ردود فعل واسعة أثارها قانون تنظيم الجامعات الجديد على الرغم من عدم صدوره بشكل رسمي حتى الآن. ويخشى خبراء التعليم وأساتذة الجامعات إقرار القانون بشكله الحالي بما يحويه من مخالفات قانونية ودستورية تتعارض وأبسط مبادئ الدستور الجديد في تحقيق تكافؤ الفرص، واستقلال الجامعات الذي تنص عليه المادة 21 من الدستور المصري.

حركة 9 مارس من أجل استقلال الجامعات، أصدرت بدورها بيانًا، أكدت فيه رفضها للقانون الجديد الذي رأت فيه مسّاسًا باستقلالية الجامعات، وجاء فيه “فوجئ المجتمع الجامعي والأكاديمي بالإعلان عن مشروع لتعديل بعض مواد قانون تنظيم الجامعات، وافق عليه قسم التشريع بمجلس الدولة، ويتضمن تعديلات في مواد متعلقة بموضوعات غير عاجلة لا ضرورة لتعديلها في الوقت الحالي، إضافة إلى أنها لا تتطرق إلى المشكلات الحالية لأوضاع الجامعات والبحث العلمي”.

سر من أسرار الدولة

المسئولون يتعاملون مع قانون تنظيم الجامعات على أنه سر من أسرار الدولة ويحيط به الغموض، وكافة التصريحات التي طالعتنا بها الصحف للقائمين على القانون كلها تدور حول هدف واحد وهو العجز المالي، وكيفية توفير موارد، والتوسع في إنشاء جامعات جديدة، وتقنين المجانية، والعقوبات والجزاءات للصغار، نفس فكر عام 2006 وقت تولي الوزير هاني هلال مسئولية الوزارة ومحاولته لتمرير نفس القانون.

هكذا يرى الدكتور وائل كامل، مدرس التربية الموسيقية بجامعة حلوان، والمتحدث باسم اللجنة التنفيذية 31 مارس بالجامعات المصرية، مشيرًا إلى أنه لو تم مقارنة تصريحات وزراء التعليم العالي منذ عام 2006 وحتى الآن لن نجد أي فارق.

فتعبير القانون الموحد للتعليم العالي يتكرر منذ عام 2006 وموجود في كتيب البنك الدولي الذي صدر عام 2010 تحت اسم مراجعات لسياسات التعليم العالي في مصر، والذي يهدف إلى التوسع في الجامعات الخاصة وتحول دور الدولة من مقدم للخدمة إلى مراقب ومنظم لها، واعتبار أن التعليم سلعة وليست خدمة، وكلها أهداف تصب في النهاية لخدمة اتفاقية الجاتس التي وقعت عليها مصر ولم تنسحب من جزئية التعليم على الرغم أن الاتفاقية تسمح بالانسحاب كليًّا أو جزئيًّا بناء على متطلباتها، وهذا ما فعلته العديد من الدول الأخرى، وكلها أهداف لا تتلاءم مع مجتمعنا المصري وإمكانياته ومتطلباته، بخلاف أننا لم نسمع من المسئولين ما كنا نرغب في سماعة من أسلوب جديد لاختيار القيادات الجامعية مبني على الاحتياجات الفعلية، والمؤهلات المطلوب توفرها لقيادة التعليم العالي، ومحاسبة الكبار، وكيفية استمرار تنمية قدراتهم التخصصية، فهناك العديد ممن توقف تمامًا عن تطوير نفسه بمجرد حصولة على أعلى درجة وظيفية، لذا دائمًا ما نسمع عن مشكلة المناهج التي عفى عليها الزمن.

ويرى كامل أن استحواذ درجة وظيفية محددة على التخطيط للتعليم العالي ووضع التشريعات له تكون نتيجته دائمًا تحررهم من القيود والواجبات والالتزامات ووضع تلك القيود على الأصغر منهم، وبالتالي الدائرة دائمًا مغلقة فهذا الصغير عندما يكبر يكرر نفس الأمر ليتوقف هو عن التطوير، وإذا وضعنا في اعتبارنا أن القائمين على التطوير والإستراتيجيات والمناهج هم الكبار فدائمًا ما نجد فجوة لا تلائم العصر، على العكس لو تم الاستعانة بطموحات ورؤى الشباب إلى جانب خبرات الكبار ممن وضعت قيود لهم لتطوير أنفسهم.

الشفافية مفقودة

فيما يتعلق باختيار رؤساء الجامعات عبر لجنة وليس عن طريق الانتخاب، أكد مصطفى النمر، أستاذ الإعلام المساعد بجامعة محمد بن سعود، أنه لا يوجد ضامن لنزاهة اللجنة المشكلة في اختيار الأصلح والأكفأ لتولي منصب رئيس الجامعة.

وحذّر النمر من تحويل أعضاء هيئة التدريس بالجامعات إلى “عقود”، وأنه حال تطبيق هذا الأمر، فإنه سيكون “كارثيًّا” لا سيما في ظل عدم الشفافية في تقييم أعضاء هيئة التدريس، والتي ترتبط أكثر بالأهواء الشخصية لرئيس القسم أو عميد الكلية. كما أنه يّشكل تهديدًا كبيرًا لمستقبل أعضاء هيئة التدريس ويجعلهم يعملون في بيئة نفسية غير مستقرة، وبالتالي سينعكس ذلك بالسلب على المردود المنتظر من عضو هيئة التدريس.

ما يؤخذ على القانون الجديد، كذلك النقاط المتعلقة بكيفية قبول الطلاب الجدد بالجامعات، مشيرًا إلى أن الاعتماد على اختبارات القدرات كشرط للقبول بالكليات بصرف النظر عن مجموع الطالب، من شأنه أن يفتح الباب واسعًا للوساطة والمحسوبية. كذلك التمييز وحرمان بعض طلاب الأقاليم من الالتحاق بكليات الإعلام والسياسة والاقتصاد واستبدالها بكلية الآداب، فيه ظلم كبير لطلاب الأقاليم والمحافظات وكان من الأفضل فتح كليات مماثلة في مختلف الجامعات لكي يتسنى التوزيع الإقليمي لهم.

 
كل هذا التخبط بالتوازي مع غياب آلية حقيقية لتواصل حقيقي بين أعضاء المجلس الأعلى للجامعات، وبين أعضاء هيئة التدريس.

نسخة من القانون الأوروبي والفارق في التطبيق

هناك من يرى بأن قانون تنظيم الجامعات الجديد يعتبر نسخة من القوانين المعمول بها في أوروبا وأمريكا، مع الفارق الكبير في تمويل الجامعات هناك، ونسب البطالة، ومرتبات أعضاء هيئة التدريس وتمويل البحث العلمي.

ورغم ذلك إلا أن القلق موجود كذلك لدى الدكتور وليد محمود، الأستاذ المساعد بكلية الهندسة، جامعة جازان، حول اختيار القيادات الجامعية عبر لجنة والمفاضلة بين خطط التطوير المقترحة للمرشحين، وتدخل التقارير الأمنية والواسطة والمحسوبية في الاختيار. بالإضافة إلى قلقه من اختبار القدارات والمقابلات الشخصية كشرط لدخول الجامعة، فعلى الرغم من تطبيقه في أوروبا، إلا أن هناك فارقًا في مستوى التعليم قبل الجامعي في أوروبا عنه في مصر.

هناك اتفاق إذن حول غياب التواصل الفعال بين أعضاء المجلس الأعلى للجامعات، وبين أعضاء هيئة التدريس، وهو ما يؤكده الشواخ وضرورة العمل على إيجاد قنوات اتصال وحوار حول نقاط الخلاف في القانون الجديد وكيفية تطبيقه حتى لا تقوم ثورة الجامعات على حد قوله.

بدوره، استبعد الدكتور وليد تضرر أعضاء هيئة التدريس من القانون الجديد في الجزئية التي تتعلق بتحويل السادة الأعضاء إلى “عقود عمل”، لا سيما وأن أساتذة الجامعات المصرية مطلوبون للعمل في الجامعات العربية والخليجية التي تتوسع مؤخرًا في إنشاء الجامعات، وأن الضرر الأكبر سيكون على الجامعات المصرية التي ستفتقد “ثروتها البشرية”.

ورفض وليد، ما تردد حول حرمان بعض طلاب المحافظات والأقاليم من دخول بعض الكليات، مؤكدًا أنه غير دستوري ولا يمكن أن يكون موجودًا بالقانون الجديد.

على أية حال، يبقى الرهان معقودًا على وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات، في احتواء غضب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، وفتح قنوات اتصال وحوار حول نقاط الخلاف التي يزخر بها القانون الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد