يعتبر الشباب قلب الأمة النابض، وشريانها الذي يضخ الدماء في عروق هذه البقعة الكبيرة من الأراضي، وهم مستقبل الأمة وسر نهضتها، فمنذ قديم الزمان عُرِفَ عن الشباب أنهم مبعث للحضارة، وحاملو رايتها على أكتافهم، وهؤلاء الشباب الذين تتلمذوا على يد الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- فقويت شوكتهم وزادت حنكتهم، وأصبحوا كبارًا في عقولهم رغم صغر سنهم، ولقد جاءت أغلب إانتصارات الأمة من قبل شبابها، المتعطشين للانتصارات؛ لرفع مكانة الأمة إلى عنان السماء.

ورسولنا الحبيب هو أول من اهتم بالشباب، فهم أول من وقفوا مع رسولنا وآمنوا بدعوته، وأيدوه ونصروه، وكان دائمًا يوجه خطاباته للشباب، فكان يعترف بمكانتهم، ويقدر حقوقهم، وكان من أكبر الأمثلة على اهتمام رسولنا الكريم بالشباب، تعيين أسامة بن زيد قائدًا لجيش المسلمين والذي كان فيه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وإن كان يدل تفضيل أسامة بن زيد على كبار الصحابة ما هو إلا ثقة وضعها رسولنا الكريم في شبابنا، ورسالة يخلدها التاريخ؛ لنحتذي بها،

وهناك قصة في أحد الكتب تتحدث عن أن شابًا عينته قبيلته متحدثًا عندما تأتي الوفود إليهم، وقد جاء وفد من أشراف العرب إلى هذه القبيلة، وتحدثوا وأنهوا كلامهم، فقام الشاب من مكانه ليرد عليهم، فقال له أحد الحاضرين: أليس فيكم أفضل من هذا الشاب، وسأله عن عمره: فأجاب: عمري كعمر أسامة بن زيد عندما قاد جيش المسلمين، فبهت الرجل ولم يسمع له صوت.

وإذا قدّمنا الزمن، وتوقفنا عند زمننا هذا، سنرى تهميشًا كبيرًا للشباب ودورهم، وعدم الاعتراف بإمكانياتهم، فباتت كل الأعمال المهمة في أيدي كبار السن، دون النظر إلى مستواهم الضعيف بسبب تقدمهم في السن، وإمكانياتهم المحدودة، وإذا سلطنا الضوء على المواضيع الأكثر أهمية وتداولًا على ألسنة الشباب، سيحتم علينا ذكر موضوع الإمامة في الصلاة وخاصة صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، وعلى الرغم من انتهاء الشهر الفضيل، وحلول عيد الفطر السعيد، أعاده الله على الأمتين العربية والإسلامية باليمن والبركات، إلا أنه يبقى موضوعًا مهمًا، إذ أنك إذا ذهبت إلى المساجد، ستلقى الأئمة هم من الشيوخ الكبار، ولنقل الحقيقة بأن هذا ليس في كل المساجد، إذ أن هناك منها من يعطي للشباب دورًا هامًا ويعتني بهم، إلا أن معظمها ينسى الشباب، ولا يلتفت لوجودهم.

ولا شك أن إمامة المساجد من الأمور المهمة التي تقوم بدور فعّال بإحياء شريعة الله في بيوته، ونشر سنة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ليتعلمها المصلون، فلا يخفى علينا مكانة الإمام ودوره في جذب قلوب المصلين إلى المساجد، ولقد حفظت الشريعة مكانة الإمام في المجتمع، ووضعت شروطًا يجب أن تتوافق في صاحبها لكي يتقدم للإمامة؛ وذلك تميزا له لأهميتها عند الله -سبحانه وتعالى- ويكفي شرفًا للإمام أن رسولنا الكريم كان أول إمام في الإسلام ومن ثم جاء من بعده صحبه عليهم رضوان الله.

فالإمامة مسؤولية عظيمة، وليست بالأمر الهين، لكنها حتما تغرس الثقة في قلوب الشباب، وتضعهم أمام تحمل المسؤولية، فإذا لم نزرع الثقة في شبابنا -الذين تنطبق عليهم الشروط- ونقدمهم للإمامة، ليتعلموا القيادة، فكيف لنا إذن أن نقدمهم في أمور أكثر حساسية وأكبر تعقيدًا، وإذا ذهبنا إلى الجانب الآخر هل يحق للكبار أن يوبخوا الشباب عندما يصدر فعل غير لائق من أحدهم، ويقولون له انظر إلى أسامة بن زيد في سنك ماذا فعل؟ ونفسه الذي يوبخ لا يعطي للشباب ثقة في الإمامة، ويعتبره تقليلا من شأن الكبار إذا تقدم شاب عليهم! فكيف إذن يوبخون الشباب! فهل باتت الإمامة حكرًا على الشيوخ الكبار دون غيرهم؟

وعلى الرغم من أن هناك شبابًا وهبهم الله أصواتًا تجذب قلوب المصلين وتريحهم، أكثر بدرجات من الشيوخ الكبار! إلا أنهم مصرين على أن الوقت مبكر ليأخذ الشباب دورًا أكبر من هذا، ونحن -في هذا المقال- لا ننقص من دور الكبار أبدا، فهم أكثر علمًا منا بما فيه فائدة ومصلحة للمجتمعات، فما يقوله الكبار ويقرروه يجب اعتماده واحترامه، وإن أردنا الاعتراض يكون بالمحاورة والنقاش ليس إلا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد