لم يبقَ التعامل مع المال مقتصرًا على التداولات اليومية التقليدية بين النّاس، أو تلك التي تحتاج إلى عمليات مالية كثيرة وأحيانًا شبه معقدة، كالمستخدمة بين الشركات أو في الاستيراد والتصدير عبر الحدود، ومهما كان المجال الذي ستوظّف فيه الأموال أرى أنه صار من اللازم على كل إنسان إدراك جميع الأبعاد المتعلقة بالمال، كطبيعته، وكيفية التعامل معه، وإدارته بأفضل طريقة تتوافق مع حاجاته ورغباته، ومن هنا تظهر قاعدة من أهم قواعد علم المال ومفاهيمه؛ وهي (الثقافة المالية) التي بات لها دور أساسي في التعليم، كما امتازت بتحقيقِ نتاجات تعليمية إيجابية ومؤثّرة وفعّالة.

الثقافة المالية

تعتبر الثقافة المالية من الضرورات التي يلزم فهمها جيدًا، فهي بطبيعة الحال موجودة في حياتنا؛ حتّى لو لم نصرح بوجودها أو نشعر بتطبيقها البديهي ضمن عاداتنا اليومية، كما أنها تشكّل مع مرور الوقت جزءًا من ثقافتنا العامة، أمّا بالنسبة لمفهوم الثقافة المالية فلا يوجد مفهوم واحد فقط يُعبّرُ عنها، بل تتنوّع وتتعدّد تعريفاتها ومفاهيمها، باختلاف العناصر والمكوّنات والأدوات المستخدمة في الحيز الذي تُطبّق فيه، فالثقافة المالية بالنسبة للأفراد في المنزل تختلف عن تلك السائدة في الشركات، والثقافة المالية بمفهومها العام هي الفكر الإنساني المتعلق بالمال، وتعرف كذلك بأنها مجموعة الممارسات والوسائل التي تنظّم التصرفات المالية للأفراد والجماعات وتتحكّم فيها، وتزيد من وعيهم المالي، وفقًا لدخلهم ومصادره، وكيفية إنفاق مصروفاتهم، بما يحقق لهم اكتفاء في حاجاتهم ورغباتهم.

الثقافة المالية عبر التاريخ

بعد اكتشاف المال وتحوّله إلى عنصرٍ أساسي في الحياة، ازداد اهتمام البشر بدراسته، والتعرف على أشكاله، ومراحل تطوّره، وكيفية استثماره وادخاره؛ بصفته المحور الذي تدور حوله تقريبًا جميع مظاهر حياتهم منذ ولادتهم إلى وفاتهم، ومن هنا لم يظلّ دور المال محدودًا في أن يكون وسيلةً للتبادل والبيع والشراء، بل تحوّل أيضًا لمجموعة من النظريات والمفاهيم والأفكار، والذي شجّع كثيرًا من الفلاسفة والمُفكّرين باتّخاذ خطواتهم الأولى في إعداد وكتابة الدراسات المالية، والتي أصبحت جزءًا من العلوم والمعارف الإنسانية.

درس فلاسفة اليونان، مثل أفلاطون وأرسطو المال وربطوه بالفلسفة، واعتبروه اكتشافًا رائدًا بكافة المقاييس؛ لأنه يُقلل من ثقل نظام المقايضة القديم في العمليات التجارية الفردية والجماعية، ولاحقًا ارتبط المال مع الإرهاصات الأولى لعلم الاقتصاد، والذي كان كذلك جزءًا من الفلسفة اليونانية، ثم شارك علماء الاجتماع في دراسة المال، وهكذا صارت الدراسات المالية تتخذ حيّزًا أكبر في التعليم، لما لها من دور بارز ومؤثّر في كافة النطاقات المحيطة بها، فلم ينفك الفلاسفة والاقتصاديون وعلماء الاجتماع والسياسيون والمُفكّرون عمومًا عن دراسة الثقافة المالية، ووضع النظريات والنماذج، وتأليف المؤلفات التي تبحث فيها.

تعلم وتعليم الثقافة المالية

أرى أن التشعب والتنوّع في المجالات المالية، والتطوّرات المتلاحقة التي ألمّت بعلم المال أدّت إلى انفصاله عن الفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع بصورة ظاهرية، ليصبح علمًا قائمًا بذاته يتم تعليمه ودراسته في عددٍ من الجامعات والمعاهد والمدارس، مع أن (علم المال) بصورته الأولى حافظ على أفكاره المقتبسة من نظريات وآراء الفلاسفة وعلماء الاقتصاد والاجتماع؛ حتّى ظهر عدد من المُفكّرين الذين تفرغوا لدراسة العلوم المالية فقط، والتوقف جزئيًا عن دراسة الفكر الفلسفي وأبعاده، وكلاسيكيات علم الاقتصاد، وأفكار علم الاجتماع، والانتقال إلى مرحلة جديدة من دراسة المال، والتي اهتمت بمواكبة كافة العوامل والعناصر المكوّنة لبيئة الأموال والنقود، ليصبحوا علماء في مجال الثقافة المالية وعلومها.

ساهمت النهضة التعليمية العالمية في علم المال بتشجيع الكثير من الدول على تعليم العلوم المالية، فأُسست المعاهد المتخصصة بتدريس المال وعلومه والتخصصات المرتبطة فيه، ثم أقيمت كليات الدراسات المالية في الجامعات، والتي تمنح درجات علمية متنوّعة تبدأ من الدرجة الجامعية الأولى إلى الدراسات العليا، وشكّلت هذه القفزات النوعية المتتالية في علم المال حافزًا شجّع الكثير من الدول لاتخاذ قرار مهم جدًا بتدريس العلوم المالية داخل المدارس، وجعلها جزءًا من المناهج الدراسية التي تُدرّسُ في عددٍ من المراحل المدرسية، والتي شكّلت بوابة تعليم الثقافة المالية من خلال توفير كافة الوسائل التي تساعد على ذلك، خصوصًا الكُتب الممتازة ذات المحتوى المُحكّم والشامل والمناسب، والذي يُشجّع طلاب المدارس على تعلّم الثقافة المالية، وفهم أساليب استخدام المال وتداوله، وإدراك الوسائل المناسبة للإنفاق على حاجاتهم ورغباتهم، والطرق السليمة للادّخار والتوفير، وبناء ميزانيات مالية شخصية، وإتقان التعامل مع جميع الأدوات المالية المتنوّعة.

أهمية تعلم وتعليم الثقافة المالية

1. تعدّ الثقافة المالية بصفتها منهجًا دراسيًا من الوسائل المهمة لتثقيف الطلاب في كيفية التعامل مع المال، والذي ينعكس على نتاجات تعلّمهم للمهارات التعليمية والحياتية.

2. تنشر الثقافة المالية الفهم الصحيح للخدمات والعمليات والمنتجات ذات العلاقة بالمال، والتي تساعد الطلاب على استخدامها بأفضل الطرق المتاحة لهم.

3. تشجّع الثقافة المالية الطلاب على استخدام الخدمات المالية الإلكترونية، سواء عبر مواقع الإنترنت، مثل الأسواق الافتراضية ومواقع المصارف أو تطبيقات الهواتف الذكية.

4. تدعم الثقافة المالية الإدراك المالي السليم عند الطلاب، لعمليات تداول المال ضمن بيئة تمتاز بالأمان والمصداقية والموثوقية بين أطراف العمليات المالية.

5. تُعزز الثقافة المالية تحمّل الطلاب للمسؤولية أثناء التعامل مع المال، بصفته وسيلة لا غاية، أي يوفّر للإنسان حياة كريمة، ولكن في المقابل يجب عدم المبالغة في السعي وراءه وتحويله لهدف أساسي.

6. تُحفّز الثقافة المالية الطلاب على اكتشاف الطرق المناسبة لكسب المال، والتي تشكّل بدورها مصادر دخل حقيقية وقانونية للأفراد.

7. تساعد الثقافة المالية الطلاب على بناء خُطط مالية شخصية مدروسة، وتجعلهم قادرين على تحقيق التوازن بين مصروفاتهم ومدخراتهم.

يتبع الجزء الثاني.. أساليب تعلم وتعليم الثقافة المالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد