خلد التاريخ الأسماء المُكوِنة لعنوان المقال لأسباب عديدة, منها وأهمها براعتهم العسكرية الفذة. يمثلون أهم الحضارات التي نشأت حول ضفاف المتوسط. تحتل مصر جنوب المتوسط وتحتل أثينا وروما شماله وفرنسا في القلب من أوروبا التي  تعتبر نفسها وريثة مجد أثينا وروما.

كانت حضارة مصر بلا شك أسبق ومنها وعلى يديها تعلمت كل الحضارات لاحقًا. ولكن يبدو أنهم تعلموا كل شيء وتركوا الفلسفة التي قامت عليها سياسة مصر العسكرية وفكرها الإستراتيجي دون أن يتعلموا منهم شيئًا، أو ربما قد تعلموا ولكن لم يتوافق ما تعلموه مع طموحاتهم الاستعمارية التي ستظهر بمجرد امتلاكهم جيوشًا نظامية، وسيعاني العالم من ويلاتها لاحقًا, على عكس مصر التي لم تبنِ في أي لحظة تاريخية إستراتيجيتها العسكرية على فكرة الاستعمار وسلب خيرات البلاد الأخرى, حتى عندما حكمت الشرق وكونت إمبراطوريتها الممتدة من الأناضول شمالًا حتى منابع النيل جنوبًا كان ذلك لأسباب دفاعية بحتة.

عندما نتعرض لتاريخ مصر من خلال التقسيم الشهير الذي قام بوضعه الكاهن المصري القديم «مانيتون»  الذي عاش في مدينة سمنود في بداية القرن الثالث قبل الميلاد، أي أثناء فترة حكم البطالمة لمصر وهو التاريخ الذي اعتمدته معظم إن لم تكن كل مدارس علم المصريات الحديثة، وهو عبارة عن منهج  يقسم تاريخ مصر الفرعونية إلى حقب هي: عصر الدولة القديمة وعصر الدولة الوسطى وأخيرًا عصر الدولة الحديثة أو العصر الإمبراطوري المصري, يتخلل هذه الفترات الطويلة نسبيًا فترات عدم استقرار أو احتلال أجنبي تسمى بالعصور الانتقالية.

بلغت مصر آفاقًا كبيرة من التقدم والعلم في فترات الدولة القديمة والوسطى، ولا أدل على ذلك من تلك المعجزات الهندسية المتملثة في الأهرامات والتي لا شك أن بناءها بهذه الضخامة وبهذة الدقة يحتاج إلى علوم هندسية وفلكية متطورة جدًا, ولكنه أيضًا يتطلب سلطة قوية قادرة على تنظيم آلاف من العمال في مجموعات عمل كي يتمكنوا من إنجاز البناء في أقصر فترة ممكنة لا تعدو أن تكون سوى سنوات حكم الفرعون صاحب الهرم، وبالتالي لابد وأن هذه الأعداد كان لها احتياجاتها اللوجيستية الضرورية والمتعددة. إن أي أمة يكون لسلطتها هذه القدرة الكبيرة على هذا التنظيم الدقيق في هذه العصور المبكرة لابد وأنه كان في استطاعتها تكوين جيش جرار يمكن أن تغزو به العالم، خاصة ومن المثبت تاريخيًا أن أجزاء كثيرة جدًا من هذا العالم كانت لا تزال تغط في سُبات البدائية والتخلف، ومع ذلك لم نسمع عن جيوش مصرية غزت بلاد شمال المتوسط أو حاولت الدوران حول العالم كما سيفعل الإسكندر الأكبر لاحقًا. إن التاريخ يحدثنا فقط عن بعض الحملات المتناثرة على بعض أجزاء من سيناء لردع البدو الذين كانوا يغيرون من حين لآخر على الوادي الغني, وأخرى في الجنوب في منطقة النوبة.

كانت قناعة المصري في هذه الآونة هي أن بلاده الغنية بنيلها وخيراتها الوفيرة هي أجمل وأغنى بلاد العالم وبالتالي لم يسعَ مطلقًا لنهب وسلب خيرات بلاد أخرى، خاصة وأنه لم يرَ شرًا أو يستشعر خطرًا من هذه البلاد المجاورة ولا حتى فكر في نشر فكره وثقافته بدعوى تفوقه الحضاري ومحاولة انتشال هذه الشعوب من براثن التخلف التي كانت ترزح فيه كما فعلت الكثير من الحضارات لاحقًا. استمر الحال على هذا النحو حتى عصر الانتقال الثاني وهو الفترة الانتقالية بين الدولة الوسطى والدولة الحدثية، والذي استطاعت فيه قبائل آسيوية عُرفت تاريخيًا باسم الهكسوس غزو مصر. استمر هذا الغزو لمدة تقترب من مائة عام في بعض المصادر ومائة وخمسين في مصادر أخرى. لم تنجُ من هذا الاحتلال سوى مدينة طيبة بفضل حكامها الأقوياء وعلى رأسهم الملك العظيم «سقنن رع» الذي تشهد مومياؤه بالمتحف المصري على كثرة الجروح التي أصابته أثناء معاركه لتحرير مصر من براثن هؤلاء الرعاع كما نعتتهم المصادر المصرية لاحقًا. لم يألُ خلفاء «سقنن رع» جهدًا في سبيل استرداد كامل تراب الوطن وهكذا فعلوا وتحقق النصر في عهد الملك «أحمس» الذي سيوُضع رأسًا لإحدى أهم الأسر في التاريخ المصري وهي الأسرة الثامنة عشرة، والتي سينتهج كل ملوكها ابتداء منه وحتى الثورة الدينية التي قام بها «إخناتون» والتي ستكون لها نتائج كارثية على سياسة الآباء المؤسسين للإمبراطورية حتى يستأنف الفراعنة لاحقًا ابتداءً من «حور محب» ـ وذلك بعد استقرار الحكم له بعد الفوضى التي سادت بعد إخناتون وتوت عنخ أمون وتي ـ وحتى «رمسيس الثالث» الذي يعتبر آخر الفراعنة العظام. مثَّل احتلال الهكسوس لمصر صدمة كبيرة لأهلها وحكامها ومن هنا كان لابد من تغيير كبير في الفكر الإستراتيجي والعسكري المصري. قامت سياسة مصر العسكرية ابتداء من «أحمس» على اختيار الهجوم بدلًا من الدفاع كما كان الحال سابقًا، ولكنه كان هجومًا بغرض الدفاع ولهذا نرى أن الإمبراطورية المصرية تكونت ونشأت فقط على أراضي البلاد التي حاولت غزو مصر سابقًا أو استشعر قادة مصر منها خطرًا مستقبليًا، أو لضرورة قصوى مثل تأمين تدفق مياه نهر النيل التي تأتي من الجنوب.

ولسوف يصبح هذا الفكر العسكري بمرور الوقت دليلًا على فهم أبعاد الأمن القومي المصري حيث دارت معظم حروب مصر تاريخيًا في اتجاهين؛ الأول في شمالها الشرقي، والثاني جنوبًا لتأمين مصادر المياه. ويُمكننا هذا الاتجاه الأخير من فهم البعد التاريخي لمشكلة سد النهضة القائمة الآن بين مصر وإثيوبيا. وبالتالي نرى أن حدود الإمبراطورية المصرية امتدت من الأناضول شمالًا وحتى منابع النيل جنوبًا وكان ذلك في عهد الفرعون العظيم «تحتمس الثالث» الذي وجُد اسمه في مناطق كثيرة من تلك البلاد التي ذكرناها سابقًا. وتُحدثنا العديد من المصادر التاريخية عن قيامه بعدد كبير من الحملات وصل إلى 17 حملة عسكرية. ويعزو بعض المفكرين العسكريين وجود ما يسمى بالمخابرات العسكرية كأحد أهم أسلحة الجيوش لاحقًا لفكرة العسكري الفذ والذي مكنه من إحراز نصر عسكري بارع في معركة مجدو. لهذا لم أفهم مطلقًا لماذا أطلق عليه الفرنسيون ـ عندما أقنعوا أنفسهم بأنهم أصحاب مهمة مقدسة في تحرير الشعوب استنادًا لمبادئ ثورتهم ففعلوا مثلما فعل اليونانيون والرومان سابقًا ـ اسم «نابليون الشرق». ربما يتشابه أو يتساوى الاثنان في قدر البراعة العسكرية ولكن نابليون تاريخيًا هو قائد مهزوم حيث خسر معركته الأخيرة في «ووترلو» في عام 1815 بالقرب من بروكسل أمام جيوش ممالك بريطانيا وهانوفر وهولندا وبروسيا, فلا يجوز مقارنته بقائد لم يهزم في 17 حربًا خاضها في حياته, علاوة على أنهم إذا أرادوا المقارنة فلابد من أن يُسمى نابليون بتحتمس الغرب لا أن يُسمى تحتمس بنابليون الشرق.

هل كانت ستعجز العسكرية المصرية في غزو أوروبا إذا أرادت؟ أظن أن الإجابة لابد حتمًا ستكون لا, فحتى ذلك الوقت كانت بلاد شمال المتوسط عبارة عن بلاد متخلفة دأبت على إرسال أبنائها للتعلم من حضارة مصر أو حتى لأمور التجارة، لهذا لم نقرأ سوى عن معركة كبيرة للفرعون «رمسيس الثالث» ضد من سُموا تاريخيًا بشعوب البحر. معنى كل ما سبق أن مصر لم تكن أبدًا دولة استعمارية وأنها اضطرت لتكوين إمبراطورية في وقت معين نوعًا من حماية الداخل فقط.

إذا تعرضنا للمثلين الآخرين اللذين يمثلان بقية عنوان المقال, فسنجد أن الأول وهو «الإسكندر الأكبر» بعد أن أتم ما بدأه أبوه «فيليب المقدوني» الذي توفي في عام 337 ق. م. من توحيد القبائل اليونانية، والذي ورث عنه نظام الفيلق phalanx الذي لم يكن معروفًا من قبله وبه كان يتمكن من اختراق قوات العدو في أي التحام في المعركة, انطلق بجيشه ينشد غزو العالم بعد أن احتل آسيا الصغرى ـ تركيا حاليًا ـ والشام ومصر وبابل وذهب به الطموح العسكري لمحاولة الدوران حول العالم ولكنه اضطُر للعودة بعد أن خارت قوى جيشه على حدود الهند.

نفس الأمر سيتكرر مع روما التي جاءنا منها ثلاثة قادة عسكريين، أولهم لاجئًا وهو «بومبي»، والثاني غازيًا وحارقًا لتراث الإنسانية المخزن في مكتبة الإسكندرية وهو «يوليوس قيصر»، والثالث عاشقًا وهو «مارك أنطونيو» حتى تمكن قائد رابع وهو «أغسطس أوكتافيوث» من إخضاع مصر لسلطان روما بعد هزيمة الأسطول المصري بقيادة العاشقين كليوباترا السابعة ومارك أنطونيو في معركة أكتيوم البحرية عام 31 ق. م.

بعد أن ورثت روما حضارة اليونان وأصبحت سيدة المتوسط احتلت جيوشها تقريبًا كل البلاد الواقعة حول المتوسط. هل كانت خيرات كل هذه البلاد تمثل خطرًا على روما كي تقوم الأخيرة باحتلالها جميعًا, أم أن خيرات روما لم تكن تكفي؟ أرى أن لا هذا ولا ذاك ولكني أظن أنها النزعة الاستعمارية التي أسست لها أثينا وروما وتبنتها أوروبا لاحقًا عندما نفضت عنها آثار القرون الوسطى.

ربما لو كانت هاتان الحضارتان تفادتا هذا الكم من الحروب والغزوات كانت قد أفادت نفسها وأفادت العالم بشكل أكبر. فبمقارنة سريعة بينهما وبين حضارة مصر الفرعونية, نجد أن الأخيرة قد استمرت منارة للعالم لما يقرب من 3000 عام في حين أن عمر حضارة اليونان وروما مجتمعتين لا يتجاوز عدة قرون. إن كثرة الحروب خطة رائعة للإسراع بانهيار أي حضارة. إن حضارات أثينا وروما وفرنسا باعتبارها ممثلًا للحضارة الغربية الحديثة هي حضارات عظيمة وقدمت للإنسانية الكثير. وبالطبع لا أقصد من عرضي هذا تشويهًا لأي منجز قدموه للبشرية ولكن ربما مكننا العرض التاريخي من الكشف عن الفرق بين مصر وبلاد تتقاسم معها شواطئ المتوسط.

أفرزت كل الحضارات التي تعرضنا لها في المقال قادة عسكريين على قدر هائل من البراعة, ولكن استغلت الأولى قوتها العسكرية فقط لتأمين حدودها ولم تعتدِ على من سالمها ولم تتخلَ عن دروها منارةً للعالم، في حين انطلق الآخرون غزوًا ونهبًا وسلبًا لكل مكان استطاعت أن تصل إليه جيوشها. وتكشف لنا المقارنة بين  القدرات العسكرية والفكر الإستراتيجي للأسماء المؤلِفة لعنوان المقال جانبًا هامًا ومتميزًا لمصر عن غيرها من البلدان.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد