حينما نضع تعريفًا للزعيم، فهو القائد بشخصيته الجديرة بالثقة والقادرة على تجسيد القيم البناءة، وإعلاء الرؤى بعيدًا عن المثالية المفرطة المستحيلة، والأوهام الزائفة، فالزعامة حقيقة ملموسة قوامها القدرة على تحريك الراكد وتقدم الصفوف وإدارة الأزمة وتحمل المخاطر ونتائجها، ولأن الظليل هو النفس والنفس دائمة التقلب والتحول، ونقطة التحول نحو الزعامة حينما يطيع الإنسان ظليله.

وفي لحظات الاتساق مع النفس يكون أخطر قرارات النفس وأجلها حينما تقرر أن تغادر الجسد فداءً وقربانًا أملًا وطمعًا في مستقبل أفضل لأبناء جلدتها.

قرارٌ صعب يشعر معه المرء أن وطنه يستحق هذه التضحية، فلا يبالي ببذل الغالي والرخيص، ولكنه أحيانًا يعز على المرء أن يمثل بجسده مثلما كان الحال مع عبد الله بن الزبير أثناء حصاره على يد الحجاج، حينما شكا لأمه السيدة أسماء بنت أبي بكر خوفه من أن يمثلوا بجسده بعد قتله، فقالت له في درس تربوي رائع: لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها، ولكن ماذا عمّن قدم الزعيم ذاته وجسده فداءً لهم؟!

إن النفس لا تفنى بل تبقى محلقة بجناحيها حزينة على ما حلّ بالجسد، حينما يكون جزاء الوفاء والفداء هو النكران والنسيان.

زعيمنا اليوم وصفه عبد الرحمن الجبرتي صاحب كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار بأنه من سفلة السفلة أهوج أحمق ومتدنس بالخطايا، إنه سليمان محمد أمين الحلبي أحد خريجي الأزهر الشريف وصاحب أول عملية اغتيال في التاريخ المصري الحديث.

ولنبدأ الحكاية من البداية.

كان الجنرال كليبر صاري عسكر الفرنسيين -كما كان يسمي في هذا العصر- خليفة لبونابرت على رأس الحملة الفرنسية المرابطة في مصر، التي بدأت تواجه عواصف شديدة من الإخفاقات على الصعيد العسكري، أبرزها تدمير الأسطول الفرنسي في أبو قير، ولكن أكثر الإخفاقات كانت على الصعيد السياسي وفشل الحملة في استقطاب المصريين إلى مشروعهم الإصلاحي، وتصاعدت مقاومة المشايخ والأهالي ممثلة في ثورة القاهرة الأولى وما أعقبها من اقتحام الفرنسيين بخيولهم للأزهر الشريف، مما استنفر الأحرار من العالم الإسلامي ضد هذا الاعتداء الغاشم على حرمة الجامع والجامعة، ثم حملة اعتقالات طالت المشايخ الذين كانوا يمثلون زمرة الفئة التنورية المثقفة في هذا الزمان.

ومع مغادرة (بونابرت) لفرنسا موقنًا فشل مشروعه الشرق أوسطي، كان للتاريخ موعد مع أحداث فارقة مرت على مصر باعتلاء كليبر سلم القيادة، أولها ما عرف بثورة القاهرة الثانية ولكن كليبر كان معروفًا عنه الشدة والقسوة والحزم في مواجهة هذه الخطوب، فأخمد الثورة بشراسة وضرب وأحرق حي بولاق معقل الثورة بالقنابل، كما أوقع الهزيمة بالعثمانيين الساعين للعودة إلى حكم مصر، وأجبرهم على توقيع معاهدة العريش.

وبعدما استتب الأمر لـكليبر أو هكذا ظن أن الأمور تسير هادئة، فإذ به في رحلة نحو النهاية.. ففي صباح يوم الاغتيال كان كليبر يشاهد عرضًا عسكريًا لكتيبة من الأروام انضمت للجيش الفرنسي مؤخرًا بجزيرة الروضة، ثم عاد بصحبة المهندس المعماري (بروتان) لمتابعة ترميم مقر إقامته في قصر محمد بك الألفي في الأزبكية، الذي اتخذه مقرًا لقيادته وقد أصابه الضرر بشدة خلال ثورة القاهرة الثانية، وبعد تناول الغذاء في دار الجنرال (داماس) رئيس الأركان مع مجموعة من القادة وأعضاء المجمع العلمي عادا أدراجهما مرة أخرى إلى مقر القيادة، وبينما هم يتجولان في الحديقة خرج عليهما شاب اقترب من كليبر مستجديًا إياه، فمد كليبر له يده دون ريبة، ليعاجله الشاب -وهو سليمان الحلبي- بطعنة في قلبه كانت القاضية، حاول (بروتان) الإمساك به فأرداه صريعًا على الأرض بست طعنات، راود الحلبي الخوف من أن يبقى الجنرال على قيد الحياة فعاد إليه مسددًا ثلاث طعنات أخرى للإجهاز الكامل عليه.

وبعد ساعة واحدة من الاغتيال عثر الفرنسيون على سليمان مختبئًا خلف جدار في حديقة مجاورة، وبجواره سلاح الجريمة مدفونًا وعليه آثار الدماء، وبتعرف (بروتان) عليه وكذلك بعض معاوني كليبر ممن أقروا بمشاهدة سليمان عدة مرات محاولًا الاقتراب من كليبر.

تم التحقيق مع سليمان ومع قسوة التعذيب جاء اعترافه الشهير بأن الباعث وراء قتله لـ كليبر هو تحريض ضابط عثماني يُدعى أحمد أغا كان قد التقاه للتوسط لديه في تخفيف الظلم الواقع على والده تاجر السمن وزيت الزيتون من والي حلب ابراهيم باشا فطلب منه قتل كليبر في المقابل! وهي الرواية التي تفتقد منطقية الدافع للجاني فسليمان كان شابًا متعلمًا وقتل كبير الفرنسيين ليس بالأمر السهل، كما أن وقع الحدث ليس بالأمر الذي يمر مرور الكرام من قوة غاشمة كالفرنسيين، وقد يكون الثمن هو حياته وهو المصير المحتوم.. فهل يدفع إنسان متعلم بنفسه من أجل هدف وقتي ساذج مثل تخفيف بعض الضرائب عن والده، خاصة وأن الضامنين هم العثمانيون وما أدراك ما العثمانيون في احترام الكلمة والوعود؟! كما أن سليمان أزهري ومشايخ الأزهر في هذا الوقت لم يكونوا أبدًا من دعاة العودة إلى الحكم العثماني، فهو بمثابة استبدال ظالم بظالم آخر حتى ولو كانت العباءة إسلامية، فالممارسات معروفة والتاريخ أمامهم حافل، لكن وللأسف تبقى رواية الفرنسيين هي الوحيدة، والمحتل بطبيعة الحال ليس من مصلحته أبدًا صناعة الأبطال الذين يبقون في ذاكرة شعوبهم على الدوام، لذا فالمصلحة الفرنسية تقتضي قلب الحقائق وتشويه البطولة وتحويلها إلى إرهاب وطائفية واصطناع للأجندات الخارجية.

كانت تفاصيل المحاكمة تُنشر باللغات العربية والفرنسية والتركية على الرأي العام المصري ولأول مرة في تاريخهم يطّلعوا على محاكمة علنية موثقة تسبق توقيع العقاب، وهو ما عبر عنه عبد الرحمن الجبرتي بانبهار واضح في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ثم عاد وحذفه في كتابه مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس بعد عودة العثمانيين كنوع من التزلف والموالاة للباب العالي والمحتل الجديد وللنفاق تاريخ عريق في مصر!

الغريب هو اكتشاف الجبرتي وغيره من الطبقة المتعلمة لأسلوب المحاكمات العصرية من عدم التعجيل بقتل المتهم وسؤاله إذا كان مذنبًا أم لا؛ بل والانتصار لحق المتهم في تقديم دفاعه وترتيب من يدافع عنه، مع أن الرسالة الإسلامية عبرت بوضوح عن حق المتهم في الدفاع عن نفسه، إذ حمل القرآن الكريم أول محاكمة في تاريخ الكون وهي محاكمة الله عز وجل لإبليس حينما رفض الانصياع لأوامر ربه.

قال تعالي: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83))

فشاء الله ألا يوقع عقوبته بأحد من خلقه قبل أن يتيح له الفرصة للدفاع وتقديم حجته، وعلى هذا المنوال كانت مشيئة الله في إعلاء قيمة خلقه في الأرض والحض على العدل والقسطاس المستقيم، وفي يوم القيامة مشاهد عدة من المحاكمات ومساءلة الإنسان وحقه في الرد وفي طلب الشفاعة، ولكن إرادة الاستبداد الذي ساد الحكم المملوكي والعثماني أقصت هذه المنحة الربانية فكانت المحاكمات عبارة عن ضرب للرقاب والإجهاز على الناس دون استماع لملابسات جرائمهم أو حتى التحري إن كانوا مذنبين من الأساس خشية معاقبة مظلومًا، وأصبح الناس على قدم وساق في المساواة في الظلم، وهذا كان قمة العدل في هذه العصور المظلمة!

وعلى الرغم من حضارية الإطار الشكلي للمحاكمة إلا أن ما أسفرت عنه المحاكمة من عقاب كان بربريًا، إذ حكم على سليمان بوضعه من شرجه على خازوق حتى الموت وحرق يده اليمني وترك جثته لتنهشها الطيور، وضرب أعناق ثلاثة ممن علموا بتدبيره ووضع رؤوسهم على نبابيت، على أن يكون ضرب أعناق الثلاثة أمام سليمان إمعانًا في تدميره نفسيًا قبل تعذيبه الجسدي بشكل شنيع على الخازوق لمدة أربع ساعات مرددًا الشهادتين، وتولى تنفيذ الحكم (بارتليمي) محافظ القاهرة اليوناني، وبعدها أعطاه أحد الجنود الفرنسيين شربة ماء وضعت نهاية لعذابه بموت رحيم على يد محتل آثم نحتفل بذكراه وبما أرساه من حضارة!

لكن ما يسترعي الانتباه هو ما كتبه المؤرخون المستشرقون عن بسالة وشجاعة سليمان الحلبي في مواجهة الموت فيقول (لوتسكي):

“وقد قابل سليمان الموت ببسالة، إذ وضع يده بجرأة في النار الملتهبة، ولم ينبس ببنت شفة حينما كانت تحترق، كما كان باسلاً طيلة الساعات الأربع والنصف الذي قضى من بعدها نحبه وهو مخوزق”.

نجح الطبيب الفرنسي (لاريه) وهو أحد أعضاء المجمع العلمي في الحصول على جمجمة سليمان الحلبي وباقي جثمانه لينتهي بها المطاف في متحف الإنسان بقصر شايو في باريس مذيّلًا بلقب المجرم وبجواره جمجمة (ديكارت) مذيّلة بالعبقري!

السؤال الفارق ماذا فعلنا لبطلنا؟! وماذا فعل الفرنسيون لبطلهم؟!

إلى اليوم تنطلق من سوريا منشأ سليمان دعوات باستعادة جمجمته ورفاته ليدفن في مسقط رأسه بحلب في جنازة تليق بقدره وبما قدمه لأمته وبشكل يحفظ لجسده كرامته وقداسته، جميع هذه الدعوات من المثقفين السوريين لم تجد ظهيرًا مصريًا، إذ التزمت مصر الصمت مع احتفالات صاخبة للمثقفين المصريين بالموروث الفكري والثقافي للاحتلال الفرنسي لها !.ومع ثورة 25 يناير المجيدة تعالت الأصوات من قلب التحرير بعودة جمجمة ورفات سليمان، فالرجل الذي خلّص مصر من مجرم حرب هو كليبر يستحق تكريمًا أكثر من مجرد إطلاق اسمه على أحد الشوارع بمصر.

كما لم يهتم الباب العالي الرمز الإسلامي للوحدة وحامي الحمى في العصور الغابرة-وقد دخل مصر بصحبة الإنجليز عام ١٨٠١- بمصير جثمان سليمان الحلبي، وهو رجل وإن لم يكن قد قتل كليبر بإرادة عثمانية مباشرة فعلى الأقل هو رمز يستحق الإشادة!

بينما اهتم الفرنسيون ببطلهم المغدور به كليبر إذ حملوا رفاته من مصر أثناء جلائهم عنها، وفي عهد لويس الثامن عشر تم دفنه وسط مراسم مهيبة بمسقط رأسه بستراسبورج، وأقيم له تمثال من البرونز إحياءً لذكراه كما نقش اسمه على قوس النصر وسط القادة التاريخيين.

حقًا شتان ما بين قيمة التضحية على الوجهتين، فالأولى تجاهل ونسيان ونكران، والثانية تظليل وفخر وإجلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد