قد يتساءل القارئ أو السامع بمجرد تلقيه هذا المصطلح، فيسارع عقله مباشرة لفهم معاني كثيرة، وكل ماله علاقة بمصطلح الفرنسي كارت، والمقصود به الورقة، بينما هذه الثقافة هي وليدة الحياة المعيشة في الجزائر، وقد تبلورت وتطورت من مفهوم ومصطلح سياسي واقتصادي لتصبح مؤشرًا لمفهوم خطير ظهر في المجتمع، وهو على قدر أوراقك تعيش، أو بالأحرى ما لديك من كارتات هي بمثابة أنفاس لك في تحركاتك، وعلاقاتك، وارتباطاتك، أما في خلواتك وصلواتك وجلواتك فهذه كارتات تصاحبك لأخذ أنفاس روحية، والرابط بين هذا وذاك هو دائمًا أنت؛ أي كلما اعتمد الإنسان على ثقافة توظيف الأوراق كلما يسرت له أموره وفتحت له أبوابًا وآفاقًا كبرى، فيكون خطابه يحمل صبغة دينية أولًا بتكرار الحمد والشكر لله، ثم ذكر أي ورقة لعبها في المقابل إذا عجز الثاني عن قطف ثمار ما يريد كان خطابه كذلك في البداية دينيًّا بتكرار هذا فيه خير، وقد نتحسر على ضياع مصلحة بينما يأتيك الغيب بمفسدة، ثم يتكلم عن الورقة التي لعبها لكن كانت ورقة غير مجدية وفاشلة.

إن المفارقات بين الحالتين تصف لنا ما أردنا إيصاله في هذه المقالة، أي إنك كلما ذهبت صوب الهدف كانت المحصلة في صالحك، بينما توظيف جهود كبيرة في غير محلها تكون قد وضعت نفسك على الهامش، كما عبر أحد الشعراء قائلًا:

ومن يرمي الذباب بمنجنيق يخسر سهمه يوم النضال، أي إننا غالبًا ما نتوجه إلى المكان الخطأ، بينما ندرك ونحن قد تأخرنا كثيرًا أننا كنا نوظف في أوراق ضعيفة وهزيلة النوعية، وكذا فيها نوع من الحسد والغيرة تجاهنا، فكيف ننتظر منها أشياء بالمقابل. ومن مساوئ سوء توظيف ثقافة الورقة الصحيحة هو ما نعانيه اليوم من تداخل فكري وديني للعقول، وقد عبر أحد الأساتذة قائلًا كلمتني طالبة كانت تدرس في صف الشريعة بأنها بدأت تفكر في الإلحاد، بل ذاهبة إليه؛ فقال قمت بتهدئتها ثم فهمت منها أنها لم تجد حلًّا لمشكلاتها الاجتماعية و المالية، وقالت دائمًا أدعو الله لكن لم يتغير حالي، بينما كل من أعرفه على وضوح أمورهم قد زادت أكثر اتضاحًا، وكلما قرروا المضي في أشياء قد تتنافى مع مبادئهم لكن تمشي مع منافعهم، تفتح لهم كل الأبواب، هناك قال الأستاذ أيقنت أن الإلحاد هو مذهب ذوي العاهات كما عبر عنه العقاد؛ أي إنه كلما ضاقت على الإنسان في كل جوانب حياته، صوب عقله للانتقام من أي شيء يربطه بمبادئه، وما يهمنا هنا نحن هو تقدير نفسك وحالك وسط كل الأهوال؛ أي بمن تتشبث ومن قد يكون سببًا في تغيير حياتك، وما الأوراق الحقيقية التي تحتاج إلى توظيفها حقًّا لانتشال نفسك من واقع مرير، هيمن على كل دواليب الحياة، فكلما احتجت لشيء توجب عليك استعمال أحد كارتاتك، وإذا ما كان الأمر عظيمًا فيجب أن تفهم أن ثقافة الكارتات تنقسم لقسمين.
أما القسم الأول فيعرف على أنه صاحب حال مع البارود، قياسًا بما يقوله الصوفية بأنك صاحب حال مع الله، والمقصود هنا أن من يطلق البارود سيطلقه باتجاه السماء، وهو ما يمكن أن نسميه بالبارود الحي، أما القسم الثاني فهو والبارود لا يلتقيان، بينما يمكن له أن يطلق البارود الميت أو المزيف صوب التراب، وشتان بين البارودين.

ولهذا تعد ثقافة لي كارت من مستجدات ما يجب معرفته، من أجل تحديد طول أنفاسك مع أنفاس الآخرين في قضية أنا لدي كارت إذن أنا موجود، بينما التحليق بعيدًا عن واقعك سيجعلك تتوهم أنك ضعيف وسط الأقوياء، وأن الله سيتكفل بحالك، وهذا ينافي الفطرة البشرية والسنن الكونية؛ لذا توجب عليك توطين نفسك وفهم ما يجب تقديمه من أسباب في زمانها ومكانها المناسبين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد