عزيزي القارئ عند قراءتك هذا المقال أعتقد أنه ستكون قد مرت أيام قليلة على “التسريبات” التي أصابت قيادات الدولة ورعاتها وأولو الأمر فيها، وأعتقد أنك ستجد أن التسريبات قد جفّت باستخدام “حفاضات” لمنع التسرب، والمقصود هنا بـ”الحفاضات” هي حنكة الدولة المصرية في “امتصاص” المواقف الصعبة، واستخدام تلك الطاقات في توليد عقوبات جديدة لمكافحة “الإسهال” الذي طفح في مصر، أو “الإرهاب” بمعنى أدق.

أنا لن أخوض في الحديث عن التسريبات التي ظهرت على بعض القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي تقريبًا قد وصلت إلى مرأى ومسمع كل إنسان عاقل بالغ، فقد صدر بيان من النيابة العامة يكاد يحذرنا من النظر إليها وكأنها “عبوات ناسفة” يجب التعامل معها بحذر أو أخطر من ذلك، وأنا حتى لا أحتاج أن أناقش ما ورد فيها فقد قتل “رغيًّا” من جهة و”ردحًا” من جهة أخرى من الأطراف المتصارعة على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

ولكني أود أن أتكلم وأن أناقش معكم بيان النيابة العامة المصرية، فبذلك أكون قد خرجت من أعظم مأزقين يهددان أي شخص يحاول الاقتراب من المنطقه القضائية المحظورة المحاطة “بأسلاك شائكة لمنع الأهالي من النظر للداخل” والتي تتكون من، إما إنه لا يجوز التعليق على أحكام القضاء، أو ترويج الفتن والشائعات، وبالتالي لا أكون تحت طائلة القانون كما أخبرنا النائب العام.

 

في الجزء الأول من البيان نجد “تحذيرًا” بأن النيابة العامة تقوم بأعمال رصد للقنوات والمواقع والأكاذيب حتى إنه قد تحرك بداخلي شعور بالخوف من احتمالية أن يكونوا قد رصدوا إحدى كذباتي على أمي وأنا طفل صغير، وما فهمته من الجزء الأول من البيان أن النيابة العامة قد افتتحت فرعًا جديدًا يمكن أن نطلق عليه اسم “مكتب رصد الشائعات” أو “شايفنكم” تيمنًا باسم أحد الحركات التي ظهرت منذ فترة ضد “التحرش”، وهذا الأمر أيضًا يعد تحرشًا “ضد الدولة وأعمدتها وقضائها الشامخ، ويهدف للنيل من أمن الوطن والمواطن واستقراره”، تلك الجمل مقتبسة من نشرات الأخبار وخطابات الوزراء والمسؤولين، وقد قررت أن أستخدم الصياغة الخاصة بهم لتعبر عن حالة البيان، وستبدأ النيابة العامة بأجهزتها المستحدثة في المقال هنا بالبحث عن الجناة والمتورطين والمشاهدين، ومن فكر في أن يشاهد التسريبات، حتى إن أحد الأشخاص أنا على علاقة جيدة به، عرضت عليه أن يرى التسريبات لأعرف رأيه، إلا أنه “رفض بشدة” بعد صدور بيان النيابة العامة.

 

في الجزء الثاني من البيان نجد أن لجان النيابة العامة التي تشكلت في الجزء الأول من البيان قد توصلت إلى نتائج هامة جدًّا حيث إن “التفسير القانوني” لكلمة “الجهات الخارجية” لا يعني تمويل من دول أخرى أو أصحاب مصالح أو ما شابه ذلك، بل فاجأنا البيان بأن الجهات الخارجية تعني “قنوات فضائية مغرضة ومواقع مشبوهة على شبكة المعلومات الدولية الإنترنت” حسب البيان.

أيضًا فهمنا من البيان أن شبكة المعلومات الدولية تعني الإنترنت، ويبدو أني سأتجه لتعلم استخدام التكنولوجيا عن طريق دراسة بيانات النيابة العامة، وتبين للنيابة بعد البحث طوال الليل وحتى صدور البيان بأن تلك “الجهات الخارجية تعمل لصالح” الجماعة الإرهابية” وتقصد جماعة الإخوان المسلمين والتي لم يصدر ضدهم حكم قضائي بوصفهم جماعة إرهابية حتى الآن، ولكن هذا ما قيل بأن تلك الجماعة وراء ذلك، والسبب “التأثير على القضاة الذين ينظرون الدعاوى الجنائية الهامة ضد عناصر الجماعة الإرهابية” وكأن عناصر الجماعة الإرهابية قد حصلوا على “براءات” مثلاً في التهم الموجهة إليهم، وكأن لم يحصل كل منهم على تشكيلة من العقوبات بالإعدام والمؤبد والغرامات، يبدو أن القضاة كانوا في غاية الرحمه وذلك بسبب “خوفهم” من “البلل” الناتج عن “التسريبات”.

 

في حقيقة الأمر لم أتفهم كيف تبين للنيابة العامة قبل أن يفتحوا “تحقيقًا موسعًا” كما ذكر في البيان أن يكونوا على يقين بأن أعضاء الجماعة “الإرهابية” على حد وصفهم هم من قاموا باستخدام “أذرع إعلامية” إلا في إحدى حالتين لا ثالث لهما، وهما: إما أن يكون قد كشف عن النائب العام “الحجاب” ويرى الغيب، وإما مثلاً هو يحدثنا عن وجهة نظره الشخصية، أما دون ذلك فلا أعتقد أن رجلاً قانونيًّا وقضائيًّا في هذا المنصب الرفيع يقوم بإلقاء التهم جزافًا حسب ما يترأى له.

 

ثم يؤكد البيان على “التحذير” من إذاعة أو نشر أو تداول الأخبار الكاذبة التي تثير الفتن، وأعتقد أنه كان في حاجة إلى إضافة “وتعاطى أو التفكير” حتى تتماشى مع سياق الكلمات السابقة، وفي النهاية كلها معاقب عليها بموجب قانون العقوبات حسب البيان.

 

في الجزء الأخير من البيان تبين لي أنه قد تم استحداث “قسم نفسي” وقسم “العمليات الخاصة”، فالأول اكتشف أن تلك المحاولة “يائسة” وهو ينظر هنا إلى الدافع النفسي لمرتكبي الجريمة، والثاني من سيتصدى للجرائم، فلا حاجة لنا للأجهزة الأمنية الأخرى طالما أن النيابة العامة قادرة بأجهزتها الجديدة على تنفيذ مهامها.

 

تركت إحدى العبارات الواردة في منتصف البيان لآخر المقال لأناقشها على انفرد “تؤكد النيابة العامة بأنها تباشر عملها في التحقيق في القضايا الجنائية باستقلال تام ونزاهة وعدالة دون التأثر بما يدور بين أصحاب التيارات السياسية المختلفة، ويبدو أنك عزيزي القارئ أول ما سيتبادر لذهنك بعد تحديد البيانات أن “الجماعة الإرهابية” هي التي لفقت “التسريبات” وأنها محاولة “يائسة” وأن النائب العام نفسه لا يبدو من البيان أنه ومساعديه أحد المخاطبين “بالتسريبات”، ستجد أنك أمام بيان حزبي من الدرجة الأولى، حتى إن بيانات الأحزاب تكاد تكون محايدة أكثر من ذلك.

 

طبعًا لن أخوض كثيرًا في جهاز “الصوتيات” التابع لمكتب النائب العام، والذي تمكن على الفور من التأكد من “تلفيق” التسريبات.

 

وفي النهاية أنا حتى لا أفهم لما ستقوم النيابة بفتح تحقيق موسع في الموضوع إذا كانت من مجرد سماع التسجيلات قد توصلت إلى كل تلك المعلومات البالغة في الدقة والأهمية، وفي كل الأحوال هم يقومون بإصدار تصريحات بالقبض على أعضاء الجماعة “الإرهابية” دومًا فما الجديد؟، لقد أسفت بعد قراءة البيان أكثر مما وجدت في “التسريبات” الملفقة طبعًا، لأنه وعلى أية حال فالتسريبات تتحدث عن عمل تم في الخفاء، أما البيان فهو عمل مدروس ومتعمد كتابة كل كلمة وحرف فيه ويخرج على هذه الحال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد