تحدّثتُ في الجزء الأوّل من المقال عن عددٍ من الأفكار المهمة، وبدأت من الثقافة المالية ومفهومها، الذي لا يقتصر على مفهومٍ محددٍ بذاته، بل يمكن أن تُعرف بأكثر من طريقة تتوافق مع طبيعة ونوعية العناصر والمعطيات المكوّنة لها، كما تطرّقتُ إلى نبذةٍ تاريخيةٍ حول المراحل التي أدّت لظهورها وتطوّرها، وصولًا إلى الفكرة الرئيسة من المقال؛ وهي «تعلّم وتعليم الثقافة المالية»، انتهاءً بتوضيح أهميتها التعليمية، والأكاديمية، والاجتماعية، وفي هذا الجزء سيكون الحديث عن بعض من الأساليب التعليمية في تعلّم وتعليم الثقافة المالية، ومقوّمات نجاحها، والنتاجات المنبثقة عنها.

من أساليب تعلم وتعليم الثقافة المالية

لا توجد طريقة واحدة أو أسلوب ثابت لتعلّم وتعليم الثقافة المالية داخل البيئة الصفية، بل إن التنوّع والاختلاف في الأساليب التعليمية مهمٌ ومطلوبٌ جدًّا، ليس فقط في تدريس هذه المادة، إنما في جميع المواد الدراسية، ويأتي ذلك تحقيقًا للتوافق مع التطوّرات اللامتناهية في التعليم، وتعلّم الثقافة المالية يتطلبُ رفدهُ بأحدثِ الأساليب والوسائل والأدوات التعليمية المحفّزة، والجامعة بين خبرات المعلم ومهارات الطلاب المكتسبة من الدراسة والحياة؛ لتحقيق النتاجات المطلوبة، وتاليًا عددٌ من أساليب تعلّم وتعليم الثقافة المالية:

1. التعلم التفاعلي «Interactive Learning»: يستخدم أدوات تعليمية حديثة تُشجّعُ الطلاب للتفاعل مع الحصة الدراسية، عن طريق توفير بيئة تفاعلية مناسبة ومتكاملة؛ تهدف لتعليم الطلاب المهارات والمتطلبات الأكاديمية بأفضل الوسائل والطرق وأكثرها كفاءة، ويشمل التعلّم التفاعلي توظيف تكنولوجيا التعليم الحديثة، من حواسيب مكتبية ولوحية، وأجهزة العرض الرقمي، والوسائل التفاعلية المحوّسبة الذكية، والتي ترافقها الأصوات والصور والفيديوهات الجاذبة.

2. التعلم التشاركي «Participatory Learning»: هو تفعيل الطلاب وتحفيزهم «للمشاركة» داخل الغرفة الصفية أو مكان التعلّم؛ حيث يشارك جميع الطلاب مع المعلم في تنفيذ الحصة الدراسية، وغالبًا يطبّق هذا النوع من التعلّم بتوزيع الطلاب على مجموعات «استراتيجية التعلّم من خلال المجموعات»، أو مشاركة طالب أو أكثر في شرح الدرس لزملائه في الصف «استراتيجية الطالب المعلم»، أو تفعيل الألعاب التعليمية الهادفة التي يشارك فيها جميع طلاب الصف «استراتيجية التعلّم من خلال اللعب».

3. الزيارات الميدانية «Field Visits»: هي من الأساليب التي تزيد من فعالية التعلّم والتعليم، وتُشجّع الطلاب ليكونوا أكثر تجاوبًا مع المحتوى التعليمي؛ إذ سيتعاملون مع مختلف مصادر معلومات الدرس بصورة مادية وملموسة؛ أي يستطيعون التفاعل معها في موقعها، كما تزيد من اهتمامهم وفضولهم لاكتشاف كل معلومة جديدة، وتجعلهم يشاركون في تجربة الخروج خارج حيّز الغرفة الصفية التي قد تشعرهم أحيانًا بالملل، خصوصًا إذا كان من الممكن تطبيق الدرس في مكانٍ آخر أكثر تفاعلية وتشاركية، ويزيد قُرب الطلاب من موضوع الدرس عند زيارتهِ على أرض الواقع، والذي يُؤثّر فيهم إيجابيًّا، ويجعلهم أكثر نشاطًا.

4. إعداد الأبحاث «Research Preparation»: يعد أسلوب التعلّم والتعليم المعتمد على الأبحاث من الأساليب التعليمية ذات الكفاءة العالية؛ لأنه يساعد الطلاب على زيادة مداركهم المعرفية ومعلوماتهم الإضافية عن المادة الدراسية، فإعداد الأبحاث يحتاج لمجهودٍ فردي أو ضمن فريق عمل، حسبما يتطلب موضوع الدرس أو النشاط المراد تعلّمه، ثم يُقسّم البحث لمجموعة خطوات تبدأ من الفكرة الرئيسة وتنتهي بالنتيجة، والتي تنبثق عنها معلومات جديدة تدعم فهم الدرس، وتساعد الطلاب على التحضير المناسب قبل موعد الامتحانات الشهرية أو الفصلية؛ بسبب الدور المُحفّز للأبحاث في تفعيل المراجعة المستمرة للأفكار والمعلومات المطروحة في الدرس؛ تحديدًا أثناء مرحلة الإعداد للبحث.

مقومات نجاح تعلم وتعليم الثقافة المالية

مثل أي مادة دراسية أخرى يحتاج نجاح تعلّم وتعليم الثقافة المالية إلى مقومات تضمن ذلك، والآتية مجموعة منها:

1. امتلاك مدرّسي الثقافة المالية كافة المهارات والخبرات التي تجعلهم مؤهلين لتدريسها، وقادرين على توصيل المعلومات والمعارف للطلاب بطريقة صحيحة.

2. توفير بيئة صفية مُجهّزة بجميع الوسائل المساندة لتطبيق الأساليب التعليمية المتنوّعة في تدريس الثقافة المالية، مثل وجود جهاز عرض رقمي «DATA SHOW»، ولوح قلّاب «Flip Chart»، وأدوات أخرى كالأوراق واللوحات الملوّنة.

3. اهتمام المدرسين بتفعيل الحصص التفاعلية، والقائمة بصورة رئيسة على دور الطلاب في المشاركة الفعّالة أثناء الحصة، بالتزامن مع توجيه المدرس لهم.

4. تنفيذ حلول النشاطات والتمرينات المرفقة مع المنهاج الدراسي، والتي من شأنها تشجيع الطلاب على البحث والاستكشاف أو العمل الجماعي لتطبيق الأنشطة بنجاح.

5. استخدام المُدرس أدوات التقويم واستراتيجياته في متابعة سير الحصة الدراسية؛ بهدف تقييم مدى تقدّم الطلاب ومشاركتهم في محتوى المادة، وتحديد أكثر الأساليب التعليمية نجاحًا في تطبيق كلّ درس من الدروس.

نتاجات تعلم وتعليم الثقافة المالية

يُحقق تعلّم وتعليم الثقافة المالية مجموعة نتاجات تؤثّر إيجابيًّا في كلّ من الطلاب والمعلمين والبيئة التعليمية، ويمكن إيجازها بالآتي:

1. إنشاء جيل من الشباب الذي يعي أهمية الثقافة المالية، عن طريق الاهتمام باستمرار تثقيفهم ماليًّا في شتّى المجالات.

2. زيادة الوعي المالي أثناء إنفاق وادخار «المصروف الشخصي»، والذي ينعكس لاحقًا على كيفية تعامل الطلاب مع رواتبهم أو دخلهم لقاء عملهم في المستقبل.

3. تطوير العادات المالية لدى الطلاب بما يتناسب مع مرحلتهم العمرية ونمط حياتهم والتأثيرات المالية المحيطة بهم.

4. تمكين الطلاب من اتخاذ القرارات المالية الصحيحة والناجحة عند إدارة ممتلكاتهم الخاصة «الأصول الشخصية»، ومحافظتهم على الوفاء «بالتزاماتهم المالية» في سداد الديون أو المدفوعات المترتبة عليهم.

5. ضمان مستقبل مالي يمتاز بالأمان والاستقرار للأجيال اللاحقة، بإدراكها لكافة المهارات العقلية والفكرية والذاتية في مجال الثقافة المالية.

6. توظيف الأساليب التعليمية الحديثة في تعلّم وتعليم الثقافة المالية، والتي تشارك في بناءِ بيئة تعليمية ذات طابعٍ أكثر نموًّا وازدهارًا.

بعد قراءة تعلم وتعليم الثقافة المالية.. ما الخطوة التالية؟

بعد القراءة التحليلية المعمّقة في جزأي المقال لمفهوم الثقافة المالية، ومراحلها التاريخية، ودورها في التعلّم والتعليم، وأهميتها في الناحية التعليمية، والأساليب الفعّالة والمُحفّزة في تدريسها، والمقومات التي تعتمد عليها، والنتاجات الممكن
تحقيقها من خلالها، أرى أن الخطوة التالية بعد ذلك تكون بالسعي نحو نشر الثقافة المالية، من خلال توعية النّاس بمختلف
شرائحهم وفئاتهم بأهميتها ودورها المؤثّر في حياتهم، والذي من شأنه أن ينعكسَ على فئة الشباب وأغلبهم من الطلاب، سواء في المرحلة المدرسية أو الجامعية، فعندما تبدأ التوعية بالثقافة المالية من المنزل بين أفراد العائلة الواحدة، سوف يكون لذلك أثر إيجابي وتفعيل للتعاون مع دور المدرسة والمُدرسين في زيادة هذا الوعي، وتشجيع الطلاب على تطبيق التخطيط المالي في حياتهم، وتطوير أفكارهم في مجال المال، والذي يساهم في تحويل الثقافة المالية لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الثقافة العامة في المجتمعات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد