أثناء الحرب الكورية التي دارت رحاها بين عام 1950 و1953، واشترك بها كلٌّ من الكوريتين الجنوبية والشمالية، إضافة إلى الصين والولايات المتحدة الأمريكية، كان لدى الصين عدد هائل من أسرى الحرب. وأدركت الحكومة الصينية أن إنشاء معسكرات اعتقال خاصة لهذا العدد من الأسرى مكلف جدًا، إضافة إلى الخشية من أن يقوم هؤلاء الأسرى باضطرابات عنيفة تشغل الحكومة، خاصةً أنها في حالة حرب. فعمدت إلى أسلوب ربما جديد في التعامل مع الأسرى للسيطرة عليهم بأقل التدابير الأمنية، وهو تحديد السجناء الأذكياء وذوي القدرات القيادية وحجزهم في أماكن خاصة لمراقبتهم والسيطرة عليهم، وهذا ما حصل فعلًا، وكانت نسبة هؤلاء لا تتجاوز الـ5% من مجموع السجناء وتركوا الأغلبية الساحقة بلا حراسة، ونجحت الخطة الذكية في احتواء السجناء حيث مكث الـ95% من السجناء كالبلهاء لا حول لهم ولا طول سوى التجول في المعتقل، ولم يحاولوا حتى الهرب، وكل ما فعلوه هو انتظار الصينيين ليقدموا لهم الطعام!

فالقيادة إذًا هي المفتاح الرئيس الذي يحرك الجماهير ويحفزها لتتبنى الأهداف الوطنية والقومية، بل حتى الأممية، والعمل بكل إخلاص لتحقيقها رغم الصعاب! وأهم ما يجب توفره في القائد، فردًا كان أو مجموعة، هو الكاريزما. كما يمتلك القائد الحق رؤية تخدم أهداف الجماهير، ويمتاز بتعاطفه مع الناس وفهم مشاكلهم والاجتهاد من أجل حلها. كما يتحلى القائد عادة بالخيال الإبداعي الواسع لمواكبة طموح الجماهير ولديه من الثقافة ما يمكنه من فهم حركة التاريخ، وسبل نجاح الدول والأمم في تحقيق الأهداف المشتركة للمواطنين، خصوصًا والناس عمومًا. ولو أردنا أن نضرب مثالًا على جزء كبير من هذه المواصفات، لوجدناها في جمال عبد الناصر – رغم اختلاف وجهات النظر حوله وخصوصًا في الفترة الأخيرة!

ولهذا فإن ما يفعله أعداء الشعوب والعدل والإنسانية، هو التخلص من قادة الجماهير وخاصة في أوقات تململ الشعوب من ظلم الحكومات القائمة، وسعي المواطنين للتغيير. وطرق التخلص من هؤلاء القادة تكمن إما بالنفي أو الاغتيال أو السجن أو تشويه السمعة بماكنتهم الإعلامية الفائقة القدرة والواسعة الانتشار. ليقينهم أن حال الجماهير بلا قيادة لن يكون أفضل من حال سجناء الحرب الكورية! ولن نذهب بعيدًا في الماضي للتدليل على أهمية القيادة والقائد بالنسبة للجماهير. فعندما أعدم الحوثيون علي عبد الله صالح زعيم حزب المؤتمر اليمني – بغض النظر عن الموقف السياسي تجاهه من الجميع، انفرط عقد الحزب وتبعثر منتسبوه وأنصاره بشكل كبير. فالقائد مهما كان فهو العمود الفقري لأي حزب ودولة. ويمكن ملاحظة هذا النهج من الطغاة في كل زمان ومكان. كما فرط عقد حزب البعث العراقي وأحرار العراق عمومًا بإعدام القائد صدام حسين.

ولتستعيد إمبراطورية الشر الأمريكية تشيلي من حكم الاشتراكيين ولتبعدهم عن أمريكا الجنوبية في بداية سبعينات القرن الماضي، كل ما فعلته أمريكا هو استخدام عبيدها الدائمين في كل مكان، العسكر، الذين قاموا بانقلاب دموي أطاح بحكم المناضل الاشتراكي سلفادور اللندي الذي قُتل مع المئات أو ربما الآلاف من قياديي حزبه وكوادره، وحاولوا تشويه صورته بفرية أنه انتحر عندما علم بنجاح الانقلاب. وكانت النتيجة بائسة لشعب التشيلي الذي حكمه الجنرال بنوشيه بالحديد والنار، وبعد أن فرغوا من مهمة هذا الأخير في إعاقة تقدم التشيلي، حاكموه وهو في أرذل العمر!

وهناك العديد من القيادات العربية التي كان مصيرها كمصير سلفادور اللندي، وإن كانت الطريقة مختلفة بسبب تطور وسرعة وسائل الإعلام وصعوبة السيطرة عليها بشكل كامل. فالذي حدث في الجزائر عام 1992 ليس مختلفًا عما حدث في التشيلي، حيث قام الطاغوت العسكري بانقلاب على إرادة الشعب الجزائري، ولكنهم لم يعدموا قادة الجماهير، بل نفيت من البلاد. ولكنهم قتلوا عشرات الآلاف من الشعب الذي انتخبهم انتقامًا منهم بطرق يندى لها الجبين. فالمهم لدى الطغاة أن يتم فصل القيادة عن الجماهير وهذا ما حدث. وكذلك ما حصل في مصر في مثل هذه الأيام من عام 2013 يشهد أن القيادة هي روح الثورة وعقلها وقلبها النابض. ففي كلتا الدولتين العربيتين اختفت مظاهر التمرد السلمي على الظلم والفقر، فالقادة كلهم في السجون.

وفي تركيا أعدم الجيش رئيس الوزراء عدنان مندريس الذي كان يقود حملة تغيير اجتماعي وسياسي بعد الانقلاب على حكومته عام 1960؛ لأن وجود القائد حيًا وخارج السجن يهز عروش الاستبداد. وكذلك فعل الأمريكان في ستينات القرن الماضي أيضًا مع داعية الحقوق المدنية الأسود مارتن لوثر كنغ، والذي كان قائدًا لكل الملونين في أمريكا في تلك الفترة العصيبة من التمييز والفصل العنصري. فبعد أن تمكن ذلك القائد المفوه من اقناع بني عرقه بمقاطعة حافلات الفصل العنصري بعد الحادثة الشهيرة للسيدة روزا باركس، واستمرت المقاطعة لأكثر من عام حتى أعلنت احدى المحاكم الأمريكية العليا بأن تلك الحافلات غير دستورية، وانتصرت الجماهير بفضل القيادة الواعية والصلبة، وكان لا بد من التخلص من القائد كنغ، الذي حقق إنجازات أخرى في مجال حقوق الإنسان، فاغتالوه عام 1968. والأمثلة اليوم على رعب الطغاة من القادة الجماهيريين واضح وجلي في الوطن العربي الكبير؛ مما جعلهم يزجون بتلك القيادات في السجون بلا أية مبررات قانونية!

كاريزما الزعيم الجماهيري لها تأثير فعّال في تحريك الجماهير نحو التغيير والإصلاح والتحرر، فلديه من الثقافة ما يؤهله لشرح وتقييم الوضع الراهن، والقدرة على تهدئة الجماهير في الوقت الغير مناسب للثورة، وحثها عليها عندما يحين وقتها. وهو المحنك الذي يعرف ارتدادات التحرك سلبية كانت أم إيجابية! والقائد هو الوحيد – حتى إن كان في المنفى – الذي يستطيع أن يأمر الجماهير لتنفيذ الاضرابات والعصيان المدني والخروج في مظاهرات مهما كان الثمن باهظًا، وحصل هذا في إيران عام 1979، بغض النظر عما حصل في السنوات الأخيرة. لذلك يعمد المستبدون إلى التخلص من القيادة بأي شكل! وهذا وطننا العربي الكبير يعاني الظلم والطغيان بعد أن أزاحوا أي مشروع للقيادة، فنفي البعض، واغتيل وسجن آخرون! المهم ان بلادنا من المحيط إلى الخليج بلا زعيم يوحد كلمتهم، ويأمر الجماهير فتلبي، والنتيجة أننا كالأرانب في جحورها تخرج لتعمل وتعود لتأكل وتتكاثر وتنام!

علماء النفس يعزون تفكك العائلة في أي زمان ومكان لعدم توفر القائد – رب الأسرة – الذي يجيد فن القيادة. والعائلة تتكون فقط من بضعة أفراد، فما بالنا في دولة أو أمة بها عشرات أو مئات الملايين، كيف يمكن حمايتها والسير بها إلى التقدم والحرية والكرامة بلا قيادة؟! وقد لا تكون القيادة فردًا أو حتى حزبًا كما اعتدنا أن نرى في العالم الثالث، بل قد تكون القيادة نهجًا سياسيًا – الديمقراطية أوضح وأشمل الأمثلة!

بلا قيادة، لا تختلف الشعوب عن الـ95% من سجناء الحرب الكورية! ولا تختلف عن البغداديين الذين كان المغول يحتجزونهم في الطرقات ويأمرونهم بالبقاء في أماكنهم، حتى يذهب المغولي ليحضر السيف ليقتلهم، وكانوا يبقون في أماكنهم ينتظرون الذبح. لا يختلف حالنا اليوم عن وضع البغداديين في القرن الثالث عشر الميلادي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد