مقدمة

في عصر الثورة الصناعية الرابعة، أدى التقدم التكنولوجي الحديث في فضاء الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence إلى تغيير روح المبادرة والنمو الاقتصادي بشكل كبير. تناقش هذه المقالة دور ريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي في ابتكار منتجات جديدة، ومساهمتها في إعادة تشكيل مستقبل النمو الاقتصادي.

تعود جذور هذه الفكرة السابقة إلى القرن الماضي في كتابات العالم الاقتصادي المعروف جوزيف شومبيتر Joseph Schumpeter والذي أكد الدور المهم الذي تلعبه أنشطة ريادة الأعمال في النمو الاقتصادي؛ إذ إنه أطلق على رواد الأعمال المبدعين “وكلاء التدمير الابداعي«Economic agents of creative destruction». يوضح شومبيتر أن هؤلاء «الوكلاء» يعملون على تدمير الأسواق الحالية عن طريق إنشاء أسواق مستحدثة بمنتجات وخدمات وابتكارات تكنولوجية جديدة، تقدم قيمة مضافة أعلى من الذي توفره الشركات القائمة. هناك العديد من الأمثلة الواقعية لهذه النظرية، والتي يمكنك عزيزي القارئ أن تراها بوضوح في تطور صناعة الهواتف النقالة، وكيف أن شركة عملاقة مثل نوكيا تهاوت سريعًا أمام منتجات مبتكرة من أبل وسامسونج. خلافًا لنظريات النمو الكلاسيكية، خلُص شومبيتر إلى أن التدمير الإبداعي هو المصدر الرئيسي للنمو الاقتصادي.

في الآونة الأخيرة، حظيت كل من روح المبادرة والذكاء الاصطناعي باهتمام واسع النطاق؛ بسبب أنه يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع عملية أنشطة ريادة الأعمال مباشرة، وبالتالي تحسين أداء المشروعات الريادية والنمو الاقتصادي. لذلك، سنحاول في هذه المقالة استقراء التأثير المحتمل لريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي.

دور الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال في النمو الاقتصادي

كما ذكرنا آنفًا، فإن رواد الأعمال المبدعين هم «وكلاء التدمير الإبداعي». في حين أن المخترعين يبتكرون أفكارًا جديدة، فإن رواد الأعمال يعملون على تحويل هذه الأفكار إلى مشروعات تجارية ناجحة. لذلك عادة ما نرى رواد الأعمال يقومون بعدة وظائف في آن واحد، مثل الدخول إلى أسواق ناشئة، تطوير نماذج أعمال مبتكرة، اختراع سلع جديدة للعملاء، أو إنشاء تقنية إنتاج حديثة.

في حين أن الثورة الصناعية الرابعة ما تزال في مراحلها الأولى، يجب على رواد الأعمال مواكبة التكنولوجيا الحديثة لضمان استمرارية ربحية الشركة. ذلك لأن تكلفة التكنولوجيا أصبحت أرخص كل يوم، وبالتالي ستظهر إبداعات تكنولوجية أسرع تعمل على زعزعة المنظومة الصناعية الحالية. تماشيًا مع التحولات التكنولوجية السابقة مثل المحركات البخارية والكهرباء وأشباه الموصلات، يعد الذكاء الاصطناعي أحدث شكل من أشكال الأتمتة Automation والتي ستسبب اضطرابات تكنولوجية كبيرة في الأسواق. في هذا السياق، يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي بأنه «قدرة الآلة على تقليد السلوك البشري الذكي».

تشير الدراسات الحديثة إلى أن «ثورة الذكاء الاصطناعي» هي التحول الأهم في مجال ريادة الأعمال والإنتاجية الاقتصادية. في هذا الصدد، ترغب معظم الشركات في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات لإنتاج كمية هائلة من المنتجات المبتكرة، والتي تعمل على تطوير نمط معيشي أعلى للمجتمعات.

لذلك، من المرجح أن تسهم ريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي من خلال آليتين أساسيتين. سيكون التأثير الأول للذكاء الاصطناعي هو خفض تكلفة المنتجات والخدمات التي تعتمد على التنبؤ Prediction، والذي يُعرف باستخدام البيانات اللازمة لاتخاذ قرارات تجارية أفضل. هذا مهم؛ لأن انخفاض سعر المدخلات الإنتاجية مثل التنبؤ سيؤثر في الصناعات الكبيرة، مثل الزراعة، والنقل، والرعاية الصحية، والبيع بالتجزئة، وإنتاج الطاقة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض تكلفة المعرفة اللازمة لرواد الأعمال الطموحين، من خلال تقديم طرق أرخص وأسرع وأكثر فاعلية لتحديد المعلومات، وفرزها، واكتسابها، ومعالجتها. علاوة على ذلك، يمكن أن يقلل الذكاء الاصطناعي من تكاليف عملية البحث والابتكار من خلال الاستفادة من التفاعل بين مجموعات البيانات الكبيرة Large datasets، وخوارزميات التنبؤ المحسنة Enhanced prediction algorithms.

هناك جانب آخر محتمل للذكاء الاصطناعي هو طريقة تفاعل المستهلكين مع الشركات. قد تسمح تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمستهلكين بتقليل تكلفة البحث والعثور على المزيد من المنتجات والخدمات المخصصة التي يريدونها. هذا سيساعد عددًا أكبر من الشركات الناشئة على خدمة العملاء بكفاءة أفضل.

نتيجة لذلك، تخبرنا النظرية الاقتصادية بأنه عندما تنخفض تكلفة التنبؤ باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، ستعمل على زيادة الطلب لمثل هذه التطبيقات من قبل رواد الأعمال.

الآلية الثانية التي من المتوقع أن تساهم فيها المشروعات والذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي هي زيادة الطلب على الحكم البشري Human Judgment. بينما يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين عملية التنبؤ لاتخاذ القرارات، إلا أنها ليست المدخل الوحيد في عملية صنع القرار؛ المدخل الرئيسي الآخر هو الحكم على اتخاذ القرار. يشير مصطلح الحكم إلى «كيفية مقارنة مزايا وتكاليف القرارات المختلفة في المواقف المختلفة». قد تنطوي عملية الحكم على تحديد أولويات الأهداف للشركات، مع مراعاة الأبعاد العاطفية والأخلاقية وما إلى ذلك.

من منظور اقتصادي، يكون الحكم على اتخاذ القرار مكملًا للتنبؤ، وبالتالي، عندما تنخفض تكلفة التنبؤ، يمكن أن يصبح الطلب على مهارات الحكم البشري أكثر قيمة.

في هذا الصدد، يعاني معظم أصحاب المصلحة مثل المستثمرين، والحاضنات، وصناع السياسات في عملية اختيار رواد الأعمال الطموحين بسبب الوقت المحدود وقدرات البحث. غالبًا ما تشتمل عملية صنع القرار لاختيار المشروعات الريادية الناجحة المحتملة على خطوتين. الخطوة الأولى هي معايير الاستحقاق، حيث يجب على رواد الأعمال تلبية الحد الأدنى من المتطلبات للتقدم بطلب لبرنامج الدعم. الخطوة الثانية هي قيام أصحاب المشروعات المؤهلين بإجراء عملية فلترة أخرى لتحديد من يطابق التوقعات والمعايير للانضمام إلى برنامج الدعم. إذا تمكنت أنظمة الذكاء الاصطناعي من تضييق نطاق المرشحين المرغوبين، وتقديم توقعات فعالة في مرحلة مبكرة للمستثمرين، فإن ذلك سيساعد على زيادة الاستثمار في المشروعات الريادية الناجحة. ومع ذلك، يجب على المستثمرين وأصحاب المصلحة الآخرين استخدام خبرتهم ومعرفتهم بشأن الدعم اللازم للأنشطة المختلفة، مثل التمويل، أو الدعم الفني أو الإداري.

يمكن رؤية وجه آخر لأهمية الحكم البشري في المواقف الطارئة مثل الكوارث التي يتسبب فيها الإنسان، والكوارث الطبيعية، والتغيير السياسي، وتدفقات الهجرة السريعة. قد تخلق هذه الأنواع من الأحداث مواقف غير مؤكدة لرواد الأعمال، والتي قد لا يجري التنبؤ بها وإدارتها بكفاءة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

يتجلى ذلك في حالة جائحة كورونا، والتي فرضت العديد من التحديات على صناعة الذكاء الاصطناعي، مثل تتبع انتشار العدوى والتنبؤ بها، والمساعدة في التنبؤ لنتائج التشخيص وأسبابه، والبحث عن العلاجات واللقاحات، واستخدامها في إدارة حركة المجتمع. لذلك، لم يكن تأثير الذكاء الاصطناعي كبيرًا حتى الآن ضد انتشار الفيروس، وستستغرق بعض الوقت قبل أن تكون نتائج تطبيقات الذكاء الاصطناعي مفيدة.

المناقشة والختام

يختلف العصر الجديد للثورة الصناعية الرابعة في حجمه ووتيرته عن الثورات الصناعية السابقة. في هذا الإطار، تشير نتائج الدراسات إلى أن ريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي يحملان وعودًا هائلة في تعزيز النمو الاقتصادي. علاوة على ذلك، قدمت هذه المقالة رؤى لأبعاد عديدة تتعلق بالأفراد والشركات والصناعات والمستهلكين.

باختصار، يبدو أن التأثيرات الحالية والتغييرات المتوقعة لريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي ستكون من خلال آليتين رئيسيتين. أولاً، سيستخدم رواد الأعمال الذكاء الاصطناعي لخفض تكلفة السلع والخدمات التي تعتمد على التنبؤ. ثانيًا، سيستثمر رواد الأعمال أكثر في مهارات الحكم البشري، مثل الإدارة، والذكاء العاطفي والأخلاقي، لاستكمال نتائج التنبؤ لأنظمة الذكاء الاصطناعي.

في حين أن فوائد الذكاء الاصطناعي واضحة نسبيًّا، هناك العديد من التحديات التي تنتظرنا. في هذا السياق، يشعر واضعو السياسات بالقلق من أن تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكل تهديدًا لسوق العمل والنمو الاقتصادي. ومع ذلك، أشار التقرير الصادر عن شركة ماكينزي McKinsey & Company إلى أن ثورة تطبيقات الذكاء الاصطناعي من شأنها أن تقدم تأثيرات إيجابية في مجتمعاتنا واقتصاداتنا. وذلك لأن الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي والروبوتات في أنشطتها التجارية والصناعية ستوفر مليارات الدولارات للبحث والتطوير، وبالتالي تخلق أنواعًا جديدة من الوظائف. في الوقت نفسه، قد يوفر انخفاض تكلفة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي فرصًا جديدة لرواد الأعمال لبدء أعمالهم التجارية وتنميتها دوليًّا؛ نظرًا إلى احتمال تحقيق عوائد أعلى بسبب خفض مصاريف التشغيل، واستهلاك وقت أقل لتبادل أفضل للمعلومات الخاصة بريادة الأعمال.

يمكن النظر في تطبيقات الفكرة الأخيرة على دولة ناشئة كالهند. على الرغم من أن رواد الأعمال يواجهون عقبات في الوصول إلى التكنولوجيا بسبب نقص البنية التحتية التقنية، فقد تمكنوا من التغلب على هذه التحديات وتطوير صناعات مستحدثة. تتمثل هذه الصناعات في السياحة العلاجية، وخدمات تكنولوجيا المعلومات، والتي تتنافس بشكل فعال مع الشركات الأخرى دوليًّا. أصبحت هذه الصناعات الجديدة قادرة على المنافسة عالميًّا من خلال تقديم تكنولوجيا رخيصة ومحدثة، بالإضافة إلى تنمية قوى عاملة عالية المهارة لجذب العملاء والشركات من جميع أنحاء العالم.

لذلك، فإن إحدى الطرق التي يمكن أن يحقق بها صانعو القرار السياسي مستويات أعلى من أنشطة ريادة الأعمال، هي من خلال إنشاء بيئة داعمة لجذب كبار التقنيين في العالم، وتعزيز التقنيات والتقنيين المحليين، وإعادة هيكلة التعليم والتدريب، وإيلاء اهتمام خاص للاستثمار الأجنبي المباشر. Foreign Direct Investments (FDI)؛ ذلك لأن زيادة الوظائف من الاستثمار الأجنبي المباشر يعمل على تشجيع رواد الأعمال في إنشاء شركات تكنولوجية منافسة على المدى الطويل.

بالإضافة إلى التهديدات المحتملة لزيادة معدلات البطالة، هناك تحديات أخرى ناشئة عن تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي. قد تشمل هذه التحديات عدم الكفاءة في تقييم المخاطر التجارية والقرصنة، والأمن السيبراني، والمعضلات الأخلاقية وغيرها. وبالتالي، يمكن أن تؤدي هذه التحديات السابقة إلى اتجاهات مثمرة للبحوث المستقبلية لفهم أفضل لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي ومدى إمكانية تعطيلها للصناعات المختلفة. أخيرًا، يجب إجراء خطوط بحث مستقبلية لاستكشاف كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي في الشركات الناشئة والشركات الكبيرة من منظور مزايا التكلفة، وإلى أي مدى اعتمادها على البيانات في أعمالها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد