لقد استحوذ موضوع الحكم الراشد على حيز كبير من الاهتمام لدى الباحثين والأكاديميين، بل وحتى لدى العامة باعتبارها فكرة تثار كل مرة في الأوساط السياسية، والاجتماعية والإنسانية. الشيء الذي يدفع بالحكومات في كل مرة إلى محاولة تناول الفكرة تطبيقيًا سواء بهدف التنمية وتطوير الديمقراطية أو بهدف ذر الرماد في عيون الجماعات الضاغطة أو حتى تكيفًا مع المتغيرات الدولية التي لم يعد بينها وبين الأوضاع والتقلبات الداخلية حاجز.

ساهمت العديد من الأسباب في تناول النظام الجزائري لفكرة الحكم الراشد

أسباب سياسية: عولمة القيم الديمقراطية والإنسانية مع مطلع القرن الواحد والعشرين وانتشار رهيب للمعولمات بإيعاز من المنظمات الحكومية منها وغير الحكومية، هيمنة مفهوم الدولة الأمنية أو الدولة البوليسية مع نهاية القرن العشرين بالإضافة إلى عجز المؤسسات الإدارية عن اشباع حاجيات المواطن حتى التقليدية منها.

أسباب اقتصادية :العجز المكشوف للدولة في الكثير من المجالات على غرار الأزمات المالية، بل أحيانًا حتى في صعوبة صياغة قانون للمالية مطابق للمعايير والاحتياجات، كما التمست الدولة الدخول في الليبرالية الاقتصادية وما ينجم عن ذلك من نتائج كالاهتمام بالقطاع الخاص وإشراكه في النهوض بالاقتصاد.

أسباب اجتماعية: ببروز أشباح عديدة مثل الفقر المتزايد وضعف القدرة الشرائية، البطالة المخيمة، المقارنات الاجتماعية بفعل الهجرات المستمرة للكفاءات، حيث لم يعد هدف المواطن الأكل والشرب فقط، بل تعداه إلى مطالب اجتماعية أرقى من ذلك.

إن معالجة الفكرة أكاديميًا تدعونا للتطرق لمقومات الحكم الراشد أو الأسس النظرية التي يقوم عليها مثل الشفافية، المساءلة، سيادة القانون … كل هذه الركائز إذا ما أجرينا تحقيقًا بسيطًا أو عملية إسقاط على الواقع في الجزائر في الحياة السياسية والاجتماعية نجد أن ذلك بعيد كل البعد برغم المحاولات الحكومية التي لا تعدو أن تكون ملفات إعلامية موجهة للاستهلاك.

وإذا تناولنا الفواعل التي اعتمدتها الجزائر لتكريس الحكم الراشد ممثلة في: الحكومة، القطاع لخاص، المجتمع المدني. نخلص إلى أنها مجرد أجندات معدة مسبقًا أو محكوم عليها بالفشل بالنظر إلى سياقات تشكيل هذه الفواعل.

أولًا: الحكومة: إن الفوضى والدوغمائية التي تسير بها الحكومة صارت أوضح مما كانت عليه سابقًا، فصار بالإمكان أن يستشف الأمر حتى بالنسبة للفئة الباحثة الوسطى فما بالك بالفئة الأكاديمية المحيطة بكل القضايا تحليلًا وإحصاءً واستشرافًا، وقد رسمت أزمة النفط مؤخرًا وقضايا الفساد الكبرى المثارة أمام العدالة صورة واضحة لتدهور دور الحكومة باعتبارها فاعلًا أساسيًا أو رئيسيًا في تطبيق فكرة الحكم الراشد.

ثانيًا: القطاع الخاص: إن المفهوم السائد حول القطاع الخاص الآن هو الطبقية القائمة على فئتين: فئة عليا ثرية مقدمة لدى النظام السياسي ومبجلة عنده انطلاقًا من خلفيات سياسية أيضًا، وفئة قابعة في أسفل السلم لا اختلاف بينها وبين الطبقة الكادحة اجتماعيًا سوى الشكل. إن قطاعًا خاصًا كهذا لا يمكن أن يرجى منه أن يكون فاعلا في الحكم الراشد ولا في التنمية، فهو لا يعدو أن يكون إقطاعًا في صورة منمقة.

ثالثًا: المجتمع المدني: قائم على على الجمهور والهيئات الممثلة له، فاستحوذ النظام السياسي علي الجمهور بفكرة الإلهاء التي صارت تقليدًا ملازمًا سواء بالقنوات الإعلامية أو بأفكار يصنعها النظام السياسي ذاته يسوقها ويروجها إلهاءً للجمهور كما يحدث كل مرة عند الحديث عن صراعات داخل السلطة أو داخل بيت الحزب العتيد. والهيئات الممثلة للمجتمع المدني من المنطقي بل من البديهي أن يختارها النظام تبعًا لما يخدم السياق الذي تختاره الحكومة حتى أن بعض منظمات المجتمع المدني صارت تطبق نفس النهج السلطوي. فلا يمكن البتة أن نرجو أو ننتظر مساهمة في تطبيق الحكم الراشد، على الأقل في الوقت الراهن وإن كانت المؤشرات لا تنبئ بخير.

إن آليات الانتقال إلى الحكم الراشد في الجزائر ولئن ظهرت في شكلها النظري إلا أن الجانب التطبيقي منها لا يمكن أن ننتظر منه شيئًا في الوقت الراهن، ومستبعد على المدى المتوسط، فالمؤشرات والفواعل السابق ذكرها تقدم الصورة للجميع في أوضح معانيها وتطرح تساؤلات من الصعب تفسيرها على الأقل حاليًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد