قال الله، عز وجل، على لسان نبيه هود عليه السلام ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾،[1] فمفهوم الإصلاح من صميم الدين وجوهره، ومقاصد الشريعة الإسلامية في جملتها تقوم على جلب المصالح ودفع المفاسد؛ لذلك اهتم العلماء والمفكرون بموضوع الإصلاح أملًا منهم في إيجاد السبل والطرق والقوانين الإصلاحية التي يمكن من خلالها تقويم وتعديل «الاعوجاج» في حياة الأمم والعقائد الدينية والدنيوية، وتحقيق الخيرية والشهادة على الناس.

ففكرة الإصلاح فكرة التأسيس الدائم لحقوق العقل النظري والعملي في البحث عن حلول واقعية وعقلانية وإنسانية للمشكلات والإشكاليات التي تواجهها الأمم. الأمر الذي جعل من تاريخ الفكرة الإصلاحية على الدوام جزءًا من تجارب الكلّ الإنساني من جهة، وحلقات ومستويات ونماذج في التجارب الإنسانية الحرة، من جهة أخرى.

وفي هذه السطور أتحدث عن تجربة محمد بن الحسن الحجوي[2] الإصلاحية الذي طرح مجموعة من التساؤلات في سبيل الوصول إلى غايته الإصلاحية وترجمة فكره الإصلاحي:

هل الخمول من طبيعتنا كما حاول منظرو الحركة الاستعمارية أن يوهمونا بذلك؟ وهل هو خمول يرتبط بالإسلام كما يدعي البعض؟ أم أنه جاء نتيجة ظروف وعوائق منعت المغرب من اكتساب شروط الإقلاع؟ وهل نتشبث بالموروث الجامد؟ أم أنه قد آن أوان التعامل مع الواقع وركوب الظرفية، مع الحرص على إحياء الفكر الاجتهادي الخلاق المبدع، الذي تميزت به الشخصية الإسلامية في عهودها الذهبية؟

هذه أسئلة محمد بن الحسن الحجوي لطرق باب الإصلاح، ووضع اليد على مكمن الخلل، لكنني أتساءل بدوري: إلى أي حد استطاع هذا الفقيه العالم الموظف المخزني التاجر إيجاد أجوبة وحلول إصلاحية تحقق الأهداف والآمال المنشودة للأمة؟

الإجابة عن هذا السؤال وأسئلة الحجوي تقتضي منا الوقوف عند قوانينه الإصلاحية الأربعة:

القانون الأول: التعاضد المتين بين العقل والعلم والدين، فقد قام الفقيه الحجوي – رحمه الله – باستقراء العقائد وأصول الفقه وفروعه، فخلص إلى الحقيقة التي أطرت فكره؛ وهي كون العقل وكل العلوم منبثقة عنه جميعها مؤيدة للدين، وليس الدين بقاهر لها ولا نابذ إياها إلا إذا كانت ضد المصلحة الإنسانية.

وبهذا ففكره يقر بالتكامل المتين بين العقل والعلم والدين؛ إذ إن الدين يهذب الأخلاق، والعقل والعلم والدين ركائز يستند إليها لتحسين الأوضاع المادية والدفع بالمجتمع إلى الرقي وعدم الجمود.

وقد انطلق الحجوي في قانونه الإصلاحي هذا من مسلمات تعمق فيها «من سبقه من العلماء والذين حاولوا التوفيق بين الدين والعقل والعلم، مثل ابن رشد الذي يذكر أنه أفرد مؤلفًا لمشكلة العلاقة بين العقل والنص القرآني وهو (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) فقد اعتمد العقل أداة إجرائية لقراءة القرآن وتأويله، لأن الوحي مصدر الحقيقة الدينية، والعقل مصدر الحقيقة الفلسفية، فالحق لا يضاد الحق، بل يعاضده ويشهد له».[3]

فالدين الإسلامي ـ في اعتقاد الحجوي ـ لا يشكل أبدًا عرقلة في وجه العلم؛ فهو أسمح الديانات مع العلم وأهله، «ففي الوقت الذي كانت فيه الكنيسة في أوربا تضطهد وتكفر كل من اخترع أو اكتشف شيئا، كانت دول الإسلام كالأندلس وبغداد تأويهم وتحميهم، ولولا حماية الإسلام للعلوم والاكتشافات، لقضت الكنيسة عليها في مهدها، ولما وصلت إلى ما وصلت إليه الآن من الرقي».[4]

ويمكن أن نستخلص من فكر الحجوي الإصلاحي فيما يتعلق بالمنظومة الثلاثية (الدين والعقل والعلم) كما جاء على لسانه:«فالعقل والعلم كمَّلا ما بدأه الدين، والعالم بلا دين كسيارة ليس لها حصار، فإنها تقرب المسافة ولكنها الخطر كله»[5]، «فالعقل والعلم رفيقان للدين وهو ماشٍ بينهما مستعينًا بهما، وهما عضداه ونصيراه، والحكمة صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة تجاذبتا بالطبع حتى اتحدتا بالعقل والسمع».[6]

القانون الثاني: قانون التجديد والاجتهاد وفق روح الشريعة ومقتضيات العصر؛ إذ إن الخطاب الذي اعتمده الحسن الحجوي في هذا القانون يسير جله في اتجاه محاربة التقليد، واعتبار دعاته من أولئك الذين يناهضون مصالح ومنافع مجتمعاتهم؛ «لأن الله لم يجعل الشريعة منافية لناموس الاجتماع ولا قيدًا ثقيلًا في أرجل من يريد النهوض بأمته»[7]؛ بل حث على الاجتهاد وذم أولئك الذين ركنوا وألفوا العيش على ما كان عليه الأجداد، وقالوا﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.[8]

فالحجوي يصيح في وجه هؤلاء المقلدين الجامدين مقررًا بأن «المفتي لا يجوز له الاسترسال في الإفتاء بما جرى به العمل، ويظن أن حكمه مؤبد، و لا يسري عرف بلد على بلد، ولا يحكم على زمن بزمن».[9]

وهذه العملية المنهجية التي صاح بها قد اتبعها وهو ينتج فتاوى الإصلاح ليستنبط من أغوارها حلولًا يكون من شأنها تقريب المسافات بين مقاصد الشرع وما يفرضه واقع التطور، فخلاصة تمحيص «فتوى استعمال التليفون والتلغراف في ثبوت الهلال» قد أثبتت أن الفقيه الحجوي «عالج المسألة بمنظار الفقيه المتنور الذي يتشبث بأصوله الحضارية الإسلامية، وفي الوقت نفسه يهيئ نفسه وعقله لقبول الحديث والجديد المناسب لتلك الأصول. وعلى مقاصد الشرع وضرورات العصر سيؤسس الحجوي فتواه بالجواز اعتمادًا على القياس ما دام هذا الجواز مرتبطًا أولًا وأساسًا بضرورة المجتمع المغربي، وما دامت هذه الضرورة لا تخل بأصل من أصول التشريع الإسلامي ولا تتنافى مع مقاصد الشارع».[10]

ويمكن أن نفهم من خلال هذا الطرح الإصلاحي الذي ابتغاه الفقيه وعمل جاهدًا على إنجاحه ما قاله عن نفسه في إحدى مؤلفاته الفقهية «إني من الذين يعتدلون في الأحكام، وفي الفلسفة الفقهية، ولا يغرقون فيها، ولا يرون الاسترسال في الأقيسة والتحمل في استنباط أحكام بمنع معاملات كثيرة لم يصرح نص بمنعها، ولا نضيق على الأمة سبل رقيها، لأنه موجب لفقرها واحتكار تلك المعاملات لغيرها».[11]

ففي نظر الفقيه الإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق الاجتهاد، إذ هو الوسيلة الأساسية للخروج من دائرة الجمود والتخلف «فإذا استيقظت الأمة من سباتها، وانجلى عنها كابوس الخمول، وتقدمت في مظاهر حياتها التي أجلها العلوم، وظهر فيها فطاحل علماء الدنيا من طبيعيات ورياضيات وفلسفة، ظهر المخترعون والمكتشفون عند ذلك ليتنافس علماء الدين مع علماء الدنيا فيظهر المجتهدون». [12]

والملاحظ من هذه المقولة – كما تقول آسية بنعدادة – «إن الحجوي كان على وعي تام بأن الاجتهاد أمر ليس بيسير، وأنه مسألة كلية تتطلب التكوين العميق في العلوم المختلفة، وتحتاج إلى أسس مادية وذهنية كما تقتضي أساسًا السير فيه بخطى أكيدة ولكن بالتدريج».[13]

إلا أن دعوة الانفتاح هذه التي صاح بها الفقيه الحجوي لا تعني الاندماج أو الانسلاخ الذي يؤدي- لا محالة- إلى استلاب وطمس الشخصية والقومية، وهذا القصد من دعوته يوضحه قائلًا: «والأبشع هو تقليد أوروبا في الأمور المخالفة للدين، والتي تكون سببًا في اضمحلال قوميتنا كالتشبه بهم في أمور العبادة وفي السفور والتهتك والخمور وكالتشبه بهم في الزي».[14]

وصفوة القول في هذا القانون الذي اعتمده الحجوي في مشروعه الإصلاحي أن الدين الإسلامي لا يقف حاجزًا أو مانعًا في وجه من يريد النهوض والإصلاح والاجتهاد، فهو ليس دين جمود؛ بل على العكس من ذلك فقد يدعو إلى التجديد والاجتهاد ومواكبة التغيرات والتحولات.

غير أن الاجتهاد – في نظر الحجوي – لا يمكن إلا بالعلم، لذلك قد أعطى الأولوية في مشروعه الإصلاحي هذا لقطاع التعليم، لأن «تطور القطاعات الأخرى وتحديثها لن يتحقق إذا أهملنا الجانب العلمي».[15]

القانون الثالث: إصلاح التعليم، كان الحجوي – رحمه الله – يرى أن مفتاح مجاراة الأمم المتقدمة وتحقيق في كل المستويات، فكان أول ما استدعى اهتمام وانشغالات الفقيه الحجوي بعد توليه منصب مندوب المعارف تقهقر وتراجع مقومات حالة التعليم خاصة بجامعة القرويين التي كانت عنوان الهوية المغربية، فقام بعملية جرد «لمظاهر الضعف المتجلية في التعليم بصفة عامة، ونقد نظام جامعة القرويين بما في ذلك الكتب الدراسية وقصور المدرسين من علماء وأساتذة».[16]

وبادر إلى إشراك العلماء في همه الإصلاحي فجاء على لسانه «ولما حللت فاس، جمعت علماءها الأعلام، وشرحت لهم الحال، ورغبتهم في تشكيل لجنة لتحسين حال القرويين من بينهم بالانتخاب على نسق انتخاب المجلس البلدي بفاس؛ إذ كان مرادنا الوقوف على أنظارهم وحاجاتهم، وأن لهم ما ظهر لي من إدخال نظام مفيد، وإصلاحات مادية مع إصلاحات أدبية في أسلوب التعليم».[17]

فانصبت جهوده على وضع الخطط الإستراتيجية التي تهدف إلى تطوير النهج المعتاد في القرويين والطرق الكلاسيكية في دراسة المتون العلمية، وشرحها وحواشيها وأيضًا التفت إلى أحوال المدرسين ورواتبهم الزهيدة وأحوال الطلبة الوافدين على جامعة القرويين لطلب التعلم بها لكن الفكر الإصلاحي، لم يحظ بالقبول من طرف بعض رجال الدولة الذين «لم يروا فيه سوى محاولة لإنتاج نخبة جديدة تنازعهم الموقع، وكانت مقاومتهم شديدة».[18]

وما زال الحجوي يدافع عن أفكاره ويضع الخطط والمناهج الواضحة لذلك، ففي إحدى خطبه جعل الأركان والأسس التي تقوم عليها النهضة العلمية «أربعة أسس هي:

1) المعلمون: يجب أن يكونوا ناضجين في تعليمهم مقتدرين على إيصال ما في صدورهم إلى عقول التلاميذ بأسهل طريق وأقصر زمن.

2) المتعلمون: يجب أن تكون لهم قريحة متأججة ونفوس طموحة إلى المعالي ولا تطمعهم المراتب والرواتب.

3) الآباء: يجب عليهم أن يحثوا أبناءهم على تعاطي العلم والمواظبة، وأن يتفقدوهم تفقدًا جديًّا، وأن لا يبخلوا بشراء اللوازم المدرسية لهم، وانتقد بشدة عدم اهتمام المغاربة الأغنياء على عكس الأوروبيين على العلم، وخاطبهم قائلًا: كونوا على أن تتركوا أولادكم علماء أحرص منكم على أن يكونوا أغنياء، إن تركتم أولادكم علماء صاروا سادة رؤساء، وإن تركتموهم جهالًا صاروا سوقى بؤساء.

4) الحكومة: عليها أن تنشر التعليم وتبني المدارس وتهتم بتعليم الفقراء وتصرف عليهم».[19]

القانون الرابع: النظام والتنظيم، من القوانين الإصلاحية التي اعتمدها كذلك الحجوي قانون النظام والتنظيم، والذي جاء ردًّا على الذين حاولوا أن يبينوا أن المسلمين لم يعرفوا نظامًا منذ ثلاثة عشر قرنًا، يقول:«الحمد لله والصلاة على رسول الله، أيها السادة: سمعت بعض فضلاء المدرسين يقول يومًا في ناد علمي إن الإسلام لم يعرف نظامًا منذ ثلاثة عشر قرنًا فتلطفت معه إلى أن أقنعته بأن الإسلام جاء بالنظام وأن حقيقة شريعة الإسلام هي نظام المجتمع العام».[20]

ووقف الحجوي عند كلمة نظام فقال:«نجد أن كلمة نظام، وقد تجمع على أنظمة وأناظم، مصدر معناه جمع الشيء وتأليفه متناسقًا متناسبًا، ثم تطور هذا المعنى حتى صار في العرف ضبط الأمر وإتقانه جاريًا مجرى الاعتدال المستحسن لدى جمهور العقلاء، فالنظام ضد الخلل»[21]، قال حسان بن ثابت يمدح النبي، صلى الله عليه وسلم:

فمن كان أو من قد يكون كأحمد… نظامًا لحق أو نكالًا لملحد [22]

وقد أكد الحجوي أن تقدم الأمم «ظل وسيظل مرتبطًا بقدر تمسكها بالنظام وإحكامه على أرض الواقع، وقيام رجالها بمراقبة العمل به والتمشي عليه، وتأخرها يكون بقدر انحلاله والتفريط فيه».[23]

وقد اعتبر الحجوي نظام الشورى في الإسلام من الأمور الأساسية، لأنه «جاء ملائمًا لواقع العالم الإسلامي ومناسبًا للظروف التي كان يعيشها المسلمون، ولكنه لم يكن يشبه الأنظمة الانتخابية الموجودة اليوم، لأنه كان يأخذ بعين الاعتبار واقع المسلمين».[24] وعن هذا الواقع المتجدد يقول أيضا: «نظام الشورى لم يكن يشبه الانتخاب الموجود الآن في المجالس النيابية الأوروبية، ولكن كان عندهم نظام كاف بحاجياتهم الوقتية مناسب لأفكارهم». [25]

خلاصة:

مما لا شك فيه بعد هذه النظرات المختزلة من فكر الفقيه التاجر الحجوي الثعالبي، أنه بسط مشروعًا إصلاحيًّا متكاملًا متسق الأجزاء، منتظم الأفكار والقوانين الإصلاحية التي انطلق منها لبلورة مشروعه الإصلاحي.

هوامش

ü التعاضد المتين بين العقل والعلم والدين للحجوي الثعالبي، تحقيق محمد بن عزوز، الطبعة الأولى، 1425هـ / 2005م، دار ابن حزم، بيروت ـ لبنان/ مركز التراث الثقافي المغربي ـ الدار البيضاء.

ü العقل والنقل في الفكر الإصلاحي المغربي للحجوي الطبعة الاولى 2003م مركز التراث الثقافي المغربي ـ الدار البيضاء.

ü الفكر الإصلاحي في المغرب المعاصر «محمد بن الحسن الحجوي»، لسعيد بنسعيد العلوي، 2007.

ü الفكر الإصلاحي في عهد الحماية ( محمد بن الحسن الحجوي نموذجًا) لآسية بنعدادة، 2003م.

ü الفكر السامي للحجوي، الطبعة الأولى، 1416هـ/ 1995م، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد