«القانون مفيهوش زينب» كلمة رددها فؤاد المهندس بأحد مسرحياته، أضحكتنا حينها، ولربما غاب عنا جميعًا ما كان وراء الكلمة من معنى وهو قوة القانون، التي كان يحتمي بها المحامي فؤاد المهندس في دولة مؤسسات تحترم القانون، في وجه بلطجي سلاحه القوة، يريد أن يستشهد «بزينب».

تلك الجملة البسيطة تمثل حالنا لكن بصورة عكسية، ففي شبه الدولة التي نحيا فيها، صار القانون يعرف زينب وصافيناز ويعرف عباس وعسكر، القانون عندنا صار يعرف طبقة الحكام والأغنياء والمطبلتية والراقصات، لكنه لا يعرف باقي الشعب الكادح والمنهار من ثقل الحياة على كاهله.

فالقانون لا يحمي المغلفين يا سادة، أقصد لا يحمي الشعب، ببساطة شديدة صارت كل القرارات التي تتخذ والقوانين التي تسن من بعد انقلاب 2013 كلها تصب في مصلحة المنقلبين وأذنابهم «وكله بالقانون».

لا يمكنني أن أستعرض كل تلك القرارات ولا تلك القوانين التي اتخذها المنقلبون بالتفصيل ضد مصلحة المواطن، ولكن سأعرض جزءًا منها، وأحاول شرح القليل منها، فحجم المصيبة أكبر من أن يشمله مقال.

من القوانين والقرارات التي دعست المواطن المصري «رفع الدعم، وتعويم العملة، وقرار السيسي بإنشاء تفريعة قناة السويس في عام واحد مما قضى على الاحتياطي النقدي، وسياسات القروض التي تنتهجها حكومات السيسي مما أغرق البلاد، والمشروعات الفنكوشية التي يحلم بها السيسي لينهض من نومه مقررًا أن ينفذها دون دراسة، والتنازل عن حصتنا في ماء النيل، والتنازل عن آبار الغاز، وبيع أرض مصر من جزيرتي تيران وصنافير إلى جزيرة الوراق وما خفي كان أعظم، بيع أرضي لأمير الكويت، وصفقات سلاح فاشلة ولا قيمة لها بمليارات الدولارات حتى يشتري صمت تلك الدول عن انقلابه ويدعموه، خصخصة مؤسسات ومصانع وأراضي الدولة للعسكر فلم يعد هناك أي مجال في اقتصاد مصر لم يسيطر عليه جنرالات العسكر بداية من عربات الفول وحتى صلات الأفراح وغير ذلك الكثير والكثير.

وهننا سنعرض باختصار لأحد طرق نهب الدولة والمواطن في مصر ولكن بالقانون، فقد كتب الدكتور محمد كمال عقدة على صفحته شارحًا عملية واحدة بسيطة من عمليات السطو المنظمة على خزينة الدولة.

فكتب قائلاً: على مسؤوليتي

صورة تذكرة طريق شبرا/بنها تم مشاركتها عدة مرات في الأيام الأخيرة الماضية، وعندي توضيح قد يغيب عن البعض حتى تعرفوا كيف تنهب مصر وفي ظن بعض الناهبين أنه (بالحلال) عن طريق سرقة مقننة لمصادر الدولة والمواطن.

أول شيء أحب أن ألفت نظركم إليه: أن الإيصال كتب به (الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية الطرق) لماذا لم يكتب وزارة النقل والمواصلات، أو الهيئة الوطنية للنقل، أو إدارة محافظة القليوبية للنقل؟ لماذا شركة؟

فمعنى شركة أي أنها إما قطاع خاص، أو أنها شركة قطاع عام، ولو كانت كذلك، فمن الشركاء وكيف توزع الأرباح؟

سأشرح بطريقة مبسطة..

هذه شركة (وطنية) أي ملك الدولة لكن مسجلة كالقطاع الخاص من أجل تحقيق أرباح أكثر، والشركاء هم مجموعة شركات أخرى عنكبوتية ملك الدولة (ركز معي ملك الدولة وليس المواطن).

ستقول لي: أرباح هذا جيد.

سأجيبك: تمام لكن جيد لمن؟ هل لمصلحة المواطن؟

سأقول لك: لا أبدًا لمصلحة اللصوص، فطالما هذه شركة وليست هيئة أو وزارة يصبح من أهدافها الربح علي مصلحة العميل أي أنت «المواطن».

وطالما هي شركة (وطنية) قطاع عام فلم تعامل معاملة خاصة؟ مثل أنها لا تدفع ضرائب على الأرباح مثل الشركات الخاصة، وتأخذ المناقصات بالأمر المباشر بدون شفافية أو محاسبة، وبالطبع بما أنه ليس هناك محاسبة فليس هناك مراقبة أو تفتيش علي جودة المنتج وهو الطرق والكباري.

وطبعا ليس هناك من يحاسب أو يحقق بأسعار المناقصات وأسعار الخدمات كما بالإيصال.

فمثلًا:

شركة من هذه الشركات بعد الاختلاس والعقود المزورة وغيرها، حققت أرباحًا،  بقيمة 300 مليون جنية في السنة، يتم توزيع الأرباح كالاتي، وهذه عملية توصيفية وليست تدقيقية للموقف للتوضيح.

أول 100 مليون

كل محافظ في محافظة تعمل فيها الشركة يأخذ 2مليون جنية إشراف، ومدير الأمن مثلهم للحماية، ومفتش أمن الدولة مليون ونص، ومأمور القسم أو مدير المباحث نص مليون وهكذا.

ثاني 100 مليون

الشركة فيها أعضاء مجلس إدارة معظمهم لواءات أو عمداء سابقين كل واحد مليون أو اثنين كعضو مجلس إدارة ، وهم يتراوح عددهم من 20:50 عضو وكل واحد منهم عضو في مجلس إدارة أكثر من شركة ،ونادرًا ما يحضر اجتماعات مجلس الإدارة الذي يكون عادة بفندق فخم هذا غير البدلات والانتقالات.

آخر 100 مليون

أرباح توزع علي العاملين بالشركة، المدير العام خمسة مليون ومدراء الأقسام مليون أو اثنين وحتي السائق أو المهندس يأخذ راتب خمس أضعاف القطاع العام بالإضافة لجزء من الأرباح.

و لا يتبقي شيء يذهب إلى الخزينة العامة وللمواطن.

في النهاية كم من الأرباح يذهب للمواطن؟

لن أقول لك صفر، كيف ؟

المواطن هو من دفع ثمن الشركة، وهو من يدفع ثمن الخدمة، وهـو في النهاية «من يأخذ علي قفاه»، ويأخذ بالسالب أي أقل من الصفر، وتحيا مصر.

هذه نقطة في بحر لعمليات السرقة المنظمة والاستنزاف المستمر للمواطن والدولة.

أما ما تقوم به الدولة من عملية تطهير عرقي ضد جميع المواطنين المصريين الذين يمكن أن يتميزوا بسمت إسلامي ولو قليل جدا، فكل ما قام به الانقلاب من قتل وحرق واعتقال وتشريد واغتصاب وسلب أموال واستيلاء على شركات وتأميمها، لا يقارن بكارثة قانونهم الجديد المزمع طرحة على «برلمان عبد العال» والذي سيوافق عليه بدون أي اعتراض وهو «قانون سحب الجنسية».

سحب الجنسية عن المواطنين المصريين تنكيلًا وترهيبًا لكل من تسول له نفسه أن يعترض أو يعارض النظام الحاكم، ورقة جديدة ضد الحريات المسحوبة من مصر منذ أن جثم العسكر على حكم البلاد في1952، صيغة قانونية جديدة يضعها أبناء إبليس كي يركعوا البقية المتبقية ممن يناهض الانقلاب، متناسين أن منذ خلق الإنسان وكل القوانين سواء قوانين سماوية، أو قوانين وضعية صيغت ووضعت من أجل حماية الطرف الأضعف في كل معادلة، ومن هنا فإن ضمان حق الفرد في مواجهة الدولة هو الأهم، فهل يصح إنسانيًّا حرمان شخص من جنسيته وانسحاب ذلك على عائلته وأبنائه، فلا تعود العقوبة شخصية كما تقول القاعدة القانونية، وهذا فقط لإرضاء مزاج الحكومة، فهي المانحة إذا انتشت، وهي المانعة إذا استطارت.

قانون هلامي مطاط مثل قانون الإرهاب الذي لم يضع صيغة قاطعة للإرهاب بل تركها للهوى، يأتي قانون سحب الجنسية، ليجعل من زينب شاهدة، ولكن «شاهد مشفش ولا سمع وعرف حاجة» فتضمن مشروع القانون الجديد، إضافة حالة جديدة لسحب الجنسية المصرية، وهي: «الصادر ضدهم حكم قضائي يثبت انضمامهم إلى أي جماعة، أو جمعية، أو جهة، أو منظمة، أو عصابة، أو أي كيان، أيًا كانت طبيعته أو شكله القانوني أو الفعلي، سواء كان مقرها داخل البلاد أو خارجها، وتهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي لها بالقوة، أو بأي وسيلة من الوسائل غير المشروعة».

من الذي له حق تحديد أن تلك الجماعات أو المنظمات أو الكيانات إرهابية؟

«أيًا كانت طبيعته أو شكله القانوني» أي يمكنهم بأي لحظة اعتبار جهة مشروعة قانونيًا تختلف معهم إنها إرهابية ويصير العاملين بها إرهابيين.

«وتهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي» أليس كل ما فعله السيسي من بيع أرض وتنازل عن مقدرات الدولة قد مس بالنظام العام للدولة؟ ألم يقوض من مكانة مصر السياسية فجعلها تابعًا ذليلًا خلف أبناء زايد وآل سعود؟

ألم تهدم سياسته الاقتصادية مصر فجعلها تابعًا لا حول له ولا قوة أمام صندوق النقد؟

أي عقلية تلك التي تستسيغ هذا الهراء القانوني، ولكنهم على خطى الكفيل يسيرون ،فلا تكاد تخلو دولة من هذه الظاهرة بدول الخليج تحديدًا، فهناك ما يقارب مئات الآلاف من عديمي الجنسية والذين يطلق عليهم مصطلح «البدون».

أن يكون الشخص عديم الجنسية أو «بدون» يعني أن لا يعتبر مواطنًا من قبل أي دولة، كما ينعدم الرابط القانوني بينه وبين الدولة التي ولد ويعيش فيها، وعل العكس بالدول التي تقدر الإنسان وتحترم آدميته فتعطي جنسيتها للطفل المولود على أرضها مهما كانت جنسية أبويه.

تلك المشكلة التي تعمق الأزمات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمعات، والسيسي من وقت وصوله للحكم يسعى بكل طاقته ليصل بالمجتمع المصري لأشد حالات الانقسام والتطاحن والحرب الأهلية إن أمكنه ذلك.

وهنا يطرح السؤال نفسه هل يملك أحد أن ينكر أننا في دولة قانون! ولكن أي قانون؟ إنه قانون زينب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد