(1)
طغت أحداث صحيفة تشارلي إبدو على ساحة الأحداث حول العالم، وظلت الأحداث تتوالى تبعاتها أكثر من أسبوع من وقوع الحادث، وتنامى الجدل حول موقف المسلمين من الرسومات المسئية للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن يشاهد ردود الفعل يجد أن الأمور تغيرت وتبدلت عما كانت عليه من الرسوم المسيئة التي أطلقتها الدنمارك من قبل عدة سنوات.

وجدنا العالم العربي والإسلامي كله منتفضًا، وكانت مواقف الدول الأوروبية في موقف رد الفعل في محاولات لجام غضب المسلمين حول العالم الذين انتفضوا في كل أرجائه محاولين الرد على هذه الرسوم المسيئةز

في موقف تحول وتبدل 180 درجة في موقف مخزٍ من مسلمين يبررون أو على الأقل لم يصلوا لحالة الشجب حتى، أعلم بأن الموقف اختلف بسبب الاعتداء والقتل في الرد على الرسوم، ولكن بعيدًا عن رد الفعل الذي نرفضه بالطبع والذي كان ردًا على متطرفي الصحيفة، وبعيدًا عن جدليات حول الجدوى من ذلك وعدمه، أو مشروعية الفعل نفسه.

 

أحاول في المقال أن أناقش فعليًا المنطلق الفرنسي والأوروبي المدافع عن تلك الرسوم بحجية حرية التعبير، وذلك المنطق الذي للأسف صار بعض المسلمين يتبنونه حتى لو مس مقدساتهم بحجية أن الغرب بالنسبة لهم حرية التعبير مقدسة، هل فعليًا فرنسا تؤمن بحرية التعبير؟ هل لا يوجد في فرنسا قوانين مقيدة لحرية التعبير؟ ما هو المسموح له التعبير في فرنسا وما هو غير المسموح حتى تبنيه كرأي، تبنٍّ فقط وليس تعبيرًا عن ذلك التبني؟ وفي هذا المقال نطرح مناقشة لقانون قانون جيسو – فابيوس الفرنسي الذي يعد من أكبر جرائم الاعتداء على الحريات في فرنسا، ونحاول أن نستطلع في المقال الإجراءات الاستثنائية التي قامت بها فرنسا ضد حرية التعبير.
(2)

قانون جيسو – فابيوس

في 13 يوليو 1990 أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية قانون جيسو – فابيوس، وتعددت أسماء القانون ومنها: “قانون جيسو”، “قانون فابيوس – جيسو”، “قانون فوريسون Faurissonia”، ولُقب القانون بأكثر من لقب ومنه “قانون مكافحة الرجعية الفرنسية” كما أطلق عليه مؤيدوه، وأطلق عليه مناهضوه “جريمة الرأي”، وجاء الإقرار بالقانون عقب أربع سنوات من محاولات يهود فرنسا الدعوة إلى إنشاء هذا القانون في مايو عام 1986 وذلك في نفس العام الذي أقرت فيه إسرائيل قانون مكافحة التحريف والذي تم تمريره خلال شهرين في الكنيست ليكون قانونًا لدولة إسرائيل.

وكان المروج للقانون في فرنسا الحاخام رينيه-صامويل سيرات. والذي التف حوله بعض الأكاديميين اليهود، مثل بيار فيدال-Naquet، وبعض الدعاة اليهودية، مثل سيرج كلارسفيلد وجورج Wellers، حتى استطاعوا الحصول على ارتياح الحكومة الائتلافية الاشتراكية الشيوعية لكي يطلقوا القانون.
وسمي القانون على اسم مقدمه النائب الشيوعي جان كلود جيسو – رئيس المجموعة الشيوعية في الجمعية الوطنية – الذي تبنى مشروع القانون وطرحه فيها، وأحيانا يسمى قانون‏ “فابيوس”‏ نسبة إلى لوران فابيوس الشيوعي – رئيس الجمعية الوطنية ورئيس الوزراء للرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران في ذلك الحين – ويشغل فابيوس حاليًا منصب وزير الخارجية الفرنسي والهيئة الدبلوماسية الفرنسية، وأدرج فابيوس القانون على جدول الأعمال بعد 24 ساعة فقط من طرحه.

 

وعمل على إقراره بسرعة ولذلك يطلق عليه البعض قانون جيسو – فابيوس، والغريب أن القانون نفسه عارضه المفكر روجيه جارودي الذي كان عضوًا في الجمعية الوطنية وقتها، وكان من أعضاء الجمعية أيضًا وقتها الرئيس شيراك، والسيد توبون الذي أصبح وزيرًا للعدل، واللذان وافقا عليه مع 182 من أعضاء الجمعية.

وينص القانون على معاقبة كل من يعبر بكلمات أو أفعال تنم عن عنصرية ومناهضة للسامية وتحض على الكراهية العرقية‏، والقانون في حد ذاته قانون تعديل لقانون حرية الصحافة الفرنسي الذي صدر في 29 يوليو 1881 وأقرته الجمعية الوطنية الفرنسية، وهو مكمل لقانون “بليفن” الذي صدر في يوليو 1972 والذي يعاقب التحريض على الكراهية أو الفصل العنصري أو السب بألفاظ عنصرية.

 

ولقد صدر قانون‏1990‏ بإضافة المادة‏‏ 24 ب على قانون عام‏ 1881‏ وهي المادة التي تجرم كل من يشكك في وقوع جريمة أو أكثر من الجرائم التي تعتبر ضد الإنسانية حسب الوصف الذي أعطته لها المادة‏ 6‏ من قانون محكمة نورمبرج العسكرية الدولية، ويقاضي القانون أي منظمة أو أفراد وجهت لهم التهمة بارتكاب أعمال إجرامية أمام المحاكم الفرنسية أو الدولية‏.‏ ويعتبر قانون جيسو هو المادة التشريعية الوحيدة في القانون الفرنسي التي تسمح بمعاقبة كل من ينفي الجرائم التي ارتكبت في حق اليهود إبان الحرب العالمية الثانية‏.‏
جعل هذا القانون محكمة نورمبرج المرجع النهائي المطلق للحقيقة المطلقة لحقبة تاريخية معينة، فيحق للبشر أجمعهم أن ينتقدوا أو يشككوا أو يدرسوا أو يراجعوا تاريخ آلاف السنوات قبل تلك الحقبة وبعد تلك الحقبة، ولكن المساس بهذه الحقبة يعتبر من المقدسات.

يعد القانون مخالفًا للدستور الفرنسي والإعلان الدولي لحقوق الإنسان، حيث أوجد نوعًا من التفرقة العنصرية لصالح فئة واحدة من ضحايا هتلر، ومتجاهلًا ضحايا كل الأشكال البربرية الأخرى الاستعمارية.

لاقى القانون حالة من الجدل الكبير في الشارع الفرنسي وذلك على كافة مستويات المجتمع الفرنسي من قانونيين، نواب، سياسيين، صحفيين، وباقي فئات المجتمع الفرنسي، مما جعل البعض يلقب القانون بمسمى “جريمة الرأي” اعتراضًا على تقييد حرية الرأي والتفكير والتعبير والبحث. وبالرغم من حكم المحكمة الدستورية الفرنسية بعدم دستورية القانون إلا أنه قد طعن في الحكم لصالح القانون المستمر إلى الآن.

وفي سبيل آخر قامت الجمعية الوطنية الفرنسية استكمالًا لسياق قانون جيسو – فابيوس بإطلاق قانون بخصوص الاعتراف بالإبادة الأرمنية لعام 1915، والذي يصنع هولوكست جديدًا ضد إنكار الإبادة الجماعية للأرمن بيد العثمانيين.

ويأتي هذان القانونان مخالفيْن لنص قرار الاتحاد الأوروبي لمكافحة العنصرية وكراهية الأجانب عام (2007) أو بالأحرى بأن الجزء الافتتاحي لنص قانون الاتحاد الأوروبي يلزم عدم التحريض على العنف أو الكراهية دون تحديد طائفة عرقية معينة، وبالرغم من ذلك لم تتم محاكمة أي شخص يحض على الكراهية والعنف ضد العرب والمسلمين حيث نص على:

“التحريض العلني على العنف أو الكراهية، حتى من قبل نشر أو توزيع مساحات، صور أو مواد أخرى، موجه ضد مجموعة من الأشخاص أو عضو في هذه المجموعة تعرف بالرجوع إلى العرق أو اللون أو الدين أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني”، بينما ينص مقطع منه على “الجرائم المحددة من قبل محكمة نورمبرغ”.

المنظمات التي دفعت لتطبيق القانون

ساهمت منظمات يهودية عديدة في تشكيل لوبي ضغط في أوروبا إما كان له تأثير مباشر في تطبيق القانون أو تأثير سياسي وتجييش شعبي لتأييد تلك القرارت والقوانين عبر المساهمة في الإعلام أو بالمال أو بالتوجيه السياسي للأحزاب والسياسيين. ومن بين تلك المنظمات وأشهرها هي منظمة الليكرا.

 

منظمة الليكرا

منظمة الليكرا هو اسم مختصر لمجموعة الحروف الأولى من اسم‏ “الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية‏” وأيضا ‏‏”اتحاد الطلاب اليهود الفرنسيين‏”، تشكلت في عام 1927 في باريس، وأسست في البداية باسم “الليكا” وكان مؤسسها هو “برنار لوكاش” وهي امتداد لمنظمة عرفت سابقًا باسم “الرابطة ضد المذابح”.

وقام بتأسيس تلك المنظمة العديد من الشخصيات السياسية والثقافية والأكاديمية في فرنسا من أصول يهودية مثل:

الكاتب برنار لوكاش وألبرت أينيشتاين وجوزيف كيسيل ورومان رولان ووليون بلوم وإدوار هيريو. المنظمة أصبحت منظمة رسمية في نوفمبر 1952 بقانون صدر من الكنيست كمنظمة تمثل السياسية الإسرائيلية في الخارج وتنفذ بدقة المهمة التي فرضها “بن جوريون” في المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرين،”كل المنظمات الصهيوينة في الأمم المختلفة، عليها مساندة الدولة اليهودية – في كل الظروف ودون شروط – حتى لو تعارض ذلك مع أي موقف للسلطات في دولهم”، وتشكلت أقسام للمنظمة في دول أخرى مثل إيطاليا ولوكسمبورج والنمسا والبرتغال وكندا والمجر وروسيا وسويسرا‏.‏

وكانت المنظمة في البداية تدّعي أنها تقف ضد العنصرية بشكل عام مثل التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة والأبرتايد في جنوب أفريقيا ومعاداة السامية في أوروبا الشرقية ومشاكل الشعب الأرمني والغجر، وغيرها من الممارسات العنصرية.

ولكن سرعان ما ظهرت نوايا المنظمة والتي تغافلت عن جميع ممارسات صنع الكراهية والعنف ماعدا التي تواجه اليهود، ووضح ذلك جليًا عند صدور كتاب باسم “الغضب والكرامة” حيث لم تتخذ المنظمة أي موقف منه بل بررت وجوده، الكتاب الذي كتبته الصحفية الإيطالية أوريانا فالاتشي وترجم إلى الفرنسية قبل أشهر قليلة وبيع منه في فرنسا حتى الآن أكثر من‏45‏ ألف نسخة، وفي إيطاليا أكثر من مليون نسخة‏، وهي من أكثر الكتب التحريضية على كراهية المسلمين، بالرغم من بزوغ معارضة شديدة في المجتمع الثقافي الفرنسي حيث وصفوا ما كتبته فلاتشي أنه ينتقد كل المسلمين دون استثناء ويصف جميع المسلمين بأبشع الصفات.

امتد نشاط الليكرا في وضع أطر قانونية خارج فرنسا إلى سويسرا، فبعد صدور قانون جيسو في فرنسا قامت سويسرا أيضا بإضافة المادة‏261‏ ب على القانون الجنائي السويسري الذي من شأنه معاقبة كل من يحض على الكراهية العنصرية والفصل العنصري لأسباب عرقية أو دينية‏.‏ وعلى هذا الأساس أصبحت سويسرا مثل فرنسا تلاحق قضائيا كل من ترى المنظمة أنه يحض على كراهية الآخرين سواء لأسباب عرقية أو دينية‏.‏

وعلى سبيل العجب حيث جمعت جارودي و”برنار لوكاش” مؤسس الليكا علاقة أثناء ما أبعدوا عن الوطن إلى معسكرات الصحراء إبان الحرب العالمية الثانية وعانا جرائم ارتكبت من جلاديهم وقتها، لم يدرك جارودي أن الشخص الذي لازمه في معاناته سابقًا ستكون مؤسسته سيفًا في معاناته مستقبلًا.

 

 

فرنسا وحرية التعبير – إجراءات استثنائية للقانون الفرنسي ضد حرية الرأي
لماذا نقيم فرنسا تقييمًا استثنائيًا في مجال حرية الرأي والتعبير؟ بالطبع عندما يرى المرء عدد القضايا والأزمات التي مرت في أوروبا وأمريكا عن حرية الرأي والتعبير لا يجد مقارنة بين تلك القضايا وبين الموقف والحال الخاص بالشرق الأوسط الذي تقبع عليه العديد من القوانين التي تنال من كافة حقوق البشر الذين يعيشون فيه، وذلك بالطبع حقهم في الرأي والتعبير عنه.

ولذلك نرى أن العرب يقيمون الدول الغربية تقييمًا استثنائيا، ذلك بسبب أن الغرب كله يفتخر بأنهم هم الدول المتقدمة، هم أصحاب الحريات والحقوق، هم من يشنون الحروب لكي يأخذ العالم تلك الحرية، ولذلك نجد أن الإجراءات تلك حتى لو لم تكن بمثابة مقارنة بين ما يحدث في الشرق الأوسط، ولكن المتابع في الشرق الأوسط يجد الكثير من عمليات التمييز والكيل بمكيالين من الغرب الذي لا يأبه بمقدسات العرب والمسلمين.

فمواطنو فرنسا نالوا حريتهم بعد عقود من الصراع. تم إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا عام 1789 عقب الثورة الفرنسية الذي نص على أن حرية الرأي والتعبير جزء أساسي من حقوق المواطن، وذلك بخلاف قانون جيسو – فابيوس. هل توجد أي إجراءات استثنائية أخرى ضد حرية الرأي في فرنسا؟
طبعًا فيمنع القانون الفرنسي نشر المواد التي تروج لاستخدام المخدرات، أو للكراهية على أساس العرق أو الجنس؛ أو نشر الشتائم حول العلم والنشيد الوطني، ويمنع المساس بالمصالح الإسرائيلية الإستراتيجية ويمنع التشكيك في المحرقة كما أسلفنا، كل ذلك لم يدخله الفرنسيون ضد حرية التعبير بينما لا يأبه القانون الفرنسي في أن يدخل أي مقدس عند العرب والمسلمين خارج نطاق ذلك.

 

ففي فرنسا يقطن 6 مليون مسلم في العالم 1.8 في جميع أنحاء العالم يتأذون من التنكيل بمقدساتهم ليل نهار بسبب أكذوبة حرية التعبير، بينما لا يخضع أي أحد يهاجم مقدسات المسلمين أو يحاول أن يبث الكراهية ضدهم، فهذه القوانين مثلًا لا تعرف أن توقف أي تطرف مثل تطرف تشارلي إيبدو، أو توقف تطرف المؤرخُ الفرنسيُّ هانوتو في عام 1992 حينما قال: “بأنّه لا دواءَ للتعصّب الإسلاميِّ إلا نسفُ قبر النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم”.

هل الحريات نسبية أم مطلقة؟

بالنظر إلى قوانين الأمم المتحدة وقوانين العديد من الدول الغربية نجد أن القانون لا يعرف معنى الحرية المطلقة سوى في حرية الاعتقاد والتفكير، أما التعبير فهو سلوك اجتماعي يرد عليه التنظيم في أي مجتمع متحضر، وعند فقهاء القانون في النظام الأنجلوسكسوني وفي النظم اللاتينية، فضلًا عن الشريعة الإسلامية، فإن حرية التعبير يسبغ عليها القانون حمايته طالما ظلت تخدم أية قضية اجتماعية، ولا تشكل عدوانًا على الآخرين.

وللمحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة أحكام متواترة بهذا المعنى، والعبارة المتكررة في تلك الأحكام تنص على أن حماية حرية التعبير تظل مكفولة طالما تضمنت حدًا أدنى من المردود الاجتماعي النافع، ونصها بالإنجليزية كما يلي:

A minimum of social redeaming value

إن كل القوانين تجرم سب الأشخاص والقذف في حقهم، حيث لا يمكن أن يعد ذلك نوعًا من حرية التعبير، لأن السب في هذه الحالة يعد عدوانًا على شخص آخر واعتداء على حرية الآخر، ما بالك وإن كان هذا السب والقذف اختص بهما ملايين من الناس، أو اختصت به مجموعة عرقية أو طائفية.

أبرز القضايا والشخصيات التي طبق عليها القانون

وبسبب هذا القانون وغيره من الإجراءات الاستثنائية اقتيد العديد من المفكرين والكتاب والمواطنين الفرنسيين إلى المحاكم الفرنسية، وكانت من أشهر القضايا المتعلقة بحرية الرأي والتعبير التي شغلت الشارع الفرنسي والرأي العام:ـ

محاكمة المفكر الفرنسي روجيه جارودي

تمت محاكمة المفكر الفرنسي روجيه جارودي لنشره كتابًا بعنوان:

“الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” حيث رفضت دور النشر الفرنسية نشر هذا الكتاب مما جعل جارودي يطبع الكتاب على نفقته الخاصة، هذا الكتاب الذي ترجم في ثلاث وعشرين دولة، من اليابان إلى الولايات المتحدة، ولأنه يحذر من خطر حرب يخلقها اللوبي العالمي، تشوه صورة فرنسا بسبب ذلك القانون فيقتاد كاتبه إلى المحاكم.

بالرغم من أن جارودي لم ينكر حقيقة المحرقة، ولم يتبن الدعاية النازية، بل أقر بحجم المأساة اليهودية وبحرب الإبادة النازية ضد اليهود، أراد جارودي أن يبين أن النازية من حيث هي نزعة عنصرية استعمارية لم تستهدف اليهود وحدهم، وإنما استهدفت شعوبًا وقوميات أخرى، كان يقول: “أن أحداث المحرقة ضخمت وأعطت أبعادًا أسطورية غير تاريخية، من أجل توظيفها في صراعات الحاضر”.

 

لم ينفِ جارودي المحرقة بل شكك فقط في تضخيمها وشكك في رقم ضحاياها الذي تتبناه الصهيونية العالمية بأنه 6 مليون شخص. اقتيد جارودي إلى المحاكم الفرنسية وتم تغريمه 20 ألف دولار مع حكم بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ، استأنف جارودي الحكم واعتدى صهاينة بيتار على الصحافيين والإعلاميين العرب والإيرانيين على عتبة المحكمة، وطاردوهم حتى محطة مترو الأنفاق وأصابوهم إلى أن انتقل بعضهم إلى مستشفيات فرنسا لتلقي العلاج، وتلقى جارودى العديد من المكالمات الهاتفية التي تهدده بالقتل، وتم الاعتداء على المكتبات التي تبيعه في فرنسا وسويسرا واليونان إلى أن امتنعت عن بيعه، وتم تحطيم واجهات المكتبات التي تعرضه وحرقها.

لم يكن جارودي أول من تكلم في هاتين المسألتين، سبقه كثير من الكتاب والمفكرين ومنهم يهود، وهبط رقم 6 مليون إلى مليون إلا في روايات وأفلام هوليوود، وتوجد العديد من الروايات لعديد من الكتاب والمفكرين الأوروبيين الذين تم الاعتداء عليهم بسبب حديثهم عن عد أرقام المحرقة ومحاولة تمحيص وعمل مراجعة علمية تاريخية للأحداث التي لازمت الحرب العالمية الثانية، ولهذه الحقبة ولعدد الضحايا حتى لو قل العدد فردًا واحدًا.
لم يطعن جارودي في الديانة اليهودية، ولا في العهد القديم، ولا في أنبياء بني إسرائيل، كل ما حوكم بسببه هو دعوته لمراجعة دقة وعملية رقم 6 مليون ودعوته للبحث العلمي والتاريخي فيه ز
إدانة الممثل الكوميدي الفرنسي الساخر ديودوني مابالا

ديودني مابلا ممثل كوميدي فكاهي ساخر فرنسي، يقدم فنه كعرض على المسارح أو على اليوتيوب، ويقدم فنه بسخرية تصبها بعض القيم التي يؤمن بها كمساندته للقضية الفلسطينية ومهاجمته لدولة إسرائيل والصهيونية العالمية. عرف بسخريته من اليهود وتشكيكه بشكل مستمر في محرقة الهولوكوست؛ مما تسبب في اتهامه بمعاداة السامية عدة مرات وتم تغريمه من قبل محكمة فرنسية لوصفه ذكرى المحرقة بأنها “ذكرى إباحية”.

وقام ديودوني في عام 2005 بابتكار إشارة باليد تسمى “كينيل” أو “كونيل” كإشارة احتجاجية ضد العنصرية، وقد أثارت الإشارة جدلًا خطيرًا في فرنسا مما تسببت الشارة وما يقدمه من عروض بمنعه من الظهور على العديد من المسارح عدة مرات في سنوات متفرقة آخرها 2013 بحكم قضائي، وتم منع عروضه من قبل وزير الداخلية مانوال فالس بدعم من الرئيس فرانسوا أولاند.

وأدين عدة مرات بسبب ممارسته “حرية التعبير” باستخدامه هذا الشعار، وهي العلامة التي استخدمها اللاعب الفرنسي الشهير نيكولاس أنيلكا في الملاعب، وأعرب اللاعب بأنه استخدمها على سبيل الدعابة ولا يدري بأنها ستحدث تلك الحالة من الاستياء، وفتح تحقيق معه بتهمة التهرب من الضرائب واستغلال المال العام كأحد القضايا السياسية التي وجهت ضد مابالا.

وفي أحداث شارلي إبدو تم القبض على ديودوني عقب الهجوم بتهمة الإشادة ومساندة الإرهاب وذلك لتعبيره عن رأيه عبر صفحته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك حيث كتب كـ “ديودونيه المواطن” وليس “ديودونيه الساخر” “أشعر أني شارلي كوليبالي” وذلك إشارة منه لتعاطفه مع ضحايا الجريدة وتعاطفه مع أحمد كوليبالي الذي نفذ الهجوم على متجر يهودي عقب الحادث.

عزل الدكتور الجامعي روبرت فوريسون من منصبه

عزل الدكتور الجامعي روبرت فوريسون من كرسي جامعته بموجب قانون جيسو، عندما تحدى بأنها انتهاك لحقه في حرية التعبير بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR). أيدت لجنة حقوق الإنسان إدانة فوريسون، ولكن ذكر أن قانون جيسو قد يكون واسعًا جدا.

غرامة مالية على “برنارد لويس” الأستاذ بجامعة برنستون الأمريكية

أنكر الأستاذ الجامعي بجامعة برنستون الأمريكية والمؤرخ المتخصص في الدولة العثمانية “برنارد لويس” الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن على يد الدولة العثمانية في بداية هذا القرن، وهو يؤكد بأن غالبية الأرمن لقوا حتفهم بأسباب عديدة منها “المرض، الجوع، الإرهاق، البرد”.

وفي حوار معه في صحيفة اللوموند الفرنسية رد على سؤال موجه له:

 

“لماذا ترفض تركيا الاعتراف بأنها أبادت الأرمن؟”،

قال:”أنت تقصد لماذا ترفض تركيا الاعتراف بوجهة النظر الأرمنية لما حدث.”.

وجاءت هذه التصريحات كالعاصفة في فرنسا مما دعا 30 أستاذًا جامعيًا لكتابة خطاب يتهمون لويس “بخيانة الحقيقة وإهانة ضحايا الوحشية التركية”، مما أدى إلى محاكمته في يونيو 1995 بتغريمه 10 آلاف فرنك فرنسي، وقام الأرمن بعمل محاولات لمحاكمته مرة أخرى وفق قانون جيسو – فابيوس إلا أن القانون لم ينص على أي طائفة أخرى دون اليهود، وهو ما دعا الأرمن للضغط على الحكومة الفرنسية بإصدار قانون الحرمان، الذي يخص إبادة الأرمن تحت ضغوط انتخابية وحزبية من قبل الأرمن للتصديق على القانون في رئاسة ساركوزي.

منع دخول كتاب أصدرته “لجنة الجزائريين الأحرار”:ـ
في أغسطس 1995 قامت السلطات الفرنسية بمنع دخول كتاب أصدرته “لجنة الجزائريين الأحرار” بسويسرا إلى الأراضي الفرنسية بحجة أنه يثير الرأي العام الفرنسي كما زعم المتحدث لورزاة الداخلية الفرنسي، ومنع نفس الكتاب أيضًا في سويسرا.

إقالة الرسام سيني من صحيفة تشارلي إبدو بسبب خبر عن ابن ساركوزي

أقالت الصحيفة تشارلي إبدو رسام الكاريكاتير الشهير سيني في عام 2008 وذلك بسبب تعليقه على خبر يخص ابن ساركوزي “جان” الذي كان يفكر في اعتناق الديانة اليهودية لكي يستطيع الزواج من إحدى الفتيات اليهوديات، ومارس ساركوزي ضغوطًا كبيرة لإقالته وتم اتهامه بـ “معاداة السامية”.

 

إقالة مدير تحرير “باري ماتش” لنشر صور لزوجة ساركوزي

مارس ساركوزي ضغوطات شديدة لإقالة مدير تحرير “باري ماتش” لنشره صورًا لزوجته سيسيليا ساركوزي مع رجل آخر في نيويورك، حينما كان ساركوزي يشغل منصب وزير الداخلية.

 

فرض رقابة على أغنية “جوسترز” لانتقادها سياسيين

قامت السلطات الفرنسية بفرض رقابة على أغنية “جوسترز” لانتقادها سياسيين، حينما كان ساركوزي يشغل منصب وزير الداخلية.

منع نشر أو توزيع صور للأميرة كاثرين دوقة كامبريدج وهي عارية الصدر

منعت محكمة فرنسية إحدى المجلات الفرنسية من إعادة نشر أو توزيع صور للأميرة كاثرين دوقة كامبريدج وهي عارية الصدر، كاثرين زوجة الأمير ويليام دوق كامبريدج نجل ولي عهد المملكة المتحدة الأمير تشارلز.

منع ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية

تم منع المسلمات من ارتداء النقاب في الأماكن العامة، والحجاب في المؤسسات التعليمية وبعض المؤسسات الحكومية، وعمل لوائح وقوانين لتغريم المخالفين بغرامات مالية كبيرة، وذلك غير المعاناة الكبرى التي تواجه المحجبة أو المنتقبة في فرنسا من نظرة عنصرية وكراهية.

حظر السلطات الفرنسية احتجاجات المسلمين

قامت السلطات الفرنسية بحظر الاحتجاجات من قبل المسلمين حول الأفلام والرسوم المسيئة في أكثر من واقعة، وحظر تظاهرات دعم الفلسطينيين الذين يذبحون في غزة والمصاحبة للأزمات الفلسطينية، وقد أدت تلك التوجهات إلى زيادة تهميش الأقليات المسلمة والأفريقية في فرنسا وعزلهم من الحياة السياسية والاجتماعية للدولة، وزيادة التعصب وجرائم الكراهية ضد المسلمين.

الاتحاد الأوروبي يدرس عودة الرقابة على الاتصالات والإنترنت

وفي ظل تبني فرنسا أن تلك الرسوم تتمتع بحرية التعبير والرأي بينما يدرس الاتحاد الأوروبي عودة الرقابة على محتويات الاتصالات الهاتفية والإنترنت على المستوى الأوروبي، بعد هجمات باريس الأخيرة كما صرحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، وذلك بالرغم من حكم المحكمة الأوروبية العليا التي قضت بأن مراقبة الاتصالات، بهدف ملاحقة المتشددين المشتبهين؛ انتهاك للحق في الخصوصية. وقد أثار ذلك القرار جدلا واسعًا في ألمانيا وفي فرنسا.

سياسيو العرب والمسلمين خارج نطاق الخدمة

بالطبع يقع على سياسيي العرب والمسلمين الجزء الأكبر في جعل المسلمين يلقون مصيرهم هذا في كل حادثة تنتهك مقدساتهم ويكون رد فعل المسلمين استنفاريًا، بالرغم من أن السياسين والحكام العرب يستطيعون أن يشكلوا أدوات من الضغط واللعب على المصالح لإصدار قانون يتبع الأمم المتحدة يمنع ازدراء الأديان والعبث في المقدسات.

 

وكما قامت اللوبيات اليهودية في أوروبا وأمريكا بالقيام بإصدار قوانين لصالحهم بالرغم من أنها لا تهتم بمقدساتهم أو كتبهم، بل لكي يخلقوا من حادثة تاريخية تقع تحت طائلة البحث والدراسة والشد والجذب، ونحن نعلم أن التاريخ كله يؤخذ ويرد منه، وتوجد عدة وجهات نظر فيه وعدة روايات يدحض بعضها الآخر؛ إلى صك من الحقيقة المطلقة التي لا مساس بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد