يقول الدكتور عبد العزيز الشناوي في كتابه (الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترَى عليها): أفاقت الحكومات والشعوب الأوروبية التي خضعت للدولة العثمانية لتجد نفسها تخضع ولأول مرة في تاريخها لحاكم مسلم، ومن ثم عملت جاهدة على تصفية هذا الوجود الإسلامي العثماني من أراضيها، وأسهمت معها دولٌ أوروبية لم يمتد إليها الوجود العثماني، ولكن جمعت بينها وحدة الهدف.

أثناء الحرب العالمية الأولى فشلت الحملة البريطانية التي انقضَّتْ على الدولة العثمانية، ما بين عامي 1915 و1916 للاستيلاء على مضيق الدردنيل الذي تهيمن عليه الدولة العثمانية، وأيضًا لاقت هزيمة ساحقة في معركة كوت العمارة في العراق.

خلال تلك الفترة قام البريطاني هنري ماكماهون بالتواصل مع الشريف حسين حاكم مكة واتفقا على أحقية العرب في استقلالهم عن الدولة العثمانية، وهذا ما يتطلب ثورة العرب على الأتراك، ولقد وعدت بريطانيا بتقديم الدعم اللازم.

اشتعلت نيران الثورة بالفعل في يونيو (حزيران) 1916، وقبل اشتعالها وبعده، اشتعلت همم رجالٍ قد تفانَوا في خدمة قضية بلادهم التي آمنوا بها وأخلصوا لها، أولئك هم رجال بريطانيا، الذين ذهبوا إلى أرض الجزيرة كي يقدموا الدعم المتنوع والذي حتمًا سوف يحتاج إليه الثوار العرب، وبدون شك لقد وقعت أرض الجزيرة، أمراء ومحاربون في فخ الخداع بالوعود المزيفة من قِبَل بريطانيا.

كان من بين هؤلاء البريطاني الشهير توماس إدوارد لورنس، المُلقَّب بلورنس العرب، صاحب الدور البارز في إنجاح الثورة العربية، لورنس الذي توجَّه في خريف 1916 من مصر، إلى أرض الجزيرة العربية لمقابلة فيصل بن الشريف حسين، فإن فيصل هو القائد الذي سيقود الثورة العربية إلى انتصارها الكامل، وهذا ما ذكره لورنس في أعمدة الحكمة السبعة. وإنني سوف أتناول شيئًا مما قام به ذلك الداهية الذي ترك حياة الترف والمدنية، ليخوض مغامرة تحفها المخاطر، ليحيا حياة البداوة القاسية وسط بيئة مقفرة وعِرةٍ لا ترحم الضعفاء، وذلك كله ليس إلا، لإعلاء شأن بلاده التي آمن بقضيتها. ونحن أولى بذلك منهم.

إعدام الشرق والطريق الثالث

في أكتوبر (تشرين الأول) 1916، أي بعد قيام الثورة العربية ببضعة أشهر، توجه لورنس بحرًا بصحبة رونالد ستورز السكرتير الشرقي في الوكالة البريطانية في مصر، وهو الرجل الثقة لدى هنري مكماهون، ومعهم الضابط عزيز المصري ذو الأصول الشركسية، والذي أصبح ضابطًا في جيش الشريف حسين، توجه هؤلاء من مصر إلى أرض الجزيرة العربية، وتحديدًا منطقة جدة، للقاء ورؤية قادة الثورة ورجالها، وتقديم الدعم اللازم لثورة كانت متعثرة وقتئذ. وقد التقوا بالشريف عبد الله، نجل الشريف حسين؛ للتعرف على خط سير القتال، وعلى ما يحتاج إليه الثوار من أجل التغلب على القوات التركية، التي كانت متقدمة على الثوار العرب في ذلك الوقت. فقال الشريف عبد الله بن الحسين:

بما أننا أهملنا فيما مضى قطع سكة حديد الحجاز فقد تمكن التُّرك من الاحتفاظ بوسائل النقل وادخار المؤن اللازمة لتثبيت أقدامهم في المدينة والاستعداد للمقاومة. ثم إن القوات التركية بعد أن قامت بدحْرِ فيصل بن الحسين وأبعدوه عن المدينة عكفت على تجهيز جيش سيار مسلح بجميع أنواع الأسلحة الحديثة ليتقدم إلى منطقة رابغ.

وأيضا لقد انضم حسين مبيرك شيخ قبيلة رابغ إلى الترك، ولو كان جيش المدينة قد تحرك إلى الأمام لانضم إليه حلفاء مبيرك. ساعتها لن يبقى أمام والدي الشريف حسين، إلا أن يقوم على رأس قومه في مكة ويحارب تحت أسوار المدينة المقدسة نفسها ويموت مجاهدًا. وأشير هنا إلى خلاف ظاهر فيما يخص روايتين تخصان شيخ قبيلة رابغ، حيث تختلف رواية أعمدة الحكمة السبعة عن الرواية الواردة في كتاب ثورة في الصحراء.

وأخيرًا فقط طلب الشريف عبد الله بن الحسين بأن تُشَكّل قوة عسكرية مجهزة بجميع وسائل النقل للتحرك من السويس إلى رابغ لإخراج القوات التركية من المدينة.

فوعد لورنس بعرض ذلك على القيادة البريطانية في القاهرة، مع عدم الوعد بتحقيق ما طلبه عبد الله. وفي نفس الوقت طلب لورنس الذهاب نحو المدينة لمقابلة الشريف فيصل بن الحسين لإعداد تقرير مفصل. تواصل الشريف عبد الله مع والده بخصوص ذهاب لورنس لفيصل، أبدى الشريف حسين ارتيابه من ذلك في البداية، ولكنه وافق في النهاية.

ترك لورنس منطقة جدة منطلقًا إلى منطقة رابغ بحرًا حيث التقى  بالشريف علي بن حسين، الذي قام بمساعدة لورنس في التحرك برًّا تجاه معسكر فيصل. استغرقت رحلة لورنس البرِّيِّة أيامًا تعرض خلالها لمتاعب كثيرة نتيجة البيئة الصحراوية القاسية، ولكنها العزيمة التي تولدت بداخله من أجل إعلاء شأن بلاده.

بعد أن التقى لورنس بفيصل، واستمع منه وتعرف على ما يعانونه من نقص في الأسلحة والذخائر، ثم استمع إلى شكوى فيصل بخصوص تفوُّق القوات التركية على القوات العربية، ثم من خلال التعايش والملاحظة والمشاركة، والتعرف على تفاصيل البيئة الجغرافية، ثم التعرف على حالة الثوار المعنوية والنفسية. فقد أعد لورنس تقريرًا مفصلًا، وكان مما ورد فيه أن القوات التركية لن تستطيع القضاء على فيصل ورجاله، إلا بمساعدة بعض القبائل، وذلك بسبب الطبيعة الجبلية الوعرة للمنطقة، وتوصل أيضًا إلى صعوبة صمود القوات العربية أمام المدفعية التركية، فلقد كانوا يتشتتون لأول قنبلة تنفجر، ويتوارون عن الأبصار لاعتقادهم أن الجيش الأشد تدميرًا هو الجيش الأكثر قعقعة وضجيجًا، ولم يكن الموت يخيفهم، وإنما فكرة انفجار القنابل، وقد كان الهدف الأول بالنسبة للمحاربين بداية من فيصل حتى أصغر جندي في الجيش العربي هو الحصول على (المدفعية، المدفعية، المدفعية)، هكذا رددها لورنس للأهمية.

أطلع لورنس فيصل على تقريره، ثم وعده بإقامة قاعدة في منطقة ينبع لإنزال الإمدادات والمؤن، ثم وعده بتزويد القوات العربية بالمدافع الجبلية والرشاشة الخفيفة، وأيضًا ضرورة وجود ضباط بريطانيين ليقوموا بدور المستشارين، وآخرين كضباط اتصال مع فيصل في الميدان.

فور ذلك انطلق لورنس بتقريره عائدًا إلى القاهرة عن طريق السودان، وفي الخرطوم التقى بالسير ريجينالد وينجيت الذي كان قائدًا عسكريًا بريطانيا في السودان وقتئذ، ولقد أبدَى وينجيت سعادته بعد الاطلاع على تقرير لورنس، لما فيه من أخبار سارة لبريطانيا. وبعد أن مكث لورنس أيامًا بالقاهرة، دعاه رئيسه الجنرال كلايتون ليأمره بالعودة مرة أخرى إلى فيصل، رفض لورنس ذلك بشدة، إلا أن رئيسه تمسك بأمره؛ مما اضطر لورنس إلى العودة مرة أخرى إلى جزيرة العرب، حتى يلعب دورًا لم يكن يميل إليه جوار فيصل.

تحرك فيصل وجيشه يرافقهم لورنس تجاه منطقة ينبع، التي أوشكت القوات التركية أن تسيطر عليها، ولكن تدخُّل المدافعية البريطانية قد أسهم في رفع الحالة المعنوية القتالية لدى القوات العربية.

استقرت قوات فيصل في ينبع، حتى صدرت الأوامر البريطانية بضرورة التوجه إلى منطقة الوجه تلك المنطقة المتميزة بطابعها التاريخي العميق الممتد على ساحل البحر الأحمر، وكان ذلك في يناير (كانون الثاني) 1917، ولقد استطاع لورنس أن يفهم طبيعة المحارب الصحراوي، ومن ثم كان يشارك في تنظيم صفوف المحاربين بما يتناسب مع طبيعة كل محارب، وأيضًا حدد التناقضات ما بين القوات العربية وبين القوات التركية من حيث التأثر في حال فقدان جنود أو أسلحة، فتوصل إلى أن القوات العربية لم تكن تتأثر كثيرًا إذا دُمِّرَ شيء من سلاحها، فبريطانيا كانت تمدهم بالأسلحة المتنوعة، وبالتالي فإن الحفاظ على القوة البشرية كان الأولوية الأولى للقوات العربية، وذلك على عكس القوات التركية تمامًا والتي كانت تتأثر بشدة إذا ما دُمّر شيء من أسلحتها؛ وذلك لصعوبة الإمداد.

قام لورنس أيضا بوضع خططٍ تكتيكية، بتنفيذها استطاعت القوات العربية أن توجه الضربات المتتالية للقوات التركية، ولقد شارك لورنس في تنفيذ ما خطط له، لقد كان في الصف الأول خدمةً لقضية بلاده وليس خدمة للعرب، فلقد كان مشاركًا بقوة في العمليات القتالية، ثم كان يقود عمليات زرع الألغام لتفجير خط السكك الحديدية، التي ربما لم تتوقف يومًا، وبسبب ذلك قلة إمداد القوات التركية بالمؤن والذخائر، وبسبب ذلك أيضًا حدث ارتباك داخل القوات التركية.

لم يكن لورنس يقوم بتلك الجهود وحده، كلا فقد كان هناك مجموعة من الضباط البريطانيين على أرض الجزيرة، وكل واحد منهم كان مكلفًا بمهمة يقوم بها، وأيضًا كانت السفن البريطانية تقوم بإمداد القوات العربية بما تحتاج إليه عند الضرورة.

أحدثت تلك العمليات نوعًا من الصدى داخل أرض الجزيرة، وذلك ما أثر معنويًا في شيوخ ورجال القبائل الذين توافدوا لبيعة فيصل، وأداء القسم على الولاء له وللثورة العربية والوقوف بجانبه في حربه على الأتراك.

استولت قوات فيصل على منطقة الوجه، وصار الزحف نحو العقبة هو الهدف القادم.

تمركز الشريف فيصل بن حسين في منطقة الوجه، بينما انطلقت القوات العربية بقيادة لورنس نحو العقبة في مايو (أيار) 1917، والعقبة كانت تمثل وضعًا خاصًا بالنسبة للقوات التركية، فمن خلالها تستطيع القوات التركية تهديد الجناح الأيمن للجيش البريطاني، وأيضًا العقبة كانت تمثل أهمية قصوى للقوات العربية، إذْ إن الاستيلاء عليها سوف يفتح خطًا للتزود بالإمدادات من القوات البريطانية.

زُوِّدت القوات بالأسلحة والمؤن اللازمة، وأيضا بـ20 ألف دينار من الذهب، وذلك لدفع أجور الرجال الذين سوف ينضمون للقوات العربية على طول الرحلة من الوجه حتى العقبة. لم يتخل لورنس عن استراتيجية زرع الألغام وتفجير السكك الحديدية وقطع أسلاك التليغراف خلال الزحف نحو العقبة، لما في ذلك من أضرار عظيمة تتكبدها القوات التركية.

استغرق الطريق من الوجه حتى السيطرة على العقبة ثمانية أسابيع تقريبًا، قامت القوات العربية خلالها، بتفجير قطار تركي مع تفجيرات عديدة لخط السكك الحديدية، مع عمليات الاستيلاء الشرسة على محتوى القطارات والحاميات التركية؛ مما بث بداخلهم حالة من الرعب، وهذا ما أرغم الأتراك على نقل الوثائق المهمة من خلال شاحنات، لتتجه بها إلى دمشق خوفًا من ضياعها.

حققت القوات العربية تقدما كبيرا نحو العقبة، بل لقد وجَّهوا رسائلهم إلى الضباط والجنود داخل المواقع التركية، بضمان السلامة إذا ما أعلنوا الاستسلام.

في يوليو (تموز) 1917 كانت القوات العربية قد سيطرت على منطقة العقبة. ولقد عبّر لورنس عن فرحته بقوله: إن استيلاءنا على العقبة قد أنهى الحرب في منطقة الحجاز، ومنحنا مهمة مساعدة البريطانيين في السيطرة على سوريا، فالقوات العربية العاملة من العقبة أصبحت تمثل الجناح الأيمن لجيش اللنبي المتواجد في سيناء.

-إعدام الشرق والطريق الثالث.. أُكمل ما تبقى في مقالات قادمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة

المصادر

أعمدة الحكمة السبعة.. لتوماس إدوارد لورنس
ثورة في الصحراء.. لتوماس إدوارد لورنس
لدولة العثمانية دولة إسلامية مفترَى عليها.. للدكتور عبد العزيز الشناوي
لاستعمار والصهيونية وقضية فلسطين.. لكمال الدين رفعت
لطريق إلى بيت المقدس.. للدكتور جمال عبد الهادي
الموسوعة العربية الميسرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد