حينما نتحدث عن الزعيم في اصطلاحنا العربي، فضع تحته كل ما هو منزه، وكل ما هو فريد من الصفات والخلال، والتي ترفع صاحبها إلى مصاف الآلهة أحيانًا.

أما ظليل الزعيم فهي المساحة النفسية المقابلة للتنزيه والتي تعبر عن الشخصية الحقيقية، بما تحمله من جوانب إنسانية طبيعية ومتنوعة، إنها المساحة التي نلتقطها من مذكرات الزعيم أو من لحظات صدق أفضى بها إلى مقربيه، أو من هفوات الزعيم التي تكشف عن مكنون نفسه دون إرادة منه، ظليل الزعيم هو الزعيم كما يرى نفسه، وبوجهه الإنساني الخفي بضعفه، وقوته، وشجونه، وأفراحه، وسقطاته، وإنجازاته الحقيقية بعيدًا عن التزيين والتكلف.

كلما قطعنا شوطًا بعيدًا في التاريخ، وخاصة لو وصلنا به إلى العصور الوسطى أصبحت مسألة التماس القرب من ظليل الزعيم لا ملجأ لها إلا من خلال كتابات المقربين، والذين قد لا يكونوا محايدين في أحيان كثيرة، إننا لا نعني أبدًا بعدم حيادهم كونهم غير صادقين بل بالعكس، قد يكونوا صادقين تمامًا، ولكن الإشكالية لدينا أننا لم نقرأهم بلغة أزمنتهم!

من الحكام الذين ظلمهم التاريخ المعاصر كان صلاح الدين الأيوبي، والذي اجتزئ من سياق عصره، وحمل زعامة تتناقض أفعاله في أحيان كثيرة مع الصفات القدسية التي افترضتها واحتضنتها هذه الزعامة في نظر أيديولوجيات معاصرة شتى، فهو عند الاشتراكيين عنوان للوحدة والتآخي والتعايش السلمي، وعند الإسلاميين فارس وموحد للأمة على قلب واحد ومحرر للقدس.

ولنبدأ قصة صلاح الدين، أو يوسف بن أيوب من البداية، يختلف المؤرخون حول نشأة يوسف بن أيوب أو كما اشتهر في التاريخ بصلاح الدين، وهو الاسم الذي اختاره لنفسه فمنهم من يزعم انتماءه إلى الأكراد، وتحديدًا إلى أسرة كردية نزحت من أذربيجان واستعربت بالعراق، ويرى آخرون أن جذوره عربية، وتحديدًا إلى مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، وأن أباه كان حاكمًا لقلعة تكريت ثم بعلبك.

كان سطوع نجم صلاح الدين مع تحولات سياسية خطيرة في مصر، استدعت تدخل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي سلطان الشام لنجدة الفاطميين في مصر.

كان الحكم في مصر في نهاية عصر الفاطميين بيد الوزراء، وفي عهد الخليفة العاضد لدين الله، آخر خلفائهم شب الخلاف بين وزيري الخليفة ضرغام، والذي استعان بالصليبين، وشاور، اللذين استعانا بقوات نور الدين محمود، والذي أرسل حملة لمصر بقيادة أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين، فتغلب على ضرغام، واستتب الأمر لشاور، والذي سرعان ما تنكر لحليفه نور الدين محمود، واستعان بملك بيت المقدس عموري الأول، والذي استطاع إجلاء قوات شيركوه عن مصر، فأنفذ نور الدين حملة جديدة علي مصر بقيادة أسد الدين شيركوه، ويعاونه ابن أخيه صلاح الدين، استطاعت في النهاية السيطرة على مصر.

عين العاضد أسد الدين شيركوه وكلمة شيركوه «كلمة كردية تعني أسد الجبل» وزيرًا، ولكنه مات من التخمة الشديدة، إذ كان كثير الأكل بحسب معاصريه! وذلك بعد شهرين من توليه الوزارة تاركًا خلفه مالًا كثيرًا و500 مملوك، شكلوا ما عرف بالمماليك الأسدية، وهو ما يمكن عده من البدايات لفكرة المماليك، أو الجنود المرتزقة المجلوبين من كل حدب وصوب؛ ليكونوا بديلًا عن الشعب المصري الذي كان من المفترض أن يكون نواة الجيش المنوط به الدفاع عن مصر، وهو ما انتهجه الأيوبيون طوال دولتهم. فعين العاضد صلاح الدين والذي كان الساعد الأيمن لعمه أسد الدين شيركوه، وخلع عليه لقبه الذي نعرفه به الآن الناصر: ناصر أمير المؤمنين العاضد بالله الفاطمي، وهنا يظهر صلاح الدين بشخصيته السياسية، لقد عاش البطل السني عند الملايين من علماء السنة في كنف الدولة الفاطمية الشيعية، لم يفكر يومًا في تغيير نظام الحكم بها بشكل مباشر، على الرغم من ضعف الخليفة الواضح وتمكن صلاح الدين من السيطرة الكاملة على زمام الأمور.

الحقيقة التي يبتعد عنها السلفيون المعاصرون، والمتدينون الحالمون، بعودة صلاح الدين، أن الخط الديني لم يكن أبدًا المحرك لصلاح الدين أو السابقين عليه، والذين تأثر بهم، ولنستدل بشخصية عماد الدين زنكي الزعامة الإسلامية الأخرى لدى الإسلاميين، فحينما استولى على حلب، أظهر تسامحًا كبيرًا مع الشيعة، وأقرهم على آذانهم «حي على خير العمل» طوال حياته، وهذا ليس مستغربًا؛ فهو جزء من لعبة السياسة والحكم والمكيافيلية القديمة، التي سادت هذه العصور وهي بعيدة تمامًا عن المثاليات التي نفترضها.

كان تعيين صلاح الدين لمنصب الوزارة موغرًا لصدور كثير من القادة والسياسيين في البلاط الفاطمي، مما ولد معارضة شديدة ضده، وهو الهابط عليهم من بيئة مختلفة، ولديه طموحات مقلقة لهم وكان لصلاح الدين ضيق واضح بالمعارضة، ولا يتعامل معها إلا بالقتل؛ فدبر لقتل كبير الطواشيه بقصر العاضد «وهو منصب رفيع أشبه بقائد الحرس الملكي بلغتنا المعاصرة» أو «مؤتمن الخلافة»، جوهر السودانى غيلة مبررًا ذلك بعلاقته مع الصليبين، وأنه اكتشف رسالة من مؤتمن الخلافة مرسلة إلى الصليبين ومخبأة في نعلين! مع أنه لو كان هذا الزعم حقيقيًّا، فلمَ لم يحاكمه علنًا وقد قبض على رسوله؟! وأظهر حقيقته أمام أعوانه، وبالتالي جنب الدولة مغبة مواجهة مسلحة مع عشيرته، إذ أثارت هذه الخطوة بالطبع ثورة السودانيين والنوبيين؛ فشكلوا جيشًا ضخمًا للثأر لمؤتمن الخلافة، اشتبك معهم صلاح الدين بقواته، كما أرسل قواته لحرق مركزهم بالمنصورة، وأعمل فيهم السيف حتى أبادهم وأحرق أسرهم دون هوادة، فهل هذه كياسة من قائد تصلح سيرته لكل زمان! أم أنه قائد في عصره، وفي حيز مفاهيم العصور الوسطى في التعامل مع المعارضة؟!

وبمقتل جوهر أصبح الطريق ممهدًا أمام صلاح الدين لأحكام قبضته على قصر العاضد؛ فاستعان بأحد أعوانه في إدارة شئون القصر الفاطمي، وهو خادم خصي يدعى بهاء الدين قراقوش أحد أكبر أعوان الجور والاستبداد وأكثرهم كراهية لأي بؤر معارضة، ويعد كتاب الفاشوش في حكم قراقوش للأسعد بن مماتي من الكتب المهمة في تصوير طريقة حكم قراقوش، والحقيقة أننا نختلف عن الكثيرين ممن يقللون من قيمة الكتاب ويضعونه في مصاف الكتب الهزلية؛ ذلك أن ابن مماتي بالإضافة إلى كونه حاذقًا باللغة وآدابها، كان مسؤولًا عن ديوان الجيش والمال، وهي مسؤوليات كبيرة في عهد صلاح الدين، وبالطبع كان قريبًا من قراقوش بحكم مهامه، مما يجعل كتابه شهادة على العصر، وليست من قبيل الهزل.

بوفاة العاضد المبكرة تتجلى لنا صورة صلاح الدين الإنسان الذي لم ينس عشرة العاضد؛ فبكى لوفاته بشدة، وأجل إعلان انتهاء دولته، لكن أعتقد أن استعجال نور الدين لهذه الخطوة هو الباعث لحركات صلاح الدين المتسارعة بإعلان الكثير من الإجراءات التي كان من الممكن أن تسير بشكل هادئ، لو تحلى صلاح الدين ومن فوقه نور الدين بقدر من الكياسة والدعة، فلا يمكن إنهاء معالم دولة استمرت لأكثر من مائتي عام بين عشية وضحاها! ومن هذه الإجراءات: إعلان انتهاء الدولة الفاطمية، وقطع الدعاء للخليفة الفاطمي وإغلاق الأزهر، وحركة الاعتقالات الواسعة التي طالت أمراء البيت الفاطمي وترك نسائهم مستباحة للعوام، وبيع كتب الفاطميين بمكتبة دار الحكمة بالبخس، وفي بعض الروايات حرقها، خاصة أن هذا السيناريو مشابهة لما فعله نور الدين مع شيعة حلب بعد وفاة أبيه عماد الدين زنكي، وإن لم يكن بالضراوة والشراسة نفسها، ولعل أكثر خطوات صلاح الدين تكتيكًا هي تسريح الجيش الفاطمي بمصر، والذي كان يضم أمراء مصريين وخليطًا من السودانيين والأرمن واستبداله بجيش جديد من المماليك الأتراك والأكراد، وعلى رأسهم مماليك عمه الأسديين، الذين أغدق عليهم الإقطاعات، ليكون ولاؤهم لصلاح الدين ومن وقتها أصبح استبعاد المصريين عن الجندية بشكل جذري، تقليدًا لقرون طويلة حتى مجيء محمد علي باشا!

كان أسلوب صلاح الدين المروع في اجتثاث بقايا حكم الفاطميين سببًا مباشرًا في انطلاق الثورة عليه من الصعيد في مدينة قفط تحديدًا، وعلى غرار طريقة الحكام العرب في التعامل مع المعارضة كان السيف مقدمًا على أي تفاهمات، فقتل خلقًا كثيرًا في الثورات ضد حكمه.

لم يكن الوازع الطائفي أبدًا محركًا لصلاح الدين في تقرير أعدائه، فكما أوقع بالفاطميين، فقد قتل الأديب والمحدث والفقيه السني عمارة اليمني، وهو سني شافعي متشدد، وصلبه على باب بيته، وذلك علي خلفية اتهامه هو وعبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة وآخرين بالعمل على عودة الفاطميين بمعاونة الصليبين، أثناء غياب صلاح الدين بالكرك، صحيح أن عمارة كتب أشعارًا في الحنين إلى أيام الفاطميين، إلا أن هذا لا يمنع حقيقة أنه قاوم كل محاولات الفاطميين لتشييعه وترك مذهبه السني، وهو ما أكد عليه في كتابه النكت العصرية.

كانت دولة صلاح الدين دولة عصرية مدنية، وليست دينية أبدًا؛ فالقائم على بيت المال كان الأسعد بن مماتي، وهو من أسرة قبطية وحديث العهد بالإسلام، كما كان طبيب قصره رئيس الطائفة اليهودية موسى بن ميمون، وهو من أهم اللاهوتيين اليهود في العصور الوسطى، وهو الذي تظاهر بالإسلام هروبًا من الموحدين في المغرب، وحينما أتى إلى مصر ارتد صراحة وعيانًا بيانًا عن الإسلام! فما الذي دفع السلطان الذي استل سيفه على معارضيه ببينة وبغير بينة، إلى غض الطرف وإسقاط حد الردة بحق طبيبه، أم أن الأمر لم يكن يعنيه لأنه قائد سياسي برجماتي في الأساس؟ المدهش أن صلاح الدين نفسه أمر بقتل أبي الفتوح يحيى بن حبش السهروردي، وهو من المتصوفة بشبهة الإلحاد، ولم يكلف خاطره بمحاكمته والاستماع إليه خشية ظلم بريء!

اللافت هو منح صلاح الدين اليهود بإيعاز من طبيبه اليهودي حق التملك، والذي كان مسلوبًا منهم بحكم العهدة العمرية، وحق الإقامة ببيت المقدس، وبناء مدارس وكنس لهم! سابقًا بذلك بلفور صاحب الوعد الشهير في التاريخ العربي الإسرائيلي! كما أن عقيدة صلاح الدين لم تكن محل اتفاق بين معاصريه؛ فمنهم من هو قائل إنه كان على الطريقة القادرية؛ أي إنه سني متصوف، ومنهم من هو قائل إنه كان أشعريًا أي سنيًّا سلفيًّا! وشتان بين الطريقين!

ومن صلاح الدين السياسي والحاكم إلى شخصية صلاح الدين القائد والفارس، والذي استطاع إنزال هزيمة كبيرة بالجيوش الصليبية في حطين؛ حيث نجح في تعطيشهم وشطر جيوشهم إلى قسمين، إلا أن صلاح الدين مني بهزيمة كبيره من ريتشارد قلب الأسد في أرسوف، إلا إن انقلابًا على ريتشارد من أخيه جون بإنجلترا، وتهديدًا لاح في الأفق في الوقت ذاته من نور الدين محمود، والذي يزعم بعض المؤرخين أنه خشي من استقلال صلاح الدين بمصر؛ فقرر غزوها، مما جعل من مسألة التفاوض والصلح أمرًا لا مفر منه لكلا الطرفين، ريتشارد وصلاح الدين، ووقع الطرفين صلح الرملة.

ومن هذا الصلح نكشف عن وجه أخر لصلاح الدين، وهو صلاح الدين المسالم؛ فالحاكم الذي طارد الشيعة في كل مكان، ولم يرض بغير قتلهم، كما قتل معارضيه بحجة الاتصال بالصليبين، هو نفسه الذي سالم الصليبين، وهو ذاته الذي دخل في علاقات ودية مع طائفة الحشاشين الباطنية وزعيمهم رشيد الدين سنان، وهي طائفة من القتلة وقطاع الطرق والمجرمين، ولهم علاقات وطيدة مع الصليبين، والذين حاولوا اغتياله بينما كان يحاصر قلعة حلب وفشلوا، كما استطاعوا التسلل إلى معسكره اثناء حصار قلعة عزاز، واستطاعوا إصابته لولا الخوذة الحديدية والدروع التي كان يرتديها صلاح الدين حالت دون إصابته بإصابات بالغة؛ فحاول صلاح الدين الرد بحصارهم في قلعة مصياف دون جدوى؛ لاستئصال شوكتهم، فلجأ إلى اتخاذ احتياطات أمنية صارمة للحفاظ على حياته منتهيًا بمسالمتهم، وفي مكيافيلية رائعة تضاف إلى صلاح الدين رجل الدولة وتتناقض مع أخلاقيات الفارس المثالية، استطاع استخدام الحشاشين في اغتيال كونراد مونفيرا ملك بيت المقدس؛ حيث تخفوا في زي رهبان مسيحين وقتلوه!

نأتي إلى مسألة أخيرة ألا وهي فكرة الوحدة التي ما إن يأتي ذكرها إلا وجاءت مقترنة بصلاح الدين، والحقيقة أنني بحثت في تاريخه عما يدعم هذه الفكرة دون أن أقف على أثر لها؛ فبوفاة نور الدين محمود تولى صلاح الدين الوصاية على ابنه الصالح إسماعيل، وأوجد لذلك مسوغًا شرعيًّا بزواجه من عصمة الدين خاتون امرأة سيده السابق نور الدين، وأم خليفته، ولم يكن للصالح إسماعيل أي صلاحيات أو سلطات في ظل الوجود الطاغي لصلاح الدين؛ فأقام بحلب حتى توفي في ريعان شبابه، رافضًا أن يتناول الخمر علاجًا وصفه له أطباؤه، وبوفاته أحكم صلاح الدين قبضته على الشام بشكل كامل ومطلق، مشهد لن تخطئه في مئات القصص التي يحفل بها التاريخ الإسلامي، فهل هذا هو تعريف الوحدة؟!

وحتى نبرهن أنه لم يكن صلاح الدين يعرف فعلًا معنى الوحدة بالمعنى الذي ينشده المعاصرون الآن من محبيه؛ فقد قسم مملكته وكأنه تركة بين أبنائه وأشقائه قبل وفاته بشكل مستقل، على نحو ينذر بوقوع الشقاق والشرر بينهم، وهو ما حدث بالفعل فيما بعد، إننا لا نريد أن نحاكم أو نقلل من صلاح الدين كشخصية تاريخية لعبت دورًا مهمًا ومؤثرًا في التاريخ الإسلامي، ولكنها لعبت هذا الدور بمفاهيم عصرها ومعطيات هذه الحقب القديمة. ما نريده أن نتخلص من ربقة إسقاط الملامح الوهمية لهذه الشخصية وغيرها على عصرنا الحديث وتمني ظهوره يومًا وكأنه المستقبل المشرق الذي ينتظرنا، إننا الأمة الوحيدة في هذا العالم التي تلتمس الخلاص من أوزارها بتمني ظهور رجال من تاريخها الماضي، وهذا أصل الداء؛ فلو عاد صلاح الدين، فهذا هو صلاح الدين كما شاهده معاصروه، فهل سنطالبه باحترام حقوق الإنسان، والاعتراف بالآخر وحقه في أن يكون له رأي مغاير، وأن يكون منتصرًا لفكرة تداول السلطة، ونستعين بتجربته في بناء وحدة إسلامية؟ بالطبع لا؛ فهو ابن عصره وزمنه، وزماننا مختلف لا يصنعه شخص من عصور غابرة انقضى وانقضت ملابسات عصره، اختلفنا أو اتفقنا حولها، إن ما يصنع واقعنا ومستقبلنا أن ننقلب على فكرة الزعامة الواحدة، والعقل الواحد، والشخصية الواحدة المثالية التي لا يشوبها شائبة، وأن نبني واقعنا ومستقبلنا على فكرة البناء الجماعي، والفكر المشترك دون إقصاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد