ليالي الحلمية مسلسل يعتبر من كلاسيكيات الدراما التلفزيونية المصرية ظهر في عام 1987 وقدم في خمسة أجزاء، مسلسل صور تاريخ مصر المملكة والجمهورية، وقد صور المبدع الراحل أسامة أنور عكاشة من خلاله مصر القديمة بأناسها وأهلها، وأخلاق المصريين الذين عاشوا وماتوا وهم يدافعون عن فكرة ومبدأ، هذا إن لم نقل أنه استطاع تصوير أحوال الناس في العالم العربي بأسره في فترة زمنية جميلة.

واستطاع الرائع أسامة أنور عكاشة برفقة العبقري إسماعيل عبد الحافظ أن ينقل الجانب المشرق لمصر من خلال مشاهد الحب والإخلاص، والجانب المظلم من خلال مشاهد الخيانة والفساد الذي كاد أن يستبد بالبلد آنذاك.

شخصيًّا وبعد أن قررت أخيرًا خوض تجربة متابعة المسلسلات المصرية القديمة، بعد أن كنت مدمنة أفلام فقط، أرى أن المسلسل الذي شارك في صنعه ونجاحه أكثر من 300 ممثل وممثلة، قد أضاف لي الكثير من المعرفة التاريخية، إذ إنه وثق الأحداث السياسية بكل تفاصيلها الصغيرة والدقيقة، بدءًا بالملك فاروق وفترة حكمه، مرورًا بفترة الحرب والهزيمة والانتصار بقيادة الرئيس السادات، وصولًا إلى بداية التسعينات وبداية فترة حكم حسني مبارك، كل ذلك اختزل في 155 حلقة متفرقة بين خمسة أجزاء، ومشاركة أكثر من 300 ممثل وأعمدة التمثيل يحيى الفخراني وصلاح السعدني والراحل الفنان ممدوح عبد العليم.

وثق المسلسل تاريخ مصر من زاوية واحدة أو مكان واحد وهو «شارع الحلمية» الذي كان يقطنه «الباشاوات» و«البهوات» والطبقة الأرستقراطية، قبل أن يتحول إلى حي شعبي، وكانت «قهوة السماحي» مركزًا يجتمع فيه العامة من الناس ليستمعوا إلى خطابات الرئيس أو لسهرات أم كلثوم أو عبد الحليم. «الحلمية» و«قهوة السماحي» كانا نموذجًا مصغرًا لمصر وما تعيشه من أحداث وتحولات على المستوى السياسي والاقتصادي والإنساني، كانا ملجأ الحالمين، كما كانا ملجأ للعاطلين عن الحلم، عانقت كراسي قهوة السماحي وحي الحلمية وبيوتها حكايات كثيرة للثوار والشهداء والمعتقلين والمدافعين عن الوطن والحب والفضيلة، عانقت انكسارات الوطن وهزيمته قبل انتصاراته، كما عانقت أحلام الشباب العملية والعاطفية. الحلمية التي تحولت في لحظة ما من حي أرستقراطي إلى حي البسطاء والعوالم وتجار العملة والمواقف والمبادئ، لم ترضخ لأي ظرف سياسي بل ظلت محافظة على طابعها الشعبي.

مشاهد كثيرة تلك التي كانت تدعو للبكاء، عندما كان يموت الشهداء ويموت الشرفاء أمثال «زينهم السماحي» الذي جسد دوره سيد عبد الكريم، واستشهاد ابن أخيه البطل «ناجي السماحي» الذي جسد دوره شريف منير.

المسلسل لم يخل من مشاهد طريفة أيضًا جمعت بين الباشا سليم البدري «يحيى الفخراني» والعمدة سليمان غانم «صلاح السعدني» لما كان يجمعهما من مشاعر حقد وغيرة وروح تنافسية.

إلا أن دور ممدوح العليم أو شخصية «علي البدري» هي أكثر ما شد وأثار إعجابي من خلال مشاهد الحب التي جمعته بزهرة «آثار الحكيم وإلهام شاهين»، ولا شك أن جمهور أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات قد تأثروا بهذه العلاقة التي كانت تربط بعضهما ببعض، بغض النظر عن بعض الإخفاقات، خاصةً في الجزء الأخير، أي الجزء الخامس، إذ باتت العلاقة بينهما تؤول إلى الانهيار بسبب مشاكل ربما لم تكن محبوكة بطريقة جيدة.

لا يمكن تجاهل شخصية «سماسم العالمة» التي أدتها الفنانة سهير المرشدي، ولا «نزاكة» أو «نازك السلحدار» التي أدتها صفية العمري.

يعتبر هذا العمل من أهم وأجمل الإنتاجات الدرامية إلى جانب غيره من الأعمال، مثل المال والبنون ولن أعيش في جلباب أبي، فكلها أعمال فنية قيمة ومتكاملة، تجعلك تعيش زمنًا آخر، وتجعلك تتساءل عن السبب الذي جعل الدراما المصرية تصل إلى ما آلت إليه من ركاكة وإسفاف، فكيف يمكن لفنان شارك في عمل ضخم وقيم أن نراه اليوم إما ضيف شرف على مسلسل يقوم ببطولته من لا يفقهون في الفن شيئًا، أو يقومون بالموافقة على أدوار تحط من قيمتهم الفنية.

أكتب هذه السطور بعد أن أخذني الفضول إلى متابعة الجزء السادس من المسلسل، ثم بعد ثلاث حلقات متتالية أصبت بالتقزز وأدركتُ أن زمن الفن الجميل قد ولى بالفعل، وأن أجدادنا أو كل من عايش تلك الفترة يملكون كل الحق في أن يقولوا عن جيلنا إنه جيل «ممسوخ»؛ فالجزء السادس هو جريمة مكتملة الأركان، وإن كان دافع أيمن بهجت قمر وعمرو محمد ياسين اللذين ألفا الجزء السادس إعادة إحياء ليالي الحلمية، فإنهم من خلال عملهم هذا يكونون قد شاركوا برفقة باقي الفنانين في تشويه مسلسل ترك أثرًا كبيرًا في ذاكرة المشاهدين، وكان صلاح السعدني صادقًا عندما قال في حوار له إن مسلسل ليالي الحلمية انتهى ولن يعود، حتى وإن حاول صانعو هذه الجريمة تبرير فشلهم بغياب صلاح السعدني ويحيى الفخراني ورحيل ممدوح عبد العليم؛ فهذا لا يعطيهم الحق في إفساد ذكريات جيل كامل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد