عقب قيام مظاهرات حاشدة رافضة لحكم القذافي في ليبيا سنة 2011، دام 42 سنة، سارع النظام الليبي إلى مواجهة تلك المظاهرات بالسلاح؛ مما أدى إلى اندلاع حرب ضروس بين المجلس الانتقالي المتكون من منشقين عن نظام القذافي من جهة، وقوات وكتائب القذافي من جهة أخرى.

أوزار تلك الحرب الطاحنة، لم تزل ليبيا تعاني منها إلى يومنا هذا، بل اندلعت بها حروب وحروب، بينا ثوار ليبيا أنفسهم، فانقسم البيت إلى بيتين، والدولة إلى دولتين. وعقب الحرب المندلعة في ليبيا بين المعارضة والنظام سنة 2011، سارعت جامعة الدول العربية إلى فتح قنوات اتصال مع المعارضة الليبية، ممثلة في المجلس الوطني الانتقالي، فما هو دور جامعة الدول العربية في الأزمة الليبية؟

لقد كانت دعوة جامعة الدول العربية لفرض حظر جوي على ليبيا، والتواصل مع المعارضة هناك، أولى إرهاصات الدور الذي ستلعبه الجامعة في إسقاط نظام العقيد معمر القذافي، وفي الحرب بين الفرقاء في ليبيا بعد ذلك، فلم تجد الجامعة إلا خيار التدخل لحلحلة الوضع في دولة عضو، فكان موقف الجامعة غير معتاد وخارج عن النهج التقليدي الذي تتبعه الجامعة في التدخل في شؤون دولة عربية، وظن الجميع أن الجامعة تحررت من جمودها التقليدي، فكان موقف الجامعة معارضًا لنظام الحكم في ليبيا، وسارعت إلى تجميد عضوية ليبيا في الجامعة للضغط على نظام العقيد معمر القذافي.

دور جامعة الدول العربية في الأزمة الليبية عقب اندلاعها تراجع بشكل ملحوظ بعد أكثر من تسع سنوات من الحرب الضروس في دولة نفطية تحوي على أراضيها ثروات كثيرة.

تراجع دور الجامعة في الآونة الأخيرة في ليبيا، أحدث فراغًا كبيرًا وفتح المجال أمام الدول العربية وغير العربية لسد ذلك الفراغ، وكم كانت كثيرة تلك المبادرات بالرغم من عدم فعاليتها على الأرض. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر اتفاق الصخيرات والتفاهم الروسي التركي ومبادرة الجزائر، وتونس، ومصر، وغيرها من الدول التي لها مصالح في ليبيا، بل ذهبت دول بعينها إلى دعم طرف بعينه عسكريًا وسياسيًا؛ مما أنتج طرفي صراع الطرف الأول؛ يتمثل في خليفة حفتر وقيادته للمنطقة الغربية في ليبيا بدعم علني من مصر، وروسيا، وفرنسا، والإمارات، من جهة والطرف الثاني المتمثل في؛ فايز السراج وحكومة الوفاق المتمركز في العاصمة طرابلس، والمسيطرة على جزء من شرق ليبيا بدعم تركي.

وفي ظل تلك التطورات تراجع دور الجامعة العربية في حل الأزمة الليبية؛ فأصبح تأثيرها لا يتعدى بيانات استنكار، وتنديد، ووعيد دون فعالية على الأرض.

الدور المتذبذب الذي تلعبه الجامعة العربية التي أنشئت سنة 1945 أصبح يقلق الدول الأعضاء فيها، وتعالت أصوات كثيرة بضرورة إصلاح عميق داخل الجامعة العربية وضرورة لعب دور الوسيط لا دور الداعم لطرف نزاع في الأزمات العربية المتلاحقة، فنتيجة لتراجع دور جامعة الدول العربية وكثرة التدخلات الخارجية في المنطقة العربية، وتراجع إنجازات الجامعة بسبب خلفيات معينة عقدت اجتماعات عربية لهذا الغرض. فالجزائر بدورها هاجمت جامعة الدول العربية، ودعت إلى ضرورة الإسراع في إصلاحها وإخراجها من بوتقة التجاذبات الداخلية، واتهامها بالتواطئ ضد بعض العرب، وتحميلها مسؤولية أحداث ليبيا الحالية.

دور الجامعة العربية في الأزمة الليبية شهد تذبذبًا ملحوظًا على جميع المستويات، فمن دعم الجامعة للثوار في ليبيا ودعوتها للقذافي بالتنحي، تلاشى هذا الدور مع مرور الزمن؛ مما فتح المجال أمام دول أخرى عربية وغير عربية للتدخل في ليبيا؛ مما اعتبره بعض المحللين تملص الجامعة من مسؤوليتها في ليبيا خاصة أنها ساهمت في الإطاحة بنظام العقيد القذافي. أما دورها في الحرب بين حفتر والسراج فتقف الجامعة موقف المتفرج أمام الحرب في ليبيا.

معالجة الجامعة للأزمة الليبية وغيرها من الأزمات المتلاحقة في العالم العربي، لم يكن منطقيًا ولا فعالًا، فمؤكد أن هناك دولًا كبرى تحاول تقييد وتوجيه تأثير الجامعة ضد بعض الدول العربية باستخدام دول عربية بعينها؛ مما يؤكد على ضرورة الإصلاح الشامل والفعال لدور الجامعة في المنطقة العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد