تسود لدى البعض روح الإحباط والفشل والخمول، ولا يحبون الخير للآخرين، وفي حالة نجاح أحد معارفهم تبدأ كلمات التشكيك من جانب وكلمات المطالبة بتوزيع الثروة على الجميع، وآخرون شديدو الحرص على مصادر معلوماتهم وعلاقاتهم ومنهجيتهم في العمل؛ حتى لا تصبح مشاعًا بين الناس. علاج هؤلاء يتمثل في قانون الوفرة (The Law of Abundance).

الوفرة واللغة:

كلمة الوفرة في اللغة العربية مشتقة من الفعل “وَفَرَ”، أي كثر واتسع، وتقال وَفَرَ المال؛ أي كثر المال واتسع وكذلك المتاع وغيره. الوَفْرَةُ هي الكَثْرَةُ. ويقال وافِر، وموفور ووفير؛ ووفقا لقاموس أكسفورد، فإن لفظة «abundance» تعني «كمية كبيرة جدًا من شيء ما»، وبالتعمق أكثر في هذا المعنى؛ فهي تعني الوفرة في الأشياء الجميلة الجيدة في الحياة، وهذا قريب من معنى الرخاء والرفاهية، وهو ما يجعل المضمون أقرب إلى الحالة، والاعتقاد الذي يتملك الشخص ويساعده في تحقيق أهدافه، أو توضيح منهجه في الحياة.

الخير الوفير:

ليست ندرةً، إنما هي الوفرة في كل شيء، إنها سنة كونية، ولكن الندرة هي من سوء الاستغلال، وسوء التعامل والحسد وكره الخير للآخرين. قال تعالى: «وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ » (سورة إبراهيم 34)؛ فالكون مليء بالفرص والإمدادات الطبيعية والخيرات والنعم والأرزاق، التي لا تنضب؛ لذلك فإن قانون الوفرة هو من أجمل قوانين الحياة، ومن حسن الظن بالله. الوفرة في الكون في كل شيء، في المال، والرزق، والطعام، والشراب، والصحة، والعيال، والتعليم، والعمل، والوقت، والمعلومة. حلق بالطائرة من أقصى شرق الأرض إلى غربها، وانظر إلى الأسفل، وحدد المساحة المستغلة، أو الخيرات المستغلة؛ هل تستطيع أن تقول إنها أكبر من 2%، لنقل 4 أو 5% في أحسن الأحوال، فهل يجوز لنا أن نتحدث عن الندرة. لكن العديد من المُحبِطين أسسوا بنيان فكرهم وبرمجتهم الداخلية على الندرة، وعلى الحسد، وعلى البغضاء، لا يعجبهم إلا ما في أيدي الآخرين، بينما لا يجدر بهم السعي والمحاولة، لقد تقمصوا دور المحتسب فقط، يحدثونك بما أشبعوا به عقولهم من أمثال شعبية؛ تعزز ثقافة المكر والحسد والندرة لديهم، ولا تجد بين كلامهم مثالًا على العطاء والسعي والمثابرة.

نربح جميعًا:

العاقل المؤمن بالله والواثق بالعطاء والفضل، يعمل وفق قانون الوفرة؛ فهو يرى الفرص في كل مكان ولا تهدده نجاحات الآخرين؛ بل يؤمن أن الأفكار لا تنتهي، وأنَّ في الكون متسعٌ له ولغيره. قانون الوفرة هو تجسيد لاستراتيجية «الكل يربح» «Win-Win Strategy»؛ فالشخص المتسامح المؤمن بالعطاء «قانون الوفرة»؛ يعمل بمبدأ أنا أفوز وأنت تفوز، فكلما زاد العطاء زاد العائد؛ وهذا على النقيض تمامًا من قانون الندرة؛ الذي يرى النجاح بخسارة الآخرين.

الوفرة والسعادة:

قانون الوفرة في حقيقته «هرمون سعادة ورضا»، يسري هذا الهرمون مع الدم ويصل إلى كل الخلايا، فهو هرمون سعادة أصيل ترحب به جميع مكونات الجسم، وتقبل به وتتعايش، وتنمو معه؛ أما هرمون «الندرة»؛ فهو ينمو بسرعة كالخلايا السرطانية، ولا يقبل التعايش مع أي نوع من الخلايا؛ بل يدمرها.

العطاء:

قصةٌ جميلةٌ تجسِّد هذا المفهوم بطلها الإمام الليث بن سعد إمام أهل مصر رحمه الله؛ إذ طلبت منه امرأةٌ فقيرةٌ جرةً من العسل، فأعطاها برميل العسل كلَّه، فاستغرب غلامُه وسأله: لماذا أعطيتها كلَّ البرميل، وهي لم تطلب سوى جرةٍ واحدةٍ؟ فقال له الإمام الليث قولته الشهيرة: «لقد سألت على قدرها هي، ونحن أعطيناها على قدرنا نحن». هذا عطاء الواثق بسعة الرزق، بوفرة عطاء الله غير المحدود.

السنابل:

الأرض تعلمنا العطاء؛ فالأرض تحتضن حبة القمح لتنبت سنبلةً تحمل مئاتِ الحبات. العطاء متجسدٌ في الأرض؛ التي فاضت بالخير على الحبة، والحبة قبِلت أن تكونَ بدايةً لمئات الحبات الأخرى. قال تعالى: «كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ» (سورة البقرة 261). والعجيب أن صاحب العطاء متواضعٌ بطبعه؛ أما البخيل الحاسد يمشي متبخترًا، قال الشاعر:

مَلأَى السَنَابِلِ تَنْحَنِيْ بِتَوَاضُعٍ             والفَارِغَاتُ رُؤُوسُهُنَّ شَوامِخُ

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد