سياسات معمر القذافي مع الفلسطينين

سَاهمت الأنظمة الفاسدة بسياساتها المتناقضة وإعلامها في تضليل الشعوب العربية، وأضحلت فيهم الشعور بالإنسانية والمسؤولية تجاه قضايا أمتنا، فحولت النضال إلى شعارات جوفاء دون مضمون لإلهائهم، وعطلت الحريات، واستبدت بالرأي، وأنفقت الأموال في تثبيت كراسيها، وشغلت شعوبها بقضايا الحياة اليومية، فغابت عنَّا القضايا المصيرية، وحلت القضايا الضيقة التي لا تعدوا لقمة عيش وراحة ذلّ.

وعندما عجزتْ أنظمة هؤلاء الطُغاة عن توحيد الشُّعوب تحت مسمى العروبة والقومية والوحدة العربية للوقوف ضد العدوان الصهيوني لجأ بعضهم إلى التحالف مع المعسكرات الشيوعية ضد الإمبريالية الغربية الصهيونية، وقد تأثر بعض القادة العرب بالمذهب الشيوعي ورموزه فنقلوا لنا كثيرًا من أفكارهم لبلداننا العربية الإسلامية ومزجوها بالعرف العربي، ولما وجدوا معارضة الإسلام في كثير من أفكارهم التي تعارض الأحكام الشرعية توجهوا لمحاربة الدين والتدين في بلدانهم وسعوا للتفريق بين النضال والتحرر، ومفهوم الجهاد لدفع مغتصبي الأراضي الفلسطينية، ليخرجوا لنا مسخ أفكارهم المعادية للإسلام. ولعلي أوجز بنموذج للعقيد معمر القذافي ليظهر لنا مدى المأساة التي ألهى بها الطغاة شعوبنا عن قضايانا المصيرية في أمة العربية الإسلامية كقضية فلسطين.

فكما نعلم أن فلسطين هي القضية المركزية للعرب، والتي لطالما حمل وزر ضياعها الطغاة بحجة دعمها، فالقذافي منذ البداية كانت فلسطين عدوة له ولتوجهاته المتناقضة، رغم إدعاءه نصرتها، معلنا من طرفه كلمة السّر يوم انقلابه القدس، وأن مفتاح الشيفرة للضباط الأحرار كانت فلسطين لنا، وسأطرحُ عليكم بعض سياسته المتقلبة تجاه القضية التي خفيت على كثيرين بطبيعة تلكَ الأُّنظمة الاستبدادية وبراعتها في إخفاء الحقائق وتزويرها.

القذافي والفلسطينيون

لقد تعامل القذافي بمزاجيه عالية مع القضية الفلسطينية، فمع اللحظات الأولى من انقلابه وسيطرته على الحكم في ليبيا ألغى كل الامتيازات التي يتمتع بها الفلسطينيون إبانَ عهد الملك الراحل إدريس السنوسي رحمهُ الله.

وقامت لجانه الثورية بإعدام وسجن وترحيل فلسطينيين في عدة فترات أثناء حكمه، ففي عام 1983 أعدم مجموعة فلسطينيين من بينهم قاسم القدسي الذي كان يعمل مدرسًا واستشهد تحت التعذيب في أوائل أبريل (نيسان) من العام المذكور، وآخرون أعدموا شنقا في ساحة مدرسة الفاتح الثانوية أمام طلابهم، منهم: بديع حسن بدر، وناصر محمد سريس، ونمر خميس، وعلي أحمد عوض الله، وفي ذات العام اتهمت السلطات الليبية طلبة فلسطينيين منهم شوقي أبو شعيرة، وخالد الخطيب بمحاولة اغتيال القذافي وعلى إثرها تعالت الدعوات بطرد الطلبة الفلسطينيين من الجامعات والمدارس الليبية.. كما وسجن بعضهم في سجن بوسليم المعروف بصيته السيئ.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1995 اغتيل في مالطة فتحي الشقاقي الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي لفلسطين حين كان عائدًا إلى وطنه من ليبيا برحلة إلى مالطة، ثم دمشق تحت شبهات تسريب معلومات من السلطات الليبية للموساد الإسرائيلي عن مواعيد وصوله بجواز سفر ليبي يحمل اسم إبراهيم شاويش.

وفي سنة 1996 بدأ القذافي حملته المسعورة ضد الفلسطينيين لطردهم من ليبيا ليتقلصوا بأعداد هائلة، ومن بقي يعيش دون إقامات حتى يومنا.

ويبدو أن القذافي كان يريد الفصل بين القضية الفلسطينية وبين الشعب الفلسطيني، ليقدم حلوله المجردة في تحرير الأرض بعيدًا عن الشعب الفلسطيني الذي وصفه بالعاجز وغير المبالي والمتاجر بالقضية، ليتصدر وكأنه القائد الأممي لها!

وفي تحول آخر طرح القذافي كتابه الأبيض عام 2000 صدر عن دار نشر ليبية حكومية مترجماً إلى 15 لغة منها العبرية يقولُ فيه: إنّ المساحة بين النهر والبحر ليست كافية لإقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية والحل يمكن في التعايش داخل دولة واحدة أسماها إسراطين مشيرًا إلى أنها مجسدة بالفعل بوجود المستوطنات الإسرائيلية إلى جانب المدن الفلسطينية في الضفة وغزة.

وكثيرة هي الأفكار المغلوطة المدونة في كتبه التي يُظهر نفسه فيها كقائد أممي مبشر لعصر الجماهير ومخلص للشعوب، وقام بفرضها على الشعب الليبي في مقررات المناهج الدراسية تحت مسمي الوعي السياسي أو الفكر الجماهيري، وكانت كلماته في كل خطاب ومحفل توجيهات توضع لها التفسيرات وآليات التطبيق، وبذلك كانت جنايته على البنية التعليمية والثقافية بحجم ضرره الجسيم على الحياة السياسية والاجتماعية، بابتداعه لنظريات ثورية يعيد من خلالها تشكيل الأفكار في علوم السياسة والاجتماع، ومثالًا على ذلك أطروحته في كتابه الأبيض التي ذكرتها أنفة.. ونظرياته في كتابه الأخضر الذي صار كتاب العقيدة وأساس المعرفة السياسية والاجتماعية وجوهر العلم.

ولم يقف على ذلك، بل رسم صورة في المخيال الليبي يزعم بها تخلي الفلسطينيين عن أرضهم، ومتاجرة قادة المقاومة والفصائل بالقضية، فيصفهم تارة في خطاباته بالأغبياء، وتارة بغير المبالين كما حدث في الجامعة العربية مرات عديدة، وعزز فكرة أن اليبيين يدعمون قضية فلسطين بالنضال والمال باقتطاع جزء من راتب كل ليبي بحجة دعم العروبة والاشتراكية والوحدوية والقضية الفلسطينية بسياسة تقشفية أسماها شد الأحزمة على البطون وغيرها التي أوصلت الشعب الليبي لحالة من الإفقار في أوائل الثمانينات من القرن الماضي.

كل تلك الأسباب وغيرها نشرت بذور الفرقة فحصدت بعد كثير من الليبيين عن قضية فلسطين.. فلكم أن تتخيلوا أربعة عقود مارس القذافي فيها قمعًا فكريًا وسياسيًا على الشعب الليبي، وما ذكرته آنفة قليل من كثير لا نعلمه يبقى حبيس أدراج أنظمة مخابراتية تتلاعب بالقضية، وتعطي العدو الصهيوني الوقت ليزيد من تعزيزاته واستيطانه.

وأخيرًا أنهي حديثي بالقول إن قضية فلسطين حاضرة في ضمائر الشعوب العربية المتيقنة بالنصر وعودة كل شبر من فلسطين لأهله، إلا أن الأنظمة هي التي كممت الأفواه وهمشت الشعوب وجعلت منهم كائنات جوفاء متجردة من جوهرها تتعامل مع الواقع بخوف وسط فضاء سلطوي يستولد ويهمش بأدوات مختلفة أولها خطابات الزعماء الرنانة التي صنعت للشعوب واقعًا تدرك فيه أعداءها، ولكن لا تدرك أنهم أعداء أيضًا حين يخادعونهم بالنضال والقومية والعروبة والوحدة العربية وغيرها من المسميات والشعارات التي لطالما وجدوا بها عذرًا لارتكاب مزيدًا من جرائمهم ضد الشعوب والقضايا.

ويبقى تبنَّي ودعم بعضهم إلا استعراضًا كصولة الهر تحكي انتفاخة الأسد، وتظليلًا للشعوب التي رأت بعد فترة من الزمن مدى ضعفهم وعجزهم أمام أبسط القضايا.. حتى جاءت ثورات الربيع العربي على غير موعد.. فرأينا فيها بوصلة لنا وتطهيرًا لأوطاننا من الغزاة والطغاة ولو بعد حين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

عن الإسقاط الأمني كجزء من حرب العقول
شارك 1
منذ 3 أسابيع
الاحتلال الإسرائيلي
أشرف مروان الجاسوس الخارق
الاحتلال الإسرائيلي
منذ 3 أسابيع
فلسطين.. هدم للبيوت أم هَدم الذاكر!
الاحتلال الإسرائيلي
منذ 3 أسابيع