لا يَصلحُ النّاس فَوضَى لا سَرَاةَ لهُم … ولا سَـراةَ إذا جُــهّــالـهُم سَـادوا

والـبَـــيـــــــتُ لا يُـبـتَـنَى إلا لهُ عَـمَــدٌ … ولا عِــمَـاد إذا لم تُـرسَ أوتــاد

فإن تـَــجــمَّــع أوتــــادٌ وأعـــمِــــدةٌ … وساكن أبلغوا الأمر الذي كادوا

في الثلاثين من أكتوبر من عام 2016م، بدأت تجربتي في عالم القادة والقيادة.

يقول أبو حاتم رحمه الله: صرّحت السنة عن المصطفى – صلى الله عليه وسلم – بأنّ كل راع مسؤولٌ عن رعيته، فالواجب على كل من كان راعيًا لزوم التعاهد لرعيّته، فرعاةُ النّاس العُلماء، وراعي الملوك العقل، وراعي الصالحين تقواهم، وراعي المُتعلم معلّمه، وراعي الوَلد وَالدُه، كما أن حارس المرأة زوجها، وحارس العبد مولاه، وكل راع من الناس مسؤول عن رعيّته.

إن مكان القائد دائمًا يكون في المقدمة، وذلك لكي يكون دليلًا لجماعته على الخير، ومرشدًا لهم إلى مافيه صلاحهم، فرئيس المؤسسة هو المسؤول عن تسيير شؤونها لما فيه نجاحها، والمعلم مسؤول عن طلابه، فإن كان غير ذلك أحجم عن تأييده المخلصون واستمر حوله المنتفعون، لأنه مامن عاقل يرضى أن يقوده رئيسه نحو الضياع والفشل، إلا إذا كان مخدوعًا أو منتفعًا، عندها يحق لنا أن نسمي الرئيس سائقًا لا قائدًا.

يذكر المهندس المرسومي في كتابه ”القائد” أن المرء لا يمكن أن يكون قائدًا على أرض الواقع من غير أن يمارس دور المدير في فترة من فترات حياته، ولو على مستوى ضيق. إنني إذ أكتب هذه التجربة وأرويها لا أضمّ نفسي إلى سِرب القادة وصفهم، ولكنني أنصفها فأضمها الى صف الحالمين المتدربين على أرصفة طريق القادة والقيادة.

إن التجربة التي سأرويها كانت في العمل الطلابي، وبدايتها تحديدًا كانت قبل عام من الآن مع تنظيم طلابي جزائري يُسمّى “الاتحاد العام الطلابي الحر”، حيث إني وجدت نفسي على مشارف قيادة أحد فروعه دون تجربة كبيرة أو خبرة في العمل، وذلك بحكم النظام الدراسي في الجامعة الجزائرية، إن هذا الموقف جعلني أتخبط بين كثير من المفاهيم كالقائد والرئيس والقائد المِثالي والقائد الصالح وغيرها.

كانت أول مشكلة صادفتني على رصيف المتدربين الحالمين، هي أنني كنت أنظر إلى القيادة بأنها دروس تحفظ أو مهارات يمكن تعلمها، إلا أن الحقيقة غير ذلك إطلاقًا، إن مما كان يؤرقني في بدايتي هي ثقة الجنود وتسليمهم بقيادتي لهم واعتباري روحًا وملهمًا، كما كان يفعله البعض لقادتهم العظماء الذين نشاهدهم ونسمع عنهم، لكن هيهات أن أبلغ مبلغهم بما كنت أحمله آنذاك من أفكار عن الجنود والتعامل معهم، فعوض أن تضيق فجوة التقارب أصبحت أكثر اتساعًا وأسفرت الكثير من الانسحابات والاستقالات التي لا أزال نادمًا عليها حتى الآن، كل ذلك وأنا لا أزال أبحث عن سر الثقة والتقارب.

إن السبب الرئيس الذي جعلني أتأخر عن معرفة سر ثقة الجنود في قائدهم هو حظ النفس من المنصب، إذ كنت أنظر إلى إخواني في العمل الطلابي نظرة الجنود، وأنا القائد الذي اشتهر بعلاقاته الضخمة مع المسؤولين في المحيط الطلابي وغيرها، هذا الأمر ـ حظوظ النفس ـ عند إدراكي له سبّب مشكلة أكبر وعائقًا لا يمكن تجاوزه، إلا بأمر واحد هو إخلاص العمل لله وتزكية النفس وتطهيرها بما ذكره الله في كتابه وذكَّر به النبي الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم في سنته الشريفة.

بدأت تدريجيًا أعرف سر الثقة بعدما رقًت نفسي قليلا واستهدت قدر ما تستطيع، فمعرفة سر ثقة الجنود والعاملين لم يعد صعبًا، وذلك طبعًا بعد أن عرفت نفسي حالها، فقد أتت ثقة العاملين وإخلاصهم تباعًا بعدما أيقنت بأنه لاحل لهذا الأمر، إلا بالرجوع الى الله وإخلاص العمل لوجهه الكريم، نعم هو ذاك فإن سيدنا أبا بكر – رضي الله عنه – لم يكن له كل أولئك الأتباع والجنود الطائعين لجاهه أو مكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لأنه كان قائمًا بالليل صائمًا بالنهار، يعمل ما يعمله لله ولا يخشى في ذلك لومة لائم، فهو الحنون المسامح، إلا أنه صدح يومًا قائلًا: “والله لأحاربن من فرق بين الصلاة والزكاة”، لقد صدق أبو بكر الله فصدقه، فكان المسلمون له بين الجنود المخلصين والإخوة الناصحين.

لقد وقفت مرات ومرات أستشعر كل خطوة في هذه السنة الماضية، فوجدت أن القيادة بالإخلاص في العمل، وأن ليس كل رئيس قائد، وليس كل قائد رئيس، إنك حين تُخلص عملك لله يكفيك الله الكثير من الأمور والمهارات، ولا تدرك هذا الأمر، إلا حينما تعمل عملًا تبتغي به عرضًا من الدنيا، فهناك تحديدًا تجد الكثير من العوائق التافهة السخيفة كانت تبدو لك من قبل أمورًا تمر عليها مرور العابرين الكرام.

أخيرًا وليس آخرًا، ما ذكرته هنا هو أول ما صادفني كما ذكرت آنفا، فالقيادة ابتلاء من ابتلاءات الدنيا، وهي ابتلاء شديد، وربما كانت أشد الابتلاءات الدنيوية، لأن معها إغراءات كثيرة، تحتاج إلى عزيمة عظيمة لمدافعتها، ففيها شهوة الجلوس على الكرسي، ولذة المال والسلطة ..إلخ، ولن ينجيك من هذه المفاتن إلا استشعار رقابة الله وقوة إيمانك بعدله سبحانه وتعالى، فآمن بالله أيها القائد المؤمن.

وفقني الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد