ما هو فن توجيه العقول؟

هو دراسة كيف يقوم الناس بالتفكير واتخاذ قراراتهم ومن ثم تنفيذ مجموعة من الخطط الإقناعية لإيصال رسالتنا بشكل يسهل استقباله من قبلهم.

ويعتبر الإقناع عملية تغيير أو تعزيز المواقف، أو المعتقدات أو السلوك. وتنقسم استجابتنا لرسائل الإقناع إلى قسمين هي بعد التفكير ودون التفكير، فعندما نكون مفكرين ننصت بكل عناية لما يقوله المقنع، ثم نقوم بدراسة ميزات ومساوئ كل زعم وننتقد الرسالة من حيث منطقيتها وتوافقها، وإذا لم يرقنا نقوم بطرح الأسئلة ونطلب مزيدًا من المعلومات، وحينما نكون مفكرين يتحدد مدى إقناع الرسالة على حسب وقائع الحالة.

أما حينما نستجيب للرسائل دون وعي، فإن عقولنا تكون مستعدة لتقبل الاقتراحات والتوجيهات كلوحة فنية ليأتي الفنان ليضع أفكاره فيها، إذ عقولنا تكون مغلقة بصورة آلية ولا يكون لدينا الوقت والحافز والقدرة على الإنصات بحرص، لذا فإننا بدلًا من اعتمادنا على الحقائق والمنطق والدليل في اتخاذ الحكم نقوم باختصار ذهني، ونعتمد على غرائزنا لتمنحنا مفتاح الإجابة.

ولنأخذ إحدى المحاورات التلفزيونية بين رجلين من السياسة كمثال، فإذا كنت في حالة تفكير فإنك ستقوم بالإنصات بكل عناية لكل من الطرفين، ثم تحكم بناء على مناقشة القضايا ونوعية الدليل.

أما إن كنت في حالة اللاوعي، كما لو كنت مشاهدًا أثناء اصطحاب أصدقائك، فإنك تعتمد على الدلالات الصغيرة. والإيعازات التي تؤثر علينا في جميع المواقف المشابهة لهذا هي: جاذبية المتكلم، وردود انفعالات أصدقائنا والمرح والغبطة أو الألم المرتبطون بقبول أدلتهم.

الأسلوب الأمثل لإقناع الناس يبدأ من معرفة كيف يفكر الناس، هذا ما استطاع الكثير من الأطراف فهمه واستغلاله في خلق نفوذها وبناء حقائق مزيفة تخدع بها عقول الملايين من الناس.

يعتبر فن توجيه العقول هو مجموعة من التقنيات والطرق النفسية وسوف نتطرق في هذا المقال إلى أهمها.

السلطة العليا

اختبار ملغرام

اختبار ملغرام اختبار مشهور في علم النفس الاجتماعي يعنى بدراسة مدى الانصياع للسلطة. كان ستانلي ملغرام أول من شرحه في مقالة تحت عنوان دراسة سلوكية للطاعة عام 1963، ومن ثم وبشكل مطول قدمها في كتاب نشر عام 1974 تحت عنوان الانصياع للسلطة. كان الهدف من الدراسة قياس مدى استعداد المشاركين لإطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم. أراد ملغرام من الاختبار أن يجيب على السؤال التالي: هل يعقل أن دور الجنود الذين نفذوا الهولوكوست لم يتعد تنفيذ الأوامر؟ هل يمكن أن يكونوا شركاء في الجريمة؟

يقول ملغرام: النتائج كما تابعتها في المختبر، مقلقة، إنها ترجح أن الطبيعة البشرية غير جديرة بالاعتماد عليها لتبعد الإنسان عن القسوة، والمعاملة اللاإنسانية، عندما تتلقى الأوامر من قبل سلطة فاسدة. نسبة كبيرة من الناس مستعدون لتنفيذ ما يؤمرون دون أخذ طبيعة الأمر بعين الاعتبار، وبدون حدود يفرضها الضمير، ما دامت الأوامر صادرة عن سلطة شرعية.

اختبار سجن ستانفورد

اختبار سجن ستانفورد هو دراسة نفسية هامة عنيت بالاستجابات الإنسانية، واهتمت بالظروف الحقيقية لحياة السجن. تم إجراء الاختبار في الفترة ما بين 14 إلى 20 أغسطس 1971 تحت إشراف فريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو من جامعة ستانفورد. وقد قام بأداء دور الحراس والسجناء متطوعون وذلك في بناء يحاكي السجن تمامًا، إلا أن التجربة سرعان ما تجاوزت حدود السيطرة وتم إيقافها باكرًا. وكثيرًا ما أحيطت هذه التجربة الشهيرة بشكوك من وجهة نظر أخلاقية وشبهت باختبار ملغرام.

يعتبر هذا الاختبار عرضًا لأنماط الطاعة والانصياع التي يبديها الناس عندما يتعرضون لنظام أيديولوجي يحظى بدعم اجتماعي ومؤسساتي. لقد تم توظيف هذا الاختبار لتوضيح وفهم معالم قوة السلطة، وهو كذلك من حيث أنه يدعم فكرة التنسيب المكاني التي تقول إن الوضع أو الواقع هو الذي سبب سلوك الأفراد في الاختبار أكثر من أي شيء موروث في شخصياتهم.

الرسائل الضمنية

بدأت الأبحاث تشير بشكل واضح إلى وجود مستويات متعددة من الوعي عند الإنسان تحدث حتى في حالة النوم أو التخدير الجراحي حيث يمكن للإنسان خلالها أن يدرك أمورًا كثيرة من حوله ويمكن لهذه الأمور أن تؤثر فيه نفسيًا أو جسديًا بشكل غير شعوري. مؤخرًا بدأت تصدر توصيات للأطباء بعدم التحدث عن حالة المريض في حضوره حتى لو كان في حالة التخدير التام لأنه يدرك كل كلمة يقولونها أو أنه يتفاعل لا شعوريًا معها على الرغم من نومه العميق.

جذبت هذه الأبحاث اهتمام جيمس فيساري المتخصص في مجال التسويق والترويج الإعلاني ففي عام 1957 استخدم جهاز تاتشيستوسكوب في إحدى دور السينما في نيويورك، حيث عرضت عبارات مثل:

– هل أنت عطشان؟ اشرب كوكاكولا
– هل أنت جائع؟ كل الفشار.

كانت تلك العبارات تظهر بشكل خاطف كل خمس ثوان ولمدة 300/1 من الثانية على الشاشة أثناء عرض الفيلم مع أن الحضور لم يلاحظوا تلك العبارات الخاطفة خلال مشاهدة الفيلم، وبعد ستة أسابيع اكتشف فيساري خلال مراقبته لعملية البيع في الاستراحة الخاصة لدار العرض أن نسبة مبيعات مشروبات الكوكاكولا والفشار قد ارتفعت بشكل كبير.

بعد هذا الاكتشاف المثير أصبح يتنقل بين المؤسسات الكبرى والشركات التجارية والإعلانية ليعرض عليها فكرته الجديدة التي أسماها الإعلان الخفي.

تناولت وسائل الإعلام هذا الاكتشاف الخطير باهتمام كبير فظهرت معارضة مفاجئة لهذه الفكرة الخطيرة، وأعلن مجلس الشيوخ الأمريكي أنه يجب ضبط هذه الوسيلة الخطيرة، ويجب إصدار قانون خاص يحكم في هذا المجال ويستوعبه من أجل حماية الشعب الأمريكي، لكن بعد فترة من الزمن (1958) ووسط هذه البلبلة الكبيرة ظهر فيساري فجأة على شاشة التلفزيون وبدا شاحب الوجه وكأنه يتلفظ بكلمات مجبورًا عليها، وصرح بأن ما يسمى بالإعلان الخفي الذي ابتكره ليس له ذلك التأثير الكبير على عقول الناس وأن نتائج دراسته كانت مبالغًا بها ثم اختفى دون أن يترك أثرًا!

نظرية التحول

نظرية التحول باختصار هو أنه كلما كثر أتباع فكر معين، سهل إعادة توجيه الجموع، حيث إن الإنسان بالفطرة يبحث دائمًا عن القطيع الذي يمكن أن ينتمي له، وهذا معناه ضعف إيمانه بانتمائه وهذا ما يجعل أتباع فكرة أخرى أصغر، قادرين على تغيير القناعات الخاصة بأصحاب الفكرة الأولى.

وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة.

سلوك القطيع في المجتمعات البشرية

أجريت العديد من البحوث على الأشخاص لفهم تصرف البشر في الجماعة الواحدة عندما يقومون بالتصرف بسلوك متشابه في نفس الوقت أي ما يعرف بـأخلاق القطيع أو سلوك القطيع، فوجدوا أنه في الجماعة الواحدة يميل الأشخاص الأقل مركزًا أو الأقل تأثيرًا في الجماعة إلى التصرف بسلوك من هم أعلى مركزًا أو أحسن حالة وظيفية أو اجتماعية. ومن أشهر الأمثلة على سلوك القطيع في المجتمعات البشرية: سلوك الأشخاص في سوق الأسهم وأثناء المظاهرات، وأثناء اتخاذهم للقرارات الروتينية.

مبدأ الندرة

يعني أن أثير رغبة الناس من خلال الإيحاء بأن هذا المنتج (المطلوب بيعه) قرب على النفاد.

القدرة على الاختيار تمثل لدينا شعورًا بالحرية والسيطرة على عالمنا، وعندما يصبح شيء ما نادر الوجود نتوقع أننا سنندم في المستقبل إذا لم نحصل عليه الآن! لذلك فنحن نريد المزيد منه، ورغبتنا تتضاعف إذا اعتقدنا أن شخصًا ما سيحصل عليه بدلًا منا وسيمنحه هذا مستوى اجتماعيًا أفضل منا.

ففي عام 2003 أعلنت شركة الطيران البريطانية أنها ستغلق رحلات الكونكورد اليومية من وإلى نيويورك بسبب مشاكل اقتصادية، في اليوم التالي لوحظ ارتفاع رهيب في مبيعات تذاكر الكونكورد.

ويؤخذ في الاعتبار أنه لم يتغير شيء في الخدمة ولا في سرعة الطائرة ولم يتم خفض سعر التذكرة أيضًا! لكن السبب هو أنها أصبحت في ذهن الناس «موردًا نادرًا» لذلك أراد الناس الحصول على المزيد منها.

إذن فالأمر بسيط، إذا كنت ترغب في استخدام مبدأ الندرة في الإقناع، فإنه ليس كافيًا أن تذكر أهمية هذا الشيء في حياة الناس وما الذي يجعله مميزًا وفريدًا، يجب عليك أن تذكر أيضًا ما الذي سيخسرونه إذا فشلوا في الحصول عليه؟

افتراض التأكيد والتوسيع

طريقة سحرية تجعل الناس يقتنعون بكلامك بسهولة.

وهنا أقوم بالتأكيد على ما يؤمن به الشخص الآخر ثم أضيف عليه الأفكار التي أريد إقناعه بها، سيجعل هذا الشخص الآخر يتوافق معي في النهاية، أما إذا قاومته فسيقاومني طوال الوقت.

انظر إلى تلك الحمامة

هو أسلوب توجيه انتباه الناس أو الشخص إلى شيء آخر أكبر من أجل تمرير فكرة أخرى أقل في التأثير.

من ضمن النماذج أن يذهب ولد إلى أمه فيقول لها إنه قد حدث له حادثة، فتخاف الأم بشدة فيخبرها أنه يمزح وأنه قد فشل في الاختبار وحسب فتهدأ الأم لأن الفشل في الاختبار أقل حدة.

يتم استخدام هذا المبدأ بشكل فردي أو جماهيري.

كسر الشخصية

عملية إيصال الشخص للنقطة صفر عن طريق مهاجمة رموز المنظومة التي ينتمي لها الشخص وإثبات أخطائهم، فيكره الشخص الرموز ومن ثم يرفض المنظومة ويصبح مستعدًا لتصديقك والاقتناع بما لديك.

يتأثر سلوك الناس بالانفعالات

ما نقرره في حالة محايدة شعورية، يختلف عما نقرره في حالة الإثارة العاطفية والإنسان يتصرف بشكل مختلف تحت تأثير الإثارة.

يتم توجيه عقول الناس من خلال إدخالهم في حالات مختلفة ومن ثم تلقينهم القرارات الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب وقع لا عقلاني، القوى الخفية التي تشكل قراراتنا‎ لدان آريلي
كتاب فن الإقناع لهاري ميلز
غريزة القطيع – موسوعة المورد، منير البعلبكي، 1991.
عرض التعليقات
تحميل المزيد