«تعلّم عوم» و«تعلّم اجري» هاشتاجات رفعت منذ سنة نصرة وتضامنًا مع من فقدوا حياتهم ظلمًا وبهتانًا، وللأسف الشديد حتى الساعة لم تُؤخَذ حقوقهم وما زالت الأبحاث جارية، عمر العبيدي وأيمن العثماني أسماء شابين يافعين تونسيين أبطال هذه الهاشتاغات دُفعوا دفعًا إلى موت قاس بطريقة «فاشية» (بالتأكيد لا مردّ لقضاء الله) الأدهى والأمرّ وأنّه رغم معرفة ظروف وفاتهم والإحاطة بالمعلومات الشبه كافية لم يُقدم الجناة إلى القضاء بحجة ضعف الأدلة ويتواصل البحث كما يقال.

وفي نفس السياق ومع اختلاف الظروف والحيثيّات حادثة موت خمس عشرة زهرة منذ قرابة شهر، خمس عشرة رضيعًا لفظوا أنفاسهم الأخيرة قبل أن يتنفسوا قبل أن يلامسوا آباءهم قبل أن يخرجوا من محيط المستشفى قبل أن يضحكوا قبل أن يحلموا قبل وقبل…

حادثة كشفت هشاشة منظومة صحية موجهة إلى المواطن العادي البسيط الذي ليس له مال كاف للتمتع بخدمات المصحات الخاصة، رحيل الرُضّع كشف عن وجه قبيح لللامبالاة وهوان المواطن البسيط على المعنيين بالأمر، ورأينا وجوهًا بائسة حزينة لآباء وأمهات فقدوا فلذات أكبادهم ولم يحط بهم أحد لا نفسيًا ولا اجتماعيًا بل كانوا موضوعًا دسمًا للتلاسن والتراشق بتحميل المسؤوليات بعيدًا عن ٱلامهم.

قد يكون هناك قاسمًا مشتركًا بعيدًا عن التجاذبات السياسية بين هذه القضايا لمن تابعها، ألا وهو «الحقرة».

لا ينكر أحد أنّ تونس دولة قانون بامتياز لكن رغم ذلك المظالم قد تُسلَّط وقد لا تجد معينًا لرد المظلمة وستدور حول نفسك متسائلًا كيف يمكنني رد المظلمة ولست بصاحب نفوذ أو مالٍ، أصبحت سياسة الحقرة متداولة جدًا بتونس، إن لم تكن صاحب نفوذ، إن لم تكن أستاذًا، إن لم تكن طبيبًا، إن لم تكن محاميًا، إن لم تكن رجل أمن، إن لم تكن من أصحاب المهن المرموقة، لن تجد وفدًا يقيم ظهرك، لن تجد من يحتج نصرة لك مطالبًا بحقك ولن تعار اهتمامًا وستُنسى أنت وقضيتك، فما أنت خارج هذه الأسراب المرموقة إلاّ نقطة هائمة.

تكريس الطبقية و”الحقرة» من أكثر المشاكل التي طفت على سطح المجتمع التونسي في السنوات الأخيرة، فمع الأسف لا يمكنك الأخذ بحقك إن لم تتكلم علنيًا، إن لم تظهر في برنامج تلفزيوني أو إن لم تنشر فيديو على المواقع الاجتماعية أو إن لم يكن لك من يسند ظهرك وإن لم يكن لديك مال كاف، فها نحن عرفنا أسماء عمر وأيمن، وماذا عن أولئك الذين قضوا نحبهم ولا يعرف لهم طريقًا ولم ترفع لهم هاشتاغات.

الأوضاع الاقتصادية الهشّة أثرت سلبًا على الطبقة المتوسطة التي تكاد تتلاشى، هذه الطبقة هي أول من يتلقى اللكمات جرّاء ما يقرره السياسيون وأصحاب النفوذ وهي أول من ترفع أثقال الزيادات في الأسعار وهي أول من تتحمل تبعات المنظومات الهشة التي سادت في مجالات حيوية كالتعليم والصحة وهي أول من قد تموت جراء أخطاء طبية وأخطاء منظومية.

إلى متى سيحمل هذا المواطن البسيط ثقل أناس لا يعلمون كم هم سيئون؟ إلى متى سيُنظر إلى المواطن البسيط شذرًا؟ متى سيُعامل هذا المواطن البسيط بالندّ دون احتساب خلفيات ولا إلقاء ابتسامات شفقة ودون خطابات رنّانة غبيّة؟ متى سيُؤخذ بحقوقه دون تشهير وبعيدًا عن أضواء الإعلام التسويقية؟ متى ومتى؟ لا نعلم!

وضعية مصغرة من تونس الوطن قد تعكس جانبًا من الصورة الكبرى لما يحدث في العديد من البلدان العربية.

ختامًا النصيحة هي: عليك أن تكون بمهنة مرموقة ويا حبذا تعلم السباحة والركض فقد يمكنك ضمان العيش الكريم في وطنك يعني ببساطة «تعلّم عوم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد