كان أهم دور للقانون والمؤسسات القانونية خلال عصر الإصلاح في الصين هو دعم التنمية الاقتصادية، وبالتحديد تنمية الاقتصاد الذي كان ينتقل من التخطيط الاقتصادي الاشتراكي على النمط السوفياتي والعزلة إلى السوق الدولية والمشاركة العالمية، ومن اﻟﻔﻘﺮ إﻟﻰ اﻟﺮﺧﺎء اﻟﻨﺴﺒﻲ، بحيث تحولت اﻟﺴﻴﺎﺳﺎت اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺪﻋﻢ وﺗﻌﻜﺲ هذه اﻟﺘﺤﻮﻻت بصورة كبيرة وﻏﻴﺮ ﻣﺴﺒﻮقة إلى ﺷﻜﻞ ﻗﺎﻧﻮﻧﻲ، كما وأعيد التأكيد على هذه البرامج مرارًا وتكرارًا، بما في ذلك تعهد اللجنة المركزية في أواخر عام 2013 بوضع أنظمة سوقية عادلة ومنفتحة وشفافة، وفتح مجالات أوسع من النشاط الاقتصادي لجميع أنواع الجهات الفاعلة على قدم المساواة ووفقًا للقانون.

كما كانت التنقيحات والقوانين التكميلية، وقانون العقود الاقتصادية لعام 1981، وقانون العقود الموحد في عام 1999 والإضافات اللاحقة إلى القوانين ذات الصلة، قد وفرت إطارًا قانونيًا متقنًا للجهات الفاعلة الاقتصادية للدخول في معاملات طوعية أكثر، ترتكز على السوق المفتوحة مع وجود مجموعة واسعة من الشركاء، بحيث اكتسبت الأطراف في الاتفاقات قدرًا كبيرًا من الحرية القانونية في إبرام العقود أو عدم إبرامها، واختيار الموردين والعملاء، والتفاوض بشأن شروط الاتفاقيات والعمل دون قيود كثيرة من الدولة، وقد فازت هذه الأطراف بسلطة تقديرية متزايدة في اختيار إجراءات حل النزاعات، وفي اختيار العديد من العقود الدولية، وحتى في اختيار قانون البلد المعني.

هذا وقد حددت القوانين التي تحكم الأرباح والضرائب، العلاقات المالية بين الشركات والدولة على نحو متزايد، وذلك بالنسبة للمؤسسات المملوكة للدولة أو التي تسيطر عليها أجهزة الدولة، حيث استبدلت هذه الإصلاحات ترتيبات الدفع الكامل أو التعسفي أو المخصص للأرباح من قبل الشركات إلى الدولة، أما بالنسبة للكيانات الخاصة أو المخصخصة أو المخصخصة جزئيًا، فأصبح يطبق عليها القوانين المالية بشكل أكثر مباشرة، مما جعل الضرائب تشكل مصدرًا أساسيًا وقانونيًا لاستخراج عائدات الدولة المشروعة، وقد أدت هذه التغييرات القانونية كلها إلى انكماش حصة الدولة من الاقتصاد المتنامي بسرعة إلى أقل من نصف القطاعات الصناعية والخدمية، كما أن القوانين المتعلقة بالمصالح الأمنية، والبنوك، والأوراق المالية والأسواق الآجلة، سهلت وفرضت آليات أقل اعتمادًا على السياسة، وذلك لتخصيص الائتمان ورأس المال للأسواق.

كما قدم قانون الإفلاس لعام 2006 بالمقارنة مع سابقه في عام 1987، المزيد من الصلاحيات للدائنين وأقل سلطة تقديرية للدولة كحارس بوابة للإفلاس، وحمايته الضعيفة لأحواض «الأرز الحديدي» الخاصة بالموظفين، وهو ما يعني الاستخدام الفعلي للعمالة وفوائد مضمونة للعاملين، إضافة إلى استهداف قانون مكافحة الاحتكار لعام 2008 التهديدات التي تواجه الأسواق من الشركات القديمة، فيما اكتسب إصلاح قانون حوكمة الشركات أدوارا جديدة، لا تزال ناشئة في التعامل مع السلوكيات الضارة اقتصاديًا، بما في ذلك توفير سبل الإنصاف المدنية، حيث أدى الإصلاح في هذا المجال إلى توسيع نطاق المسؤولية تجاه المنتجين والبائعين للمنتجات المعيبة، وذلك مع تطور الإطار من أحكام متفرقة في المبادئ العامة للقانون المدني (1987).

ومن خلال قانون جودة المنتج (1993/2000)، وحماية حقوق ومصالح المستهلك (1993)، إلى قانون سلامة الأغذية المعجل بالفضائح (2009)، وقانون المسؤولية الكاملة عن التضرر (2010)، اللذان يمنحان ضحايا الأضرار العارضة أو المتعمدة الحق في تعويضات من المسؤولين عن خسائرهم، وقد كان نمو هذا المجال والمجالات ذات الصلة محدودا بسبب حداثته وعدم اكتماله، والقيود المستمرة على الدعاوى القضائية الجماعية التي كانت الدوافع الرئيسية لقانون الضرر في الأنظمة الأخرى، والهياكل القانونية والمؤسسية الأكبر التي تكرس الكثير من مهمة معالجة أنشطة ضارة اجتماعيا، لا سيما في الحالات التي تنطوي على ضرر اجتماعي كبير، مثل المنتجات الاستهلاكية المعيبة أو التلوث البيئي، إلى الرقابة الإدارية وعقوبات الولاية، وبرامج التعويضات التي تتوسط فيها الحكومة.

هذا وإن القوانين التي تحكم التفاعلات الاقتصادية الدولية تمثل تباينًا آخر حول موضوع الإصلاح القانوني والاقتصادي في الصين، ففي العقود الأخيرة تبنت الصين بشكل متزايد وبشكل كبير معايير البلدان النامية، أي قوانين التجارة والاستثمار الليبرالية بشكل لافت للنظر، كما وألغت القوانين الجديدة القيود المفروضة على حقوق التجارة الخارجية للمؤسسات، وقللت الحواجز أمام الواردات والصادرات، وسعت إلى الامتثال لمتطلبات منظمة التجارة العالمية والدخول لهيئة التجارة الدولية، وبعد انضمامها في عام 2001 إلى منظمة التجارة العالمية، أصبحت القوانين المتعلقة بالمشاريع الصينية الأجنبية المشتركة، والشركات المملوكة للأجانب بالكامل، والملكية الأجنبية للأسهم في الاستحواذ الكامل على شركات جمهورية الصين الشعبية والعملات الأجنبية أكثر مرونة وسهولة منذ الانفتاح على العالم.

لكن مع ذلك كله فقد كان للإصلاح في القانون الاقتصادي حدوده باعتباره وسيلة لدعم التنمية من خلال الأسواق بشكل رسمي، حيث استمرت القوانين في اشتراط أن تكون العقود متسقة مع بقايا خطة الدولة والمصالح العامة المحددة بشكل غامض، كما لا تزال بعض العقود والمشاريع بما في ذلك العديد من المشاريع الضخمة من قبل الشركات غير المملوكة للدولة، بحاجة إلى موافقة من البيروقراطية الشاسعة وغير الخاضعة للمساءلة في الصين، بحيث ظلت العديد من الشركات الكبيرة مملوكة بالكامل للدولة أو تسيطر عليها الدولة بفعالية، وغالبًا من خلال هياكل الشركات المعقدة.

كما وظلت المحاكم وغيرها من المؤسسات القانونية تحت قيادة الحزب صراحة، على الرغم من أن مدى تدخل الحزب قد انخفض خلال فترة الإصلاح، حيث يلعب الحزب دورًا مركزيًا في اختيار وترقية القضاة وموظفي المحاكم، وكثير منهم أعضاء في الحزب، كما أن داخل كل محكمة، لجنة قضائية برئاسة رئيس المحكمة، لديها سلطة تشكيل وتجاوز القرارات من قبل لجنة القضاة الذين يسمعون القضية، وتتمتع اللجان السياسية/القانونية للحزب الشيوعي الصيني على كل مستوى بسلطة واسعة للإشراف على المحاكم والمؤسسات القانونية الأخرى، فيما تعتمد ميزانيات المحاكم على المؤتمرات الشعبية والحكومات على مستوى المحكمة نفسها، والتي ساهمت في عصر الإصلاح في شكل من أشكال التحيز والتأثير القضائي المعروف باسم «الحماية المحلية»، وعلى النقيض من سنوات (ماو) فإن المؤسسات القانونية الحكومية في عصر الإصلاح تعمل في بيئة تتشكل من خلال مجموعة من القوانين واللوائح، ومساندة رسمية أقوى بكثير لمبادئ الشرعية، ومجموعة من المحامين أكبر بكثير وأكثر مهنية.

أما العقوبات الجنائية والإدارية على الحكومة أو موظفي الحزب، هي جزء آخر من مرجع القانون العام لفحص سلوك الدولة الذي يهدد نجاح سياسات الإصلاح، وقد نشرت السلطات هذه الأسلحة القانونية مع عقوبات تصل إلى حد عقوبة الإعدام، والأكثر قوة ظهر من خلال حملات دورية ضد الفساد الرسمي، والذي بدأت تتسارع خطواته تحت القيادات الصينية المتعاقبة، حيث إن من بين كبار المسؤولين الذين واجهوا المقاضاة بتهمة الفساد، عمدة بكين السابق (تشن شي تونغ) في التسعينيات، ورئيس حزب شنغهاي (تشين ليانغ يو) في عام 2007، ووزير السكك الحديدية (ليو تشيجون) في عام 2013 وغيرهم الكثير.

هذا وتجري المحاكمات الجنائية في جمهورية الصين الشعبية بسرعة كبيرة، وتستغرق أحيانًا بضع ساعات فقط، بما في ذلك حالات عقوبة الإعدام، حيث إن الوقت من الإدانة إلى الاستئناف ومراجعة محكمة الشعب العليا إلى التنفيذ هو أمر موجز عموما، ويذكر أنه في السنوات الأخيرة، تحركت الصين نحو الحقنة القاتلة كطريقة للتنفيذ، على الرغم من أن طلقة واحدة إلى مؤخرة الرأس لا تزال تستخدم في العديد من الأماكن، كما أن لدى جمهورية الصين الشعبية عقوبة غير معتادة تسمى «حكم الإعدام مع الإرجاء»، أي بعد عامين يكون التنفيذ، وعادة ما يتم تخفيف هذه الأحكام إلى السجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج المشروط إذا أظهر النزيل سلوكًا جيدًا.

كما تم تعديل القوانين التي ترتكز على نطاق واسع على الحرمان غير الإجرامي من الحرية مثل «إعادة التعليم من خلال العمل»، وهي العقوبة التي فرضتها مكاتب الأمن العام ضد المعارضين السياسيين، وغيرهم من المسؤولين الغاضبين، وذلك دون الحاجة إلى المرور عبر نظام المحاكم، لكن أدت تغييرات عصر الإصلاح إلى تقليص «إعادة التعليم من خلال العمل»، وأعطت أولئك الذين خضعوا لها لحقوق المراجعة القضائية لعقوباتهم، حيث أثار النقاد مخاوف طويلة الأمد حول الاستخدامات السياسية لها ونقص الإجراءات القضائية، وذلك من مبدأ أن العقوبات التي تحرم المواطنين من الحرية لا يمكن فرضها بشكل قانوني إلا بموجب تشريع من المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، وليس مجرد لوائح إدارية.

أما المشكلة الأكثر شيوعًا وخطورة على إنفاذ القوانين هي فجوة التنفيذ، وذلك بسبب الموارد المحدودة، وثقافة الشرعية التي لا تزال ضعيفة، والقرارات العقلانية التي تتخذها الأطراف بعدم السعي للحصول على حقوقها، وضعف تدريب القضاة وغيرهم من المسؤولين، والكادر والمقاومة الشعبية، والحمائية المحلية، والمعارضة الأيديولوجية، والولايات المتضاربة أو غير واضحة والفساد (بما في ذلك في المحاكم).

كما أن هناك تفاوتًا كبيرًا بين أجزاء مختلفة من البلاد يدعم الفجوة بين الأقاليم في القانون، حيث ﻳﻨﻈﺮ إﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎت ﺳﻴﺎدة اﻟﻘﺎﻧﻮن في الصين ﻋﻤﻮﻣﺎ ﻋﻠﻰ أﻧﻬﺎ أﻋﻠﻰ، ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ اﻟﺸﺆون اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ، وﻓﻲ اﻟﻤﻨﺎﻃﻖ الأكثر ﺗﻘﺪﻣًﺎ واﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ، وﻗﺪ أدى هذا اﻟﻨﻤﻂ إلى تقليل الفرص الاقتصادية الكبيرة والمتنوعة في المدن الساحلية الكبرى نتيجة التشابكات الإشكالية بين المسؤولين المحليين والمشروعات المحلية المهيمنة (أو مجموعة صغيرة منها)، والتي تكمن وراء الحمائية المحلية أو الدولة المفترسة التي تستنزف الثروة في خزائنها الخاصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد