مسودة مشروع قانون رقم 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة
تُعرف الأزمات تاريخيًا كونها محطات استثنائية تَعرف قرارات وظروف استثنائية للمواطنين، لكنها ظروف مثالية للحكومات ونخبة العالم لتمرير وتنفيذ برامج كانت تلقى في السابق معارضة شعبية.
اليوم وفي ظل جائحة كورونا (كوفيد-19) التي يعرفها العالم، والتي اقتضت تعبئة مختلف الفاعلين المجتمعيين، شكلت الأخبار الزائفة تحديًا كبيرًا أمام الأفراد، كذلك المؤسسات الحكومية، وغير الحكومية، داخل المغرب وخارجه. وهو ما اقتضى التفكير في قانون يحمي المجتمع من مخاطر الشائعة والخبر الزائف.
لكن أن يتم تضمين مشروع القانون، عقوبات زجرية وغرامات مالية لحركات المقاطعة الاجتماعية التي أضحت تعتبر أداة لممارسة الرقابة الشعبية بطريقة حضارية، فهو فعل قمعي مرفوض والتفاف على المطلب الشعبي الذي وجد في المقاطعة نموذجًا احتجاجيًا سلميًا يعبر من خلاله على عدم رضاه على منتوج أو خدمة معينة.

ويعد الحق في التجمع والتجمهر والتظاهر السلمي من بين أهم الحقوق التي نصت عليها مختلف المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، والتي نص عليها الدستور المغربي لسنة 2011 من خلال الفصل 29 الذي نص على أن حريات الإجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي مضمونة، ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات حق الإضراب مضمون ويحدد قانون التنظيمي شروط وكيفيات ممارسته، بحيث إنه يعتبر أحد الأساليب الرئيسة لحرية التعبير والرأي، التي يستعملها الشارع للتعبير عن مطالبه، وربما تكون أكثرها استعمالًا، أمام خفوت دور الأحزاب في ممارسة دور الوساطة.

كما ألح الدستور من خلال الفصل 37 الذي نص على جميع المواطنين احترام الدستور والتقيد بالقانون ويتعين عليهم ممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور بروح المسؤولية والمواطنة الملتزمة التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات، على هذا يكون الحق في الاحتجاج السلمي مكفولًا بنص الدستور، كما بنص المواثيق الدولية التي تسمو على التشريعات الوطنية حالة تعارضهما.
وقد جعل التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والإجتماعي والبيئي الصادر سنة 2018، موضوع «الأشكال الجديدة للاحتجاج بالمغرب» عنوانه الكبير، وفيه أشار إلى أن أبرز الخلاصات التي تستخلص من حركة المقاطعة التي عرفها المغرب صيف 2018، هي عدم ثقة المواطنين والمواطنات في الهيئات ومؤسسات الوساطة التقليدية (الأحزاب).
كما أفرد التقرير قِسمًا خاصًا بالدروس والتوصيات دعى فيها الأحزاب إلى ضرورة تجديد وتحديث آليات التواصل مع المواطنين والمواطنات لأجل الحد من منسوب الاستياء الإجتماعي الكبير، والسعي لبناء ثقة المواطن في قدرة الإطار المؤسساتي القائم على حماية حقوقه.
الحديث عن استعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، يعتبر موضوعًا يمس جميع مكونات المجتمع، ومن غير المقبول أن يتم الشروع في صياغة مسودة القانون دونما إشراك للفاعلين المجتمعيين في مرحلة الصياغة، وهو ما يضرب عرض الحائط بمبدأ التشاركية الذي نص عليه الدستور المغربي بعد نضالات الحركة الجمعوية والحقوقية بالمغرب.
إلا أنه ما يطرح التساؤل هو أن نص القانون هذا هو مقترح من وزارة العدل والتي من المفترض أن تكون الحامي لحرية التعبير والحق في الاختيار، وهو ما يدفعنا لطرح عدة فرضيات حول دوافع هذا الفعل:
– سعي الأحزاب لحفظ أدوارها التقليدية، وهو ما تأثر بشكل كبير خلال حركة المقاطعة، إذ تم تجاوز الطريقة التقليدية البيروقراطية إلى طريقة مباشرة يراها المواطن أنجع وأعتى، وتعكس رأيه وقرارته دون مزايدات سياسية.
– محاولة الدولة تطويق الفضاء الرقمي كونه أضحى مؤثرًا بشكل بنيوي، وأضحى يشكل واقعًا موازيًا يمتد أثره ليشمل السياسات والإجراءات والبرامج التي تتخدها الدولة.
بين هذا وذاك يظل مشروع قانون رقم 22.20 والذي تمت المصادقة عليه من لدن المجلس الحكومي في شهر مارس (أذار) المنصرم، تعبيرًا عن كون الدولة ترى في الفضاء الرقمي ماسًا بقداستها وشرعيتها التاريخية ودعوة صريحة إلى الالتزام بالمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وأهمها حقه في التعبير والاختيار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

قانون22.20

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد