ولا تلجأ إليها إلاّ في حالة ظهور نقص في القوانين الوضعية.

ممّا تقدم هناك سؤال استنكاري يطرح نفسه، إذا كان لكل نظام فلسفته وقواعده التي يطبقها فلماذا تُحمل الشريعة الإسلامية وزر النقص الذي يعتري القوانين المشرعة أساسًا وفق نظام ومذهب وضعي يختلف عن الشريعة؟! والله هذا من العجب العجاب!، أقول في البدء طبقوا الشريعة الإسلامية الصحيحة وبعدها أطلقوا سهام النقد ورصاص الشبهات إذا لم تجلب لكم السعادة، طبقوا ما جاءت به الشريعة من مبادئ حول التأمين الاجتماعي والصحي بعدها انظروا هل يبقى فقير؟ وهل يبقى مريض دون علاج؟وهل يلتجئ أحد إلى السرقة؟

إما القول بأن هنالك دولًا إسلامية يوجد فيها بطالة وفقر وشعوبها غير سعيدة، أقول إن هذه الدول لم تأخذ من الإسلام شيء سوى التسمية أما في الواقع الفعلي فهي تطبق القوانين الغربية في أغلب المجالات، وأنا متيقن بعد قراءة هذا المقال من قبل القارئ الكريم سوف يقدح في ذهنه سؤالين تقليديين، أول هذه الأسئلة هو كيف يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية في خضم هذا الاختلاف الكبير بين مذاهب الفقه الإسلامي؟

نحن نقول إن هذه الشبهة مردودة جملةً وتفصيلًا، ولا تقف حائط صدّ أمام تطبيق الشريعة الإسلامية، ألم ندرس في المراحل الأولى في كليات الحقوق إن هنالك العديد من المدارس القانونيّة منها المدرسة اللاتينية، والرومانية وغيرها من المدارس وهي مختلفة في ما بينها، بل إن الاختلاف وصل حتى داخل المدرسة الواحدة ألم ندرس اختلاف النظريات في المدرسة اللاتينية، فلماذا الاختلاف عائق أمام تطبيق الشريعة الإسلامية بينما الأمر ليس كذلك في الفقه الغربي؟!

أما السؤال الآخر إن الشريعة غير صالحة لكل مكان وزمان، فلم تعدّ تواكب التكنولوجيا الحديثة (الكمبيوتر، الموبايل…إلخ) فكيف يمكن تطبيقها على هذه المسائل المستحدثة؟ أقول من يتمسك بهذا الشبهة لا يملك أي فكرة عن الإسلام، إذ يوجد في الأخير الاجتهاد وهو استنباط الحكم الشرعي من القرآن والسنة المطهرة، واستنادًا للاجتهاد وضعت بعض المذاهب الإسلامية الكثير من الأحكام الفقهية التي تعالج أمور التكنولوجيا مثال ذلك فقهاء الأمامية المعاصرين وغيرهم من المذاهب الإسلامية.

في الختام أقول لقد مرت على الإسلام فترات عصيبة بسط فيها الجهل سلطانه فتهنا في ظلمات دونها ظلمات الليل الدامس، ولكن من قلب هذا الظلام لا بدّ أن تنطلق شرارة الإيمان التي تجمع الحوزة العلمية في النجف الأشرف مع الأزهر الشريف لتقنين الشريعة الإسلامية ليعود الإسلام رافدًا للعالم بمعين المعارف الزاخرة لا يمكن ان يُطفأ لهُ نور، وإن خبا في فترة من الفترات فإلى حين ثم ينجلي الغُبار عنه ليعود الصبح بازغًا من جديد ليرفع سدل الظلام ويطوي كوابيس الفتن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!