مقدمة من دكتور مصطفى محمود:

«إن وقفة أمام نملة صغيرة يثير الذهول. كيف تعلمت هذه النملة أن تبني بيوتها الهندسية المعقدة ذات الدهاليز والغرف، والبدرومات والمخازن؟! كيف انتظمت في مجتمع فيه توزيع دقيق للاختصاصات والوظائف؟! كيف تعلمت أن تزرع (بعض أنواع النمل يزرع عيش الغراب)؟! كيف تعلمت أن تحلب حشرة أخرى مثل حشرة المن وتسوقها أمامها في قطعان؟! إن اتصال هذه الأعداد الهائلة من النمل في مجتمع ذي نظام، معناه أنها اكتشفت بينها وبين بعضها نوعًًا من اللغة والتفاهم. وآخر البحوث في هذا الباب يقول إن النمل يتفاهم مع بعضه البعض ليس بالإشارة ولا باللغة المنطوقة ولكن بلغة كيميائية».

ماذا تعرف عن النمل؟

تعد حشرات النمل Ants عائلة من إحدى عائلات الحشرات ذات التنظيم الاجتماعي المعقد وذات الطبقات المختلفة التي تندرج تحت عائلة النمليات – رتبة غشائيات الأجنحة – وهي الرتبة نفسها المنتمي لها كل من حشرات النحل والزنابير أي إنها حشرات غشائية، واسمها العلمي Formicidae فورميسيدي، وقد جرى تصنيف أكثر من اثني عشر ألفًا وخمسمائة نوع من إجمالي اثنين وعشرين ألفًا تقريبًا، ويُمكن التعرف إليها بسهولة من خلال شكل القرون الاستشعارية المعقوفة، وتركيبة أشباه العُقد المميزة التي تشكل خصرها النحيل، حيث يوجد نمل ذو عقدة واحدة وآخر ذو عقدتين.

والآن لنرى ماذا يفعل النمل في منزلك؟

ربما لاحظت وجود النمل بشكل أكثر شيوعًا داخل المنزل في الصيف، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن معظم الحشرات أكثر نشاطًا في الأشهر الأكثر دفئًا. يأتي النمل أحيانًا بحثًا عن الماء، خاصةً خلال فترات الجفاف. في هذه الحالة قد تراهم في الحمامات أو الأجزاء الرطبة الأخرى من المنزل. يمكن أن تتسبب الأمطار الغزيرة أيضًا في غمر أعشاش النمل وإرغامها على الانتقال إلى المباني المجاورة، مثل منزلك «حيث أقرب مكان لها». هم تمامًا مثل البشر وجميع الكائنات الحية، لذلك يحتاج النمل وباقي الحشرات إلى ثلاثة أشياء للبقاء على قيد الحياة وهي: الطعام والماء والمأوى.

إذا كنت تواجه الحشرات باستمرار، فلا تأمل فقط في الأفضل، بل كما يقول عالِم الحشرات جون بيل «فكر كحشرة Think like a bug» اكتشف وابحث عما تحتاجه هذه الحشرة الصغيرة لتناول الطعام والشراب وإيجاد المأوى.

ومن أجل ذاك تغزو جيوش النمل كل الأماكن المتاحه لها والتي يتوافر فيها جميع متطلباتها، ولردع المتسللين غير المرحب بهم عن الطعام والمنزل علينا اتباع نهج متكامل لجعل المنزل أقل جاذبية لهذه الحشرات.

علينا تذكر ذلك دائمًا.. أننا بحاجة إلى النمل

تذكر أن النمل يمكن أن يكون حشرة مفيده – مثلاً هناك نمل يهاجم ويقتل الصراصير. ويلعب بعضهم أيضًا دورًا مهمًا في نشر بذورالنباتات، وإزالة النفايات من البيئة المحيطه بنا.

لذلك النمل هو جزء طبيعي ومهم من النظام البيئي، فإذا أردنا حماية التنوع البيولوجي الثمين يعني هذا تحمل هؤلاء الجيران الصغار حتى عندما يبدو أنهم عازمون على الاستيلاء على مطبخنا أو تخريب نزهتنا.
بالطبع لا أحد يريد أن يتلف النمل طعامه أو يدمر منزله، ولكن إذا كان لديك عدد قليل من النمل يتجول في المنزل، فلا داعي للقلق.

أنواع النمل

يوجد أنواع متعددة من النمل قد تصل إلى 12 ألف نوع، فمنها على سبيل المثال لا الحصر النمل الناري كما يسمى بالنمل الاستوائي، ويوجد في المناطق ذات الحرارة العالية، ويتغذى النمل الناري أو الاستوائي على الصراصير وبذور النباتات، والنمل الأبيض وهذا النوع من النمل يهاجم النباتات والأشجار، كما أن النمل الأبيض يتغذى على مادة السليلوز.

وربما يكون هذا النوع من النمل سببًا في تلف بعض النباتات إلا أنه يتميز بقدرات مذهلة تمنع جفاف الأراضي الزراعية، وتحد من التصحر وفقًا لما توصل إليه باحثون أمريكيون.

ونمل المزارع يعيش أيضًا في المناطق الاستوائية ويتغذى ويأكل ما يزرعه بنفسه، اكتشف باحثان ألمان نوعًا من النمل يمكنه زراعة بذور القهوة ورعايتها حتى الحصاد.

وتبين للباحثَين أن هذا النمل الذي يعيش في جزر فيجي جنوب المحيط الهادي، يزرع بذور ستة أنواع من نباتات القهوة في لحاء الأشجار ثم تتناوب عاملات النمل ليلًا ونهارًا على النباتات الصغيرة وتسمدها ببرازها وبولها. ونشر الباحثان نتائج دراستهما عن النمل من نوع فيليدريس ناجاساو المتمكن في الزراعة نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 في مجلة «نيتشر بلانتس» المتخصصة.

وأيضًا النمل الخياط ويعيش في غابات أفريقيا وأستراليا وجنوب شرق آسيا، ولكي يبني النمل عشه يقوم بفرز خيوط حريرية تساعده في البناء.

لنتعرف إلى بعض أنواع النمل

نمل الأكروبات:

يسمى نمل الأكروبات بهذا الاسم بسبب التصاق البطن بالصدر، وبطن نملة الأكروبات تشبه شكل القلب ويتغذى على السكريات والمواد البروتينية.

ويعيش نمل الأكروبات على فروع الأشجار الملاصقة للمبانى والأسلاك والكابلات، وحواف المبانى المرتفعة، أيضًا يعيش في الأخشاب المبطنة للحوائط الداخلية.

النمل السريع:

يمتاز بطول الأرجل وطول قرون الاستشعار، وسمي بالنمل السريع بهذا الاسم بسبب سرعته أثناء الجرى دون الإحساس بالاتجاهات عندما يتعرض للمطاردة أو للإزعاج. ويعيش فى الطرقات وحول الأبنية، وتحت الأخشاب والحجارة والنفايات والأكوام، وفي المناطق المظلمة والمسطحات الخضراء حول الأشجار الملاصقة للمبانى والأسقف الخشبية، ويعيش أيضًا في التربة الزراعية وقصيص الزرع، وأسفل حواف السجاد، وداخل الكسور والشروخ في الحوائط.

النـمل الناري:

سمي بذلك نظرًا لتأثيره المؤلم حينما يلدغ. وهو أحد أنواع النمل الذي يفضل بناء الأعشاش داخل الأخشاب في الأبنية، خاصة في مناطق التربة الدافئة، مثلًا حول المواقد وبالقرب من المطابخ، وأسفل الحجارة، وداخل التربة المحيطة بالأشجار والحشائش وصناديق توصيل الكهرباء وأجهزة التكييف وتوصيلات الماء والغاز داخل الأبنية ومواد العزل، من التليفونات، والكابلات الكهربائية،  ويفضل هذا النوع من النمل الغذاء الغني بالبروتين (النباتي والحيواني  والبذور والإفرازات العسلية من الحشرات والزيوت الحيوانية والمكسرات.

نمل الرصيف:

سمي بنمل الرصيف لوجود مستعمرة النمل داخل أو حول الشقوق في الأرصفة، أو داخل أكوام التراب المجاورة للرصيف في الساحات والحدائق، ويتزايد نشاطه خلال شهرى يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) داخل الأبنية والألواح، ويلجأ إلى المنازل في الشتاء ويمكن أن توجد المستعمرات في الحوائط أو داخل المواد العازلة، أو تحت الأرفف أو المناطق الدافئة في الشتاء كما يمكن أن يوجد أسفل الحجارة في الشقوق داخل الأرصفة المواجهة للأبنية، وبين الشقوق فى الحوائط والكتل الخرسانية للأبنية. ويتغذى على الحشرات والإفرازات العسلية، وجذور النباتات، والفتات، واللحوم والمكسرات ومنتجات الألبان، والعسل، والخبز، والشحوم.

النمل الفرعونى:

يتميز النمل الفرعوني بصغر حجمه الذي يتراوح من 1.5 إلى 2 ملل ويتغذى على الحلوى والسكر، العصائر ، الفطائر والشحوم والدهون وجميع المواد الغذائية الأخرى، كما أنك لا تجده في الخارج في الأجواء الباردة وينتشر في المناطق الحارة وتجده بالقرب من مواسير المياه الساخنة، وحول البالوعات، وهو يفضل الأماكن الدافئة الرطبة مثل المطابخ والحمامات وداخل إطارات الشبابيك، وحول أحواض السمك وطاولات المطابخ وخلف الثلاجات والأفران وداخل المواسير والأسلاك الكهربائية.

النمل اللص أو السارق أو نمل الشحوم:

يتميز بصغر حجمة مثل النمل الفرعونى ويسمى بالنمل السارق لأنه يبني أعشاشه بجوار أعشاش النمل الأخرى ليسرق منها الطعام ويتغذى على اليرقات وغذاء الأنواع الأخرى من النمل، ويفترس الأطوار غير الكاملة للحشرات الأخرى، كما أنه يتغذى على الحشرات الميتة والشحوم لذلك يطلق عليه أيضًا نمل الشحوم، ويتغذى على البذور. ويسرق اليرقات لتغذية المستعمرة ويمكنه أن يعيش داخل ألواح الحوائط وداخل الدواليب وحول البالوعات والأحواض، وعبر الأسلاك الكهربائية داخل المنزل، والحوائط القريبة من الشبابيك، والبلكونات وأسفل الحجارة كذلك في أماكن استصلاح الأراضى الجديدة.

تعرف إلى ألوان النمل

هل ألوان النمل واحدة؟ وماذا عن أحجامهم إذن هل متشابهه؟ بالطبع لا حيث تستجيب ألوان النمل وأحجامه أيضًا بالبيئة المحيطة به، وسوف نعرض الآن دراسة من جامعة ليفربول تناقش ذلك:

كشفت دراسة أجرتها جامعة ليفربول عن النمل في ثلاث قارات أن لونه وحجمه يتأثران بشدة ببيئتهما،وأن اللون السائد ومتوسط حجم الجسم يمكن أن يتغير من عام لآخر مع اختلاف درجات الحرارة. هذه النتيجة لها آثار على كيفية تعامل مجتمعات النمل مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية.

ويعتمد ذلك على درجة حرارة البيئة المحيطة به للسيطرة على نشاط التمثيل الغذائي. وقد وجدت الدراسات السابقة من مواقع فردية أو أنواع فردية أن الطابعات الخارجية ذات الجسم الأكبر ذات الألوان الداكنة تعمل جيدًا في الأماكن الباردة. تحتفظ الأجسام الكبيرة بالحرارة بينما تساعد الألوان الداكنة الأفراد على اكتساب الحرارة بشكل أسرع من نظرائهم الأكثر شحوبًا مجتمعة، هاتان السمتان مفيدتان للغاية لأنهما تسمحان للأفراد الذين يعانون من الحرارة الخارجية بالبحث عن الطعام ويظلوا نشطين لفترة أطول حتى في الظروف الباردة.

أراد الباحثون في كلية العلوم البيئية بالجامعة اختبار ما إذا كانت هذه الأفكار حول التنظيم الحراري للحرارة الخارجية منتشرة عبر الأنواع وعلى نطاق جغرافي كبير. قاموا بجمع وتحليل المعلومات حول وفرة وحجم جسم ولون النمل في 14 جبلًا مختلفين من مواقع في جنوب أفريقيا وأمريكا الجنوبية وأستراليا. وتم أخذ عينات من بعض المواقع بشكل متكرر لمدة تصل إلى سبع سنوات. قدم هذا التنوع في الارتفاعات وخطوط العرض مجموعة كبيرة من درجات الحرارة المحيطة الخارجية (من 0.5 إلى 35 درجة مئوية).

ووجدوا أنه كلما كانت درجة الحرارة أكثر برودة، كان النمل أكبر وأغمق اللون (داكن) والعكس صحيح. ونتيجة لذلك ،تميل مجتمعات النمل في المواقع الأقرب إلى القطب الجنوبي أو بالقرب من قمم الجبال، حيث البرودة، إلى السيطرة على النمل الداكن والكبير. أما في الأماكن الأكثر دفئًا تكون أنواع النمل أصغر وأخف في اللون.ووجدوا أيضًا أن هذا التأثير يعتمد على كمية الأشعة فوق البنفسجية الموجودة في المواقع.

مادة الميلانين ،الصبغة التي تجعل لون النمل أغمق أو داكن، تحمي أيضًا من الأشعة فوق البنفسجية الضارة. حيث تعمل بشكل فعّال كحاجب للشمس. وإذا رأينا النمل في صحراء وسط أستراليا نجد أنه داكن اللون، وذلك لمواجهة الأشعة فوق البنفسجية العالية جدًّا.وعادة ما يكون النمل شاحبًا ليعكس شمس الصحراء القاسية.

ومن المثير للاهتمام، أن هذه الأنماط نفسها شوهدت عبر الزمن ،وكانت الدراسة قادرة على إظهار أنه كلما تغيرت درجات الحرارة من عام لآخر تغير تكوين مجتمع النمل. وجد أن الأنواع الداكنة أكثر وفرة في السنوات الباردة أما الأنواع الأكثر شحوبًا موجوده بكثرة في السنوات الأكثر دفئًا.

قال الدكتور توم بيشوب ،الذي قاد هذا البحث: «»نتائجنا لها رسالتان رئيسيتان:

الأولى: أن البيئة لها تأثير قوي حقاً على الهويات والوفرة النسبية لأنواع النمل التي قد تجدها في موقع معين – يتوسطها تلون وتنوع حجم تلك الأنواع المختلفة.

ثانيًا: يمكن أن تعمل هذه التأثيرات عبر الجبال والقارات ولكن أيضًا عبر فترات زمنية قصيرة. ستساعدنا هذه النتائج على فهم سبب توزيع أنواع النمل بالطريقة التي ينتشر بها في جميع أنحاء العالم، ولكن أيضًا تسليط الضوء على ذلك مع تغير المناخ هناك قد يكون له تأثير على بعض الطرق التي يستجيب بها النمل.

على كوكب أكثر دفئًا، على سبيل المثال، نتوقع أن يسود النمل الأصغر والأخف وزنًا، وقد يكون لهذا آثار متتالية مهمة في النظم البيئية؛ حيث إنن للنمل المختلف وظائف مختلفة.

وأضاف المؤلف وعالم البيئة في ليفربول دكتور كيت بار: «أنه يمكن تطبيق النتائج التي توصلنا إليها على العديد من مجموعات الحشرات أو درجات الحرارة الأخرى أيضًا، ويمكن أن تفسر الكثير من أنماط تنوع الألوان وحجم الجسم على مستوى العالم.

للمزيد حول هوية النمل يُمكنك الإطلاع على النماذج التالية:

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد