نصيحة للشباب الصغير من طلبة المرحلة الجامعية وما قبلها خصوصًا، ثم للخريجين الجدد وأي شخص بعد ذلك عمومًا: إن كان هناك مهارة واحدة سأطلب منك أن تتعلمها وتثابر عليها كمسألة “حياة أو موت”، فهي أن تتعلم كيف تتعلم بمفردك. لماذا؟ لأنها ببساطة بالفعل مسألةُ حياةٍ أو موت! كلّما بدأت في وقت مبكرٍ كلما كان أفضل كثيرًا.

أعلم أن النظام التعليمي بصفةٍ عامة لا يلتفت إطلاقًا لهذه النقطة، بل على العكس، يدمّرها. بمعنى أنّك ربّما سمعت في مرحلة ما أن الأستاذ الفلاني أو الدكتور الفلاني “بيشرّب الطلبة المنهج”. وهذه ليست مبالغة، بل هي وصف فعليّ لما يحدث للأسف.

هكذا أشبّه ما يحدث: فترة التعليم النظامي، والتي تستمر 18 عامًا – من المرحلة الابتدائية إلى نهاية الفترة الجامعية- تشابه بالضبط “حَمْلٌ طويل المدى”. حيث تمثل “الحياة” – بالنسبة للطالب- المحيط الدراسي الذي يتواجد فيه، تمامًا كرحم الأم، لا يعلم شيئًا عما يحدث في الخارج. وكما يمرر للطفل كل ما يحتاجه من غذاء عن طريق “الحبل السري” الذي يربطه بالأم، تمرر “المناهج والمقررات” للطالب بنفس الطريقة. لا الطفل ولا الطالب لديه أي اختيار فيما “يتغذى” عليه، ولا يعرف حتى ما هو، فقط يعرف أن عليه الاقتيات به كي يحبو.

ثم يولد الطفل، وينقطع الحبل السري. كذلك الحال مع الطالب، ينقطع الحبل السري الذي كان يمرر له من خلاله “العلم” بالتخرج من الجامعة. الفرق الوحيد أن الطفل يجد من يهتم به بعد ذلك، لكن الطالب يلقي به في الشارع.

ما الحل إذًا؟ الحل أن تعتمد على نفسك منذ البداية! الحل أن تفتح عينيك في أقرب وقت ممكن، لا بعد أن “تولد”. الحل أن تدرك أن العلم لا ينحصر في مكان واحد، وأنك لست بحاجةٍ لمن “يلقّنك” كل حرف، وأن الله قد وضع لك في رأسك ما يمكنك أن تتعلّم به أي شيء فقط إن حاولت ذلك.

***

تنقسم المهارات التي عليك أن تتعلمها وتنمّيها، حتى تضع نفسك على الطريق الصحيح للتعلُّم الذاتي إلى نوعين: مهارات متخصصة ترتبط بالمجال الذي تدرس فيه، على سبيل المثال الرياضيات بالنسبة للمهندس، ومهارات عامة لا ترتبط بتخصص معين، هذه سأتحدث عنها.

– القراءة:

17

إن كنت ممن يملون بعد القراءة لمدة 5 دقائق في موضوع ما، فانسَ أن تتعلم أي شيء. القدرة على التركيز في القراءة لمدد طويلة هي أحد المهارات الرئيسة التي تحتاجها إن كنت تنوي أن تتعلم بمفردك، وهي كأيّ مهارة أخرى تستجيب للتدريب. ابدأ في القراءة في أشياء تروق لك، روايات مثلاً، حتى تتعود على القراءة في موضوع واحد لمدد طويلة، ثم انتقل بالتدريج لأشياء أكثر جدية. قم بزيادة المدة التي تقضيها في التركيز على موضوع واحد بالتدريج. إذا استطعت أن تصل لمدة 6 ساعات متواصلة في موضوع واحد بدون انقطاع وبتركيز كامل، اعلم أنك الآن أينشتاين صغير.

– البحث:

بحث

قد تسبق أهميةُ هذه المهارة أهميةَ القراءة. أنت مثلاً تريد أن تتعلّم كيف تقوم بعمل مفاعلات الاندماج النووي البارد، بينما أنت طالب بكلية الحقوق مثلاً، ما الذي عليك أن تفعله؟ في الغالب أنت ستطرد الفكرة من رأسك وتعتبرها “وسوسة شيطان”، وربما قد تخجل من ذكر الأمر لزملائك حتى لا يسخرون منك، لكن هذا بالطبع خطأ كبير.

 

عليك أن تكون ممتنًا لأنك وُلدت في هذا العصر، فلديك شيئًا ما يسمى “الإنترنت”. قد يكون الأمر مفاجئًا، لكن أريدك أن تعلم أن له فوائدًا أخرى غير لعبة “المزرعة السعيدة!”.

تعلم كيف تبحث على الإنترنت عن “معلومة” محددة، و”بمستوى” محدد. يعني إن كنت صديقنا الذي تحدثنا عنه في كلية الحقوق، عليك أن تتعلم كيف تبحث عن موضوع الاندماج النووي البارد في المستوى الذي تستطيع فهمه، ثم بعد ذلك عليك أن تنتقل للمستوى الذي يليه، وهكذا.

 

ماذا لو كنت تدرس الهندسة النووية؟
بالرغم من أنك تستهدف نفس “المعلومة” التي استهدفها صديقنا السابق، إلا أنك ستبحث عنها في “مستوى” مختلف. عليك أن تتعلم هذه الفروق.

نقطة أخرى؛ كقاعدة عامة، ابدأ بحثك عن أي شيء من ويكيبيديا، ثم انطلق منها إلى ما سواها. عليك أن تدرك أنه مهما كان الشيء الذي تهتم به، فإن هناك ملايين غيرك يهتمون بنفس الشيء، وقد أنشئوا مواقعَ ومجتمعاتٍ متخصصة لمناقشتها بالتفصيل الممل، عليك أن تتعلم كيف تصل لهم.

كأي مهارة أخرى، القدرة على البحث مهارة تحتاج لتدريب. ابدأ بشيء بسيط، ابحث مثلاً عن معلومات تتعلق بالمسلسل المفضل الذي تتابعه. قم بعمل بحث متكامل عنه ولخصه في ورقتين. بعد ذلك انتقل لفيلم سمعت عنه لكن لم تشاهده بعد، قم بعمل بحث متكامل عنه بنفس الطريقة. بعد ذلك انتقل لأمور أكثر جدية، كشخصية تاريخية لا تعلم عنها غير اسمها على سبيل المثال، قم بكتابة بحث كاملٍ عنها.

 

حدد لنفسك إطارًا زمنيًّا معينًا تنتهي فيه من البحث، وقم بتضييقه بالتدريج. مثلاً، حدد أن يستغرق بحثك الأول أربعة أيام حتى تنتهي منه، ثم الرابع ثلاثة أيام، وهكذا إلى أن تصل لعدّة ساعاتٍ. إن وصلت للدرجة التي تستطيع فيها إلقاء محاضرة صغيرة عن موضوع لم تسمع عنه في حياتك من قبل، بعد فترة بحث 10 ساعات فقط، فأنت على الطريق الصحيح.

ستلاحظ أنك بالتدريج أصبحت تدرك ما الذي عليك فعله بالضبط لتصل لما تريد، حتى ولو لم تستطع بالضبط وصف الطريقة التي تتبعها بالكلمات.

-اللغة:

لغة

ثم اللغة ثم اللغة ثم اللغة! لا أستطيع أن أشدد على أهمية إتقان أحد اللغات غير العربية أكثر من ذلك. سأكون واضحًا معك: ما لم تكن دراساتك الرئيسة مرتبطة بالأدب العربي أو اللغة العربية، أنت لن تتعلم أي شيءٍ “إطلاقًا” ما لم تتقن لغة أخرى، وتحديدًا الإنجليزية لأنها الأكثر انتشارًا.

لا تعتقد أن “كورس” اللغة الإنجليزية الذي تحصل به على شهادة تقدمها لوظيفةٍ ما تريد الحصول عليها هو نهاية الطريق. في الحقيقة، أنت لم تفعل أي شيء بعد، وهذه الشهادة لا قيمةَ لها. اللغة تعني ممارسة لعدّة سنوات.

كما نعلم، فإن إنتاج العلوم – أي علوم- يكاد يكون حصرًا باللغة الإنجليزية، كما أن الترجمة العربية متأخرة جدًّا، هذا بغض النظر عن أنه لا توجد أصلاً جهة موحدة لترجمة المصطلحات العلمية، بل تجد الكلمة مترجمة لثلاثة أو أربعة كلمات مختلفة تبعًا للمنطقة!

حتى أقرّب لك الأمر قليلاً: المحتوى العلمي المتوفر باللغة الإنجليزية هو كنز إن وصلت له، فإنه حرفيًا سيغير حياتك للأبد. مفتاح هذا الكنز هو تعلم اللغة.
إذا نظرت إلى عدد المقالات المتوفرة على ويكيبيديا باللغة العربية (257 ألف) وويكيبيديا باللغة الإنجليزية (4.5 مليون مقال) سيتضح لك مقدار ما يفوتك!

يمكنك أن تراجع مقالي عن تعلم الإنجليزية

 

لا يوجد ما يسمى “وقتًا متأخرًا” للبدء في تحسين نفسك، ولا يوجد سنٌّ محددة للوصول إلى الأفضل. ما دام قلبك نابضًا، فلديك فرصة. الفرق فقط أن المجهود المبذول سيختلف. كلما تأخرت في البداية كلما تطلب الأمر مزيدًا من المجهود والإصرار، لكنك ستصل في النهاية للنتيجة التي تريد الوصول إليها.

اعقد العزم، توكّل على الله، انطلق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد