الناس في علاقتهم بالقيادة والجندية على أمزجة مختلفة متنوعة، فمنهم القائد بالفطرة، ومنهم الجندي بالفطرة، ومنهم من سعى واكتسب صفات وسمات القيادة، ومنهم من رضي بالجندية نصيبًا ولم يرق بصره نحو القيادة، ومنهم من هو قائد واقعًا، لكنما أتت به الظروف إلى القيادة، لا دور له ولا قدرة في ذلك، يسيء إلى القيادة أكثر مما يصلح، ويضر أكثر مما ينفع، وربما لا إصلاح له ولا نفع أصلًا، ومنهم من هو قائد بالفطرة، مجبر على الجندية، إما إجبار إرادي منه، يزهد في القيادة وينأى بنفسه عنها، أو إجبار لا إرادي، حيث تمنعه الظروف والأحوال، أو يحرمه منها غيور أو حسود أو حقود أو جاهل أو متسلط أو غيرهم، وهو بجنديته مفيد نعم، لكن الفائدة أكبر وأعظم لو انتقل إلى مراكز القيادة، هذ الاختلافات وغيرها فيما يخص مؤهلات الجندية والقيادة، ومدى تحقق إحداهما أو كلاهما.

أما من ناحية واقع القيادة والجندية فإن هناك أمزجة أخرى، فهناك من الناس من لا يعجبهم قائد هنا أو زعيم هناك، لا يقتنعون بمكانة هذا الرئيس وذاك المدير، بدءاً من رؤساء العمل وصولًا إلى أعلى مستويات القيادة، يرى نفسه حقيقًا بكل مسؤولية، مستحقًا كل قيادة، أحق بكل زعامة. ومنهم على العكس تمامًا، من يأتمر لكل آمر، ينتهي لكل ناهٍ، مرؤس لكل رئيس، منقاد لكل قائد، ذيل لكل رأس، مدمن على التبعية والذلة، لا يرى فيه نفسه قدرة، ولا يستشعر لنفسه مكانة، ولا يجد نفسه إلا تابعًا، في ظلمات القهر قابعًا، لكل من هب ودب خانعًا، وأحد هؤلاء سيعيش ويموت ذليلًا ما دام يجد نفسًا يشهقه ويزفره.

وبين هؤلاء وهؤلاء عقلاء كليهما، فهناك القادة الذين هم قادة فطرة أو اكتسابًا، ويمارسون القيادة واقعًا، قيادة خاصة أو عامة كانت، وهم في زعامتهم ناجحون، وبمكانتهم جديرون، يستحقون ما أسندت لهم رئاسته، ويستأهلون ما وثق بهم غيرهم في سيادته، يشار إليهم بالبنان -دون نفاق أو ادعاء- في كل محفل أنهم مثال الزعامة والقيادة، ومن الناحية الأخرى، هناك الجنود فطرة أو اكتسابًا، وهم للجندية شرف وكرامة، يرفعون من شأن الجندية بانتهاجهم نهج الطاعة المبصرة الواعية، الطاعة في المعروف البيِّن والمخالفة في المنكر البيِّن، والطاعة في خلافهما مع التناصح والتواصي بالحق، يأتمرون لكل معروف عن فهم، ويتواضعون عن غير ذلة، ولا يقللون من أنفسهم شأنًا ولا احترامًا ولا تقديرًا لذات، كلا الفريقين فخر لما يمثله.

إذن للجندية آداب وقواعد، كما للقيادة مثلهما، بناء على تلك الآداب، وطبقًا لتلك القواعد، يمكننا أن نقيم مدى التزام الجندي بجنديته، ومدى استحقاق القائد لمكانته، حتى يكون كل منهما معبرًا بحق عن ما يمثله من معانٍ يقتدي به فيها خلفه، ويشرف هو باعتقاده وقوله وفعله سلفه.

أما القيادة، فأول آدابها أن تكون خالصة من كل غرض شخصي، أو مكسب دنيوي، أو نفع مادي، فتكون لوجه الله تعالى وحده، يبتغي بها رضاه أولًا، ويرجو من ورائها منفعة الناس وتنظيم أمورهم والقيام على ما ينفعهم.

والثاني أن يكون في قيادته نموذجًا يحتذى به، فيؤدي ما عليه، ولا يتواكل على غيره، إنما يوزع المهام، ويفوض المهام بآداب التفويض وقت الحاجة، ولا يتسلق مراكز القيادة بالنفاق تجاه الرؤساء، والدسائس تجاه الزملاء والأقران، والظلم والكبت تجاه المرؤوسين.

والثالث أن يكون رحيمًا بلا ضعف، حازمًا بلا قسوة، فيتجنب أن يكون لينًا فيعصر أو صلبًا فيكسر، إنما يكون معتدلًا في كل شيء.

والرابع أن يكون عادلًا وإن كان على نفسه أو الأقربين، فإن الظلم ظلمات، والظلم أول الفساد والإفساد، والظلم أصل الهلاك وبدايته،  ولا تقوم كيانات ولا يكون لها مستقبل إذا نخر بعظامها سوس الظلم.

والخامس أن تكون له عبرة واعتبار بالماضي، وفهم عميق الحاضر، واستشراف رؤية مستقبلية، فلا يكون مغيبًا غافلًا عن إحدى الثلاث فيَهْلك ويُهْلك من معه.

والسادس أن يزن الأمور بموازينها، فيوظف أصحاب الكفاءات والخبرات، ولا يهمل ذوي المواهب والقدرات حتى لو كانوا ذوي رتب دنيا، ولا يحصر المهام بين المقربين فيبعد غيرهم ظلمًا وعدوًا، وأن يكون أول الخاضعين للقوانين والنظم واللوائح.

والسابع أن يظل في قيادته ما كان نافعًا مفيدًا لمهمته التي وكلت إليه، وطالما كان النظام يسمح بذلك، وليعزل نفسه قبل أن يعزله غيره إن رأى في نفسه شخصًا غير كفء لمكانته، وأن يتعامل مع منصبه على أنه تكليف لا تشريف، فإذا ما عجز عن التكليف، فليحفظ الأمانة التي في عنقه، بتسليمها عن رضا نفس إلى من يستأهلها، على يقين أن الله سائله ومحاسبه عن ذلك كله.

أما أول آداب الجندية، فتوجيه نيته في كل عمل لوجه الله دون سواه، نعم يسهر على خدمة هذا وذاك، لكنما سعيه ليس لنيل رضا أي من الناس بالدرجة الأولى، إنما رضا ربه غايته، وتجنب سخطه بغيته، ثم يأتي بعد ذلك رضا من يخدمه من الناس كعاجل بشرى المؤمن.

والثاني أن يتقن عمله ويبرع فيه، فإن الله يحب من أحدنا إذا عمل عملًا أن يتقنه، فيتحرى إحسان العمل لا مجرد الأداء، وأن يكون بإتقان عمله عاملًا وقائيًا ضد أن يؤتى العمل من الثغرة التي يقف عليها حارسًا أمينًا.

والثالث أن يتنافس مع أقرانه تنافسًا شريفًا، فلا يتملق رئيسًا، ولا ينافق صاحب منصب، ولا يغتاب أو يلهت رفيقًا بغية التميز والظهور دونه.

والرابع أن يأتمر بالأوامر، وينتهي للنواهي، ويلتزم باللوائح، ما دامت كلها في طاعة الله، فإذا ما أُمِرَ بمعصية واضحة لا لبس فيها، فلا طاعة حينذاك، لكنه يرفض بآداب الرفض المتبعة في عمله.

والخامس أن يكون حارسًا أمينًا لأسرار عمله، لا يفشي سرًا ولا يكشف مستورًا، لا لحبيب أو قريب، ناهيك عن كل غريب، وإذا كانت أسرار عمله تضيعه أو تعرضه للخطر، فإنه يضحي بكل غالٍ ورخيص في سبيل حفظها وحمايتها، وإذا رقى إفشاؤها إلى مرتبة الخيانة العظمى، فإنه يضحي بحياته، ويلقى الله شهيدًا، ولا يقع في الخيانة وإن كان فيها كنوز الأرض جميعًا.

والسادس أن يقاوم الرغبة في الشهرة والظهور، وأن ينأى بنفسه عن مغبة كل مسؤولية، فإن المسؤولية الأمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة، إلا بحقها، فلو رأى في نفسه قدرة وكفاءة، ولو رأى توليه المسؤولية يسد ثغرة أو يحيي أملًا أو ينتج نجاحًا أو يحقق مكسبًا لعمله، فإنه يقدم نفسه ويعرض خدمته، ثم يسأل الله أن يحفظ له إخلاصه، وأن يوفقه في مسعاه.

والسابع ألا يستغل موارد عمله في أغراض شخصية، فحرمة المال العام أشد حرمة من المال الخاص، وألا يستغل مكانه في نيل ما لا يستحق وما ليس له، كأن يتخطى أدوار المستحقين في المصالح الأخرى، أو يستغل حاجة الناس إليه أو خشيتهم من سلطاته في وظيفته أو رغبتهم في توسطه لهم لدى سلطات عمله لينالوا ما لا يستحقون، مقابل منفعة له من مال أو غيره.

وربما كانت هناك آداب أخرى لكل من القائد والجندي، إنما ذكرنا هنا أشهرها احتياجًا، وأكثرها نقصًا فيمن نراهم من قادة وجند، وأعزها وأندرها، وأهمها من وجهة نظرنا. نسأل الله أن يوفقنا جميعًا جندًا وقادةً إلى ما يحبه ويرضاه، من خدمة الدين والوطن والناس جميعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد