إن أي تجمع بشري سواء أكان تنظيمًا اجتماعيًّا أم اقتصاديًّا أو سياسيًّا يحتاج إلى من يقوده ويوجهه نحو هدف معين.

ولما كانت هذه القيادة والتوجيه من الركائز الأساسية في تطور الجماعات والتنظيمات، كان على العلماء والباحثين ورجال الفكر والإدارة دراستها والتعرف على فعاليتها وأهميتها في حياة هذه التنظيمات.

ولقد ثارت تساؤلات كثيرة حول دور المدير الفعال والقائد الإداري، وكانت سببًا في تطور العديد من الأبحاث والدراسات والمدارس الفكرية الإدارية في هذا المجال، وكان التساؤل يتمحور أساسًا حول هل المدير هو القائد الإداري؟ وهل القيادة الإدارية تكفي وحدها للنجاح دون الفعالية؟ ثم ما النمط المثالي الذي يجب على القائد الإداري تبنيه للوصول إلى هدف التنظيم الذي يتزعمه؟

ولقد تعددت التساؤلات وتشعبت النظريات والدراسات حول موضوع القيادة والفعالية الإدارية، إلا أنه لم يتم الاتفاق والإجماع على نمط معين للقيادة الإدارية يجب تبنيه، أو نموذج واضح يمكن الرجوع إليه في تحديد النمط القيادي الأمثل الذي يمكن بموجبه قيادة الأفراد قيادة فعالة وتحفيزهم ودفعهم إلى الهدف المحدد.

ونتيجة لاختلاف المنطلقات الفكرية الإدارية، والانتماءات الإيديولوجية والتوجهات الثقافية والدينية والعقائدية وتباينها، وكذا التباعد الجغرافي والانتماء الحضاري المتباين، فقد اختلفت التوجهات والرؤى حول موضوع التسيير الفعال والقيادة الإدارية المثلى التي يجب اتباعها لإدارة الأفراد وتوجيههم في مختلف التنظيمات المدنية والعسكرية والاقتصادية والمؤسساتية على وجه الخصوص.

فيرى بعضهم أن القيادة هي: نوع القدرة أو المهارة في التأثير في المرؤوسين في المؤسسات، بحيث يرغبون في أداء ما يحدده القائد الإداري وإنجازه، بناء على الاستشارات التي يقدمها والهالة والكاريزمية القوية التي يمتاز بها عن غيره.

ويرى آخرون منهم «R.Tannenbaum 1961»، أن القيادة هي التأثير المتبادل بين الأفراد، تطبق في حالة معينة باستخدام عمليات الاتصال وذلك بهدف الوصول إلى هدف محدد.

كما عدت القيادة بوصفها المقدرة الخاصة بالمدير أو المسير أو الإداري، في التأثير على مرؤوسيه للعمل بحماس وثقة لإنجاز الأعمال المحددة لهم، بكيفية فعالة وذات نجاعة اقتصادية بالنسبة للمؤسسة.

إذن، واستنادًا لما سبق يمكننا أن نستخلص أن للقيادة الإدارية ثلاث شروط أساسية:

– القيادة الإدارية تتم بتأثير إيجابي في الأفراد لا التأثير السلبي.

– العلاقة بين القائد الإداري والأتباع يجب أن تتسم بالاحترام المتبادل.

– الدافعية يجب أن تنبع من داخل المرؤوسين لا من التهديد والوعيد.

الفرق بين القائد والمدير:

قد يعتقد كثيرون أن الفرق الوحيد الموجود بين المدير والقائد الإداري، هو أنه لا علاقة لبعضهما ببعض. فالمدير معروف والقائد قد يكون مسؤولًا في سلك الشرطة أو الجيش، ولا علاقة للإدارة والمؤسسة بذلك. لكن الأبحاث أكدت أن القائد الإداري يمكن أن يطلق على المسؤول الإداري في المؤسسات الاقتصادية وغير الاقتصادية بصفة عامة، وأن هناك فروق جوهرية ما بين القائد الإداري والمدير، تمتاز على أساس أنه ليس كل مدير قائدًا، ويمكن أن يكون كل قائد مديرًا. فصفات المدير المميزة والمؤثرة بشكل إيجابي في المرؤوسين قد تكون عاملًا مهمًّا في جعل هذا المدير قائدًا مطاعًا ورئيسًا متبعًا دون وعي وتفكير من أتباعه ومرؤوسيه.

المدير القائد الإداري
المدير يعتمد على السلطة القائد يعتمد على السمعة
يثير الخوف يثير الحماس
يؤنب الآخرين على الفشل يصلح الفشل
يعرف كيف يتم العمل يوضح كيف يتم العمل
يستخدم المرؤوسين يشجع ويدرب المرؤوسين
ينظر إلى اليوم ينظر إلى اليوم والغد
يهتم بالجوانب المادية للمؤسسة يهتم بالجوانب المادية والنفسية للمرؤوسين
المدير يأمر القائد الإداري يسأل
المدير يقول أنا القائد الإداري يقول نحن
يعمل جاهدًا لينتج يعمل جاهدًا ليتبعه أتباعه
المدير ينفذ القائد يبتكر
المدير يراقب مرؤوسيه القائد يثق في مرؤوسيه

 

وطبقًا لرأي Kottler، وهو اختصاصي «مناجمنت» وإدارة مرموق ومعروف دوليًّا، فإن القائد الإداري هو الذي:

يحدد أهداف المنظمة.

يقوم بصياغة الاستراتيجية العامة لها.

يملك القدرة على التكيف والمرونة مع المستجدات.

أما المدير فهو من:

ينفذ أهداف المنظمة.

يملك القدرة على التغلب على التعقيدات والمتغيرات.

الفرق بين السلطة والقوة والقيادة:

القوة هي جوهر عملية القيادة، وهنا لا نقصد القوة البدنية أو العضلية، بل قوة الشخصية والإرادة والعزيمة التي يتصف بها القائد الإداري. أما من ناحية أخرى فإن القوة والقيادة هنا يشتركان في القدرة على التأثير في سلوك الأفراد. فالقوة هي التأثير في سلوك الأفراد والقدرة على إنجاز الأعمال وتحقيق الأهداف على الرغم من مقاومة الآخرين لذلك، أما القيادة فهي تتميز بتغيير سلوك الأفراد، ولكن بطريقة تجعلهم راضين عن هذا التغيير، ودون حتى أن يشعروا بذلك التغيير.

أما بالنسبة للسلطة فهي مقياس للقوة التي تصاحب رتبة أو مركز أو درجة في تنظيم معين، وهذه القوة التي يعطيها شغل مركز معين هي التي تعطي صاحب هذا المركز الحق في القيام بأعمال معينة أو إصدار الأوامر واتخاذ القرارات، إذا يمكن القول إن السلطة تمنح صاحبها القوة، لكنها ليست مجرد قوة بل قوة رسمية.

وهنا يمكن القول إن السلطة هي حق قانوني رسمي في السيطرة على سلوك الآخرين. أما القوة فهي التأثير وتغيير سلوك الآخرين بدون شرعية ولا سلطة رسمية. في حين أن القيادة هي فن التأثير على سلوك الآخرين لدفعهم بشكل غير إجباري نحو تغيير سلوكهم بما يتوافق مع رغبات القائد الإداري وتوجهاته وأهدافه.

الأنواع المختلفة للأنماط القيادية:

تختلف الأنماط القيادية للمديرين التنفيذيين ورؤساء العمل ومسؤولي المكاتب والمصالح ومشرفي الورشات، إذ إن لكل مدير أو مسؤول إداري نمطـًا معينًا لإدارة مرؤوسيه وقيادتهم والإشراف عليهم. والشيء الملفت للانتباه في مؤسساتنا العمومية والخاصة، هو الاعتقاد السائد أن الصرامة والنظام وتطبيق القوانين والأنظمة والقواعد على الموظفين والمرؤوسين، هي من سمات المدير الجيد والمسير الكفء. ولكن ذلك ليس صحيحًا في كل الأحوال، فقد تختلف الرؤية التي ينظر بها كل مدير بحسب بيئته وبحسب تعليمه وتكوينه وبحسب موقعه في المسؤولية وبحسب خلفياته ومنطلقاته الفكرية والإيديولوجية وقناعاته الدينية والعقائدية. وبذلك فيمكن التمييز بشكل عام بين ثلاثة أنواع أساسية للأنماط القيادية:

القيادة الاستبدادية أو الأوتوقراطية:

في هذا النوع يحتكر القائد السلطة، ويتخذ القرارات بنفسه دون استشارة أحد، كما أنه لا يفوض السلطة ولا يثق في أحد، وهذا النوع يعرقل إمكانية تكوين صف ثانٍ من القادة، كما أنه يتسبب في قتل روح المبادرة وزيادة الصراعات والخلافات بين العمال والموظفين، كما أنه صالح التطبيق فقط في أوقات الأزمات التي تواجه المؤسسة والشركة.

القيادة المتساهلة أو الفوضوية:

يسمح القائد الفوضوي للأفراد بحرية التصرف، وغالبًا ما يفوض سلطاته كاملة أو جزءًا منها دون دراسة ولا تمحيص، فالأفراد غالبًا ما يحددون الأهداف وكيفية الوصول إليها وما عليه إلا الموافقة في النهاية. ويستخدم كذلك هذا النوع من القيادة في حالة تميز الأفراد بالكفاءة العالية جدًا، مثل أعضاء مجلس الإدارة وفرق البحث ورواد الفضاء ومجموعات العمل واللجان المتخصصة، التي عادة ما تتساوى رتب أعضائها ومستوياتهم الفنية والإدارية.

القيادة المعتدلة أو الديمقراطية:

وهي النوع الأمثل في نظر الكثير من رواد الإدارة وخبراء التسيير. فالقائد في هذا النوع يشارك مرؤوسيه في تحديد الهدف وكيفية الوصول إليه، وحرية المبادرة والابتكار وإبداء الرأي والمشاورة. ولا تعني القيادة الديمقراطية المشاركة الكاملة، إذ تختلف درجة المشاركة من موقف إلى آخر ومن مؤسسة إلى أخرى وحسب ظروف كل منها.

المهارات القيادية الإدارية:

للوصول إلى أي هدف يجب على القائد الإداري الاتصاف بمجموعة من الصفات والمهارات التي تمكنه من قيادة مجموعته، والوصول بها إلى الوجهة المطلوبة بكفاءة وفعالية عالية. وقد اتفقت الدراسات الإدارية المعاصرة على أن هناك أربع مهارات أساسية يجب أن يتصف بها كل قائد إداري، حتى يتمكن من إنجاز مهامه وقيادة مجموعته قيادة أفضل، ومن هذه المهارات:

المهارات التقنية والفنية:

وهنا يستحسن أن يكون القائد ملمًّا إلمامًا تامًّا بخبايا عمله، من جوانبه التقنية والفنية، وأقل شيء أن يكون له مستشارين أكفاء ومخلصين، حتى ولو لم يستطع الإلمام الكلي بجميع العمليات التقنية المعقدة، والتي تخرج عن نطاق تخصصه. وكذلك تكون له رؤية واضحة واهتمام جدي ومعلومات كافية حول الأعمال التي يقوم بها مرؤوسوه، ومعرفة قيمة الجهد الذي يقدمونه سواء أكان جهدًا فكريًّا أو عضليًّا.

المهارات الإنسانية:

وهي مهارة ضرورية في عمل القائد الإداري، بحيث لا يجب إغفالها ولا التغاضي عنها. فالعلاقات الإنسانية الفعالة التي ينشئها القائد مع مرؤوسيه، ضرورية لبناء جسور الثقة بينهما، وتتمثل في المقدرة على تفهم سلوك العمال وعلاقاتهم ودوافعهم ورغباتهم حتى يتعرف عليها وتبنيها، بهدف دفع الأفراد دفعًا تلقائيًا للوصول إلى الهدف المحدد.

المهارات الإدارية والتنظيمية:

وهي أن ينظر القائد إلى المنظمة على أساس أنها نظام متكامل، ويفهم أهدافها وخططها ويجيد أعمال السلطة وتنظيم العمل والتنسيق والرقابة. وهي مهارات تتطلبها الأعمال اليومية الروتينية، وتكون ضرورية لتنظيم الأعمال الإدارية وبناء هيكل تنظيمي إداري قوي، يمكن أن يقف أمام الهزات والتطورات والتغيرات في بيئة العمل.

المهارات الفكرية:

وتعني أن يتمتع القائد الإداري بالقدرة على دراسة المشكلات وتحليلها، واستنتاج الحلول المناسبة، وكذلك المرونة والاستعداد الذهني لتقبل أفكار الآخرين واقتراحاتهم. زيادة على القدرة على بناء استراتيجيات وخطط تتطلب قدرة ذهنية فائقة وإبداع متميز، يساعد على كسب ميزة تنافسية قد تصنع مصير المنظمة ومستقبلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Jeun – Luc CHARRON. Sabine SEPARI. Organisation et gestion de l’entreprise. DUNOD. Edition 2 ; paris,2001.
أمين عبد العزيز حسن ، إدارة الأعمال و وتحديات القرن الواحد والعشرون. دار قباء للنشر، القاهرة، 2001.
محمد سعيد أنور، السلوك التنظيمي. دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2003.
ناصر محمد العديلي،السلوك الإنساني والتنظيمي. معهد الإدارة العامة، الرياض، 1993.
عرض التعليقات
تحميل المزيد