يسأل البعض:

طفلي لا يثق بذاته، طفلي يعاني من الرهاب الاجتماعي، طفلي «جبان» يخاف من ظله فما السبب؟! وما الحل؟!
السبب هو الكم الهائل الذي يتلقاه الطفل من رسائل سلبية عن ذاته؛ مما يؤثر فيه بالسلب ويصنع منه شخصية ضعيفة، هشة لا تقوى على مواجهة تحديات المجتمع وصراعات الحياة، شخصية قد قُتلت بداخلها روح الإبداع، تخاف من كل جديد ومميز لأنها تعلم أن السير مع القطيع هو الأسلم حتى لا تؤذي مشاعرهم وتهان.

يقول بحث في كاليفورنيا يوضح أن الطفل منذ ولادته إلى أن يبلغ سن 18 عامًا يستقبل ما بين 50 و180 ألف رسالة سلبية، مقابل 600 رسالة إيجابية، مشيرًا إلى هذا الكم الهائل الخطير الذي يشكل شخصية الإنسان بطريقة سلبية.

كما يؤكد البعض أثر الرسائل السلبية في تربية الطفل قائلًا: «إنك تتلقى من أبويك أكثر من 100 ألف رسالة سلبية على شكل كلمة (لا)، أو (لا تفعل ذلك)، أو (لمَ فعلت ذلك)، وذلك في السنوات العشر الأولى من عمرك».

مصادر البرمجة الذاتية «سواء السلبية أو الإيجابية»:

(1) الوالدان:

د. تشاد هيلمسيتر يقول: «إنه في خلال الـ18 سنة الأولى من عمرنا وعلى افتراض نشأتنا في عائلة إيجابية لحد معقول يكون قد قيل لنا أكثر من 148000 مرة كلمة لا أو لا تعمل ذلك، وعدد الرسائل الإيجابية فقط 400 مرة» فيتم برمجتنا سلبيًّا.

د. تاد جيمس – وويات وود سمول:
«عندما نبلغ السابعة من عمرنا يكون أكثر من 90% من قيمتنا قد تخزن في عقولنا، وعندما نبلغ سن 21 تكون جميع قيمنا قد اكتملت واستقرت في عقولنا».

(2) المدرسة:

برمجة سلبية من خلال قول مدرس لك ألا يمكنك فهم أي شيء أبدًا؟

(3) الأصدقاء:

العمر من 8 – 15 سنة هي فترة الاقتداء بالآخرين وتقليد السلوك.

(4) الإعلام:

قامت مغنية مشهورة بارتداء زى معين في نفس الأسبوع كانت 50 ألف فتاة ترتدي مثلها.

(5) أنت نفسك:

د. هلمستر: «إن ما تضغه في ذهنك سواء كان سلبيًّا أو إيجابيًّا ستجنيه في النهاية».

الرسائل السلبية موت بطيء وقتل للأفكار

أنت فاشل، أنت غير قادر، أنت كاذب، رسائل سلبية عن ذواتهم، نرسلها لأطفالنا أثناء تعاملنا معهم قد تترسخ في أذهانهم، ونحن لا ندري، وتصبح سمة أصيلة دائمة يصعب علينا علاجها فيما بعد.

و لقد أثبتت الدراسات الحديثة أن للرسائل السلبية الموجهة إلى العقل الباطن للإنسان تأثيرًا فعالًا وخطيرًا على أفكار الفرد ومعتقداته، وبالتالي سلوكه وتصرفاته، فعندما يستقبل أحدنا رسائل سلبية تقلل من قدره ومكانته، أو من مواهبه وأفكاره مثل: أنت لست أفضل من غيرك – لا يمكن أن تنجح – فكرتك غبية – هل تعتقد أنك أذكى من الآخرين – إن أحلامك مستحيلة التحقيق – ونحو ذلك كثير، فقد يستسلم الفرد لهذه الرسائل ويصدقها فتدخل إلى العقل الباطن وترسخ فيه، ثم عند أي محاولة -بعد ذلك- للعمل والجد والإنجاز والتميز ستظهر هذه الرسائل بشكل ما.
يقول الأستاذ عبد الدائم الكحيل: يجب عليك أن تتخيل دماغك على أنه مجموعة من الأجهزة الهندسية الدقيقة، والتي تعمل وفق برنامج محدد، أنت من سيدير هذا البرنامج وهذا هو مفتاح النجاح! أما إذا لم تدرك هذه الحقيقة فسوف يُدار دماغك من قبل الأصدقاء والأهل والمجتمع المحيط والمؤثرات المحيطة بك، وستصبح إنسانًا انفعاليًّا وغير قادر على التحكم بذاته أو عواطفه.
ويشرح الأستاذ عبد الدائم الكحيل أهمية أن يرسل الإنسان لنفسه رسائل إيجابية عن ذاته، وإن لم تكن فيه، حال نطقه بها:
لقد وجد العلماء بأن الفترة التي ينشط فيها الاتصال بين العقل الواعي، والعقل الباطن هي فترة ما قبل النوم بدقائق، وفترة ما بعد الاستيقاظ من النوم بدقائق أيضًا. فهذا هو الدكتور جوزيف ميرفي يخرج بنتيجة بعد آلاف التجارب في كتابه «قوة عقلك الباطن»، والذي بيع منه أكثر من مليون نسخة! هذه النتيجة هي أن أفضل طريقة للتحكم في الانفعالات والغضب هي أن تردد كل يوم قبل النوم وبعد الاستيقاظ عبارات مثل: «سوف أصبح من هذه اللحظة إنسانًا هادئًا ومتزنًا وبعيدًا عن الانفعالات، وسوف تظهر هذه النتيجة في سلوكي غدًا».
لقد عالج الدكتور ميرفي العديد من الحالات بهذه الطريقة، وكانت النتائج ممتازة، والجميع حصل على تحسن في انفعالاته؛ بل منهم من أصبح أكثر هدوءًا من الإنسان العادي!

ويقول أيضًا: دماغك عزيزي القارئ هو الآلة التي تستقبل الأوامر والتوجيهات، فإذا وجهتَ لهذه الآلة رسائل باستمرار مفادها أنك ستعالج الانفعالات، وأنك واثق من ذلك، فإن هذه الآلة ستستجيب تدريجيًّا، وسوف تصبح لديك القدرة على التحكم بهذه الانفعالات. إياك أن تترك الرسائل السلبية والمظلمة تدخل إلى دماغك، بل اسمح فقط للرسائل المضيئة والإيجابية بالدخول.

وإليكم هذه القصة لتعلموا خطر الرسائل السلبية التي نرسلها لأنفسنا عن ذواتنا، كيف أنها قد تقتلنا لمجرد أننا سمحنا لها للدخول إلينا، وتسميم عقولنا!

يذكر أن هناك ثلاجة كبيرة تابعة لشركة لبيع المواد الغذائية. وفي يوم من الأيام دخل عامل إلى الثلاجة، وكانت عبارة عن غرفة كبيرة. دخل العامل لكي يجرد الصناديق التي بالداخل، فجأة وبالخطأ أغلق على هذا العامل الباب، طرق الباب عدة مرات ولم يفتح له أحد. وكان في نهاية الدوام وفي آخر الأسبوع، حيث إن اليومين القادمين عطلة. فعرف الرجل أنه سوف يهلك، لا أحد يسمع طرقه للباب! جلس ينتظر مصيره. وبعد يومين فتح الموظفون الباب، وفعلًا وجدوا الرجل قد توفي، ووجدوا بجانبه ورقة كتب فيها ما كان يشعر به قبل وفاته. وجدوه قد كتب: «أنا الآن محبوس في هذه الثلاجة، أحس بأطرافي بدأت تتجمد، أشعر بتنمل في أطرافي، أشعر أنني لا أستطيع أن أتحرك، أشعر أنني أموت من البرد». وبدأت الكتابة تضعف شيئًا فشيئًا حتى أصبح الخط ضعيفًا، إلى أن انقطع. العجيب أن الثلاجة كانت مطفأة، ولم تكن متصلة بالكهرباء إطلاقًا!

ما هي الرسالة في هذه القصة؟

برأيكم من الذي قتل هذا الرجل؟

لم يكن سوى الوهم الذي ضخمه في عقله، وجعله حقيقة حتى قتل نفسه بيده، للأسف الكثير منا يسير على نفس خطى صاحب الثلاجة بأن يقتل كل جميل بنفسه، وقد سمح للبعض باختراقه وزرع كل سيئ فيه، ناسيًا بأن وجهات نظر الآخرين فينا، لا تمثلنا البتة، بل هي نتاج لخبراتهم الحياتية، تمثلهم فقط، وتشبههم لا تشبهنا، فمن تربى أن التفكير جريمة يعاقب عليها، وأن الإبداع خروج عن النص يستحق البتر، وأن الظلام واعتزال الناس والالتصاق بجدار الوهن هو السلامة، من الطبيعي أن يراك شاردًا، عاقًا للمجتمع، وإنك قد فشلت في مسايرة المجتمع، وأن الخضوع للعلاج النفسي هو الحل فأنت مريض بالإبداع والخروج عن المألوف!

لا تسمح لأي شخص أن يبرمج لك عقلك بتوقعات سلبية، وطور من رسائلك الإيجابية، وتفاءل بالخير تجده، وتأكد أن أي شعور سلبي لا يمكنه الوصول إليك إلا بعد السماح له بالدخول إليك، فأنت بيدك «الكنترول» ليس بأيديهم.

في كتاب «كيف توقف القلق والأحاسيس السلبية» قال ديل كارنيجي: «إن أكثر من 93% من الأحداث التي نعتقد أنها ستسبب في الإحساسات السلبية لن تحدث أبدًا، و7% أو أقل لا يمكن التحكم فيها مثل الجو أو الموت مثلًا».
كطبيعة البشر، نحن كثيرًا ما نتحدث إلى أنفسنا ونتوقع السلبيات، وقد أجرت إحدى الجامعات في كاليفورنيا دراسة عن التحدث مع الذات عام 1983، وتوصلت إلى أن أكثر من 80% من الذي نقوله لأنفسنا يكون سلبيًّا ويعمل ضد مصلحتنا، ولك أن تتخيل مدى تأثير هذا الكم الهائل من السلبيات. والآن أريد أن أكلفك بعمل شيء بسيط، وهو كلما انهمكت في التفكير فعليك أن تتوقف وتدون النقاط التي كنت تفكر فيها، وستندهش من الكم الهائل من الطاقة الضائعة في القلق والسلبيات التي أثقلت بها ذهنك.
وهناك مفاجأة أخرى، حيث إن البحث لم يصل إلى تلك النتائج فقط بل توصل أيضًا إلى أن هذا القلق يتسبب في أكثر من 75% من الأمراض بما في ذلك ضغط الدم والقرحة والنوبات القلبية، أي أنك بكامل إرادتك تتحدث إلى نفسك وتفكر بطريقة سلبية، وأيضًا تصاب بالمرض ولا تحتاج لأي مساعدة من أحد لإنجاز كل ذلك.

قال د. وين داير في كتابه «الحكمة في حياتنا اليومية»: «ما يفكر فيه الناس ويتحدثون عنه يتزايد ويصبح أفعالًا».

حتى لا تستقبل رسائل سلبية

تقول المدربة والمستشارة أ. خلود بمركز الحلم الواعد: لكل من يستقبل هذه الرسائل السلبية أقدم لهم «ريموت كنترول» نفسي
1- عندما تصلك رسالة سلبية من الخارج سواء كان صديقًا أو عكس ذلك، قم بتجميد الرسالة فورًا في الهواء أو قم بتغليفها بأكثر الألوان القاتمة التي لا تحبها، أو اشعر بأن لها رائحة كريهة ولا تريدها أن تقترب منك.
2- استحضر صورتك الداخلية القوية المتميزة التي زرعتها في نفسك أثناء هذه اللحظة، وتخيلها أمامك وهي كبيرة جدًّا جدًّا جدًّا، واسمع نفسك وأنت تقول أنا قوي واثق بنفسي.
3- إذا تأكدت من أن هذه الرسالة سلبية الأثر عليك، فما عليك سوى أن تقوم بإلغائها من ذهنك بصريًّا أو سمعيًّا أو حسيًّا. أو بأن تراها تطير أمامك مبتعدة في تخيلك وأنت ترفضها تمامًا.
4- تأكد بأن هذه العملية لم تستغرق معك سوى ثوانٍ قليلة كل مرة، وأنها بدأت تأخذ السرعة القصوى في دماغك حتى لا تفكر بها وتشعر بالأسى لمن قالها لك.
5- فكر في رسالة سلبية أخرى كانت قد وصلت سابقًا، ثم قم باستخدام تكنيك زر الإلغاء «إفراغ مجلد المحذوفات» للتخلص منها وتفعيل هذا الزر الدماغي حتى يصبح على كفاءة عالية، وقدرة على إلغاء الرسائل السلبية بسرعة وعن طريق العقل اللاواعي.

حتى نرسل لهم رسائل إيجابية عن أنفسهم:

أولًا: أجلسهم مع الكبار فإن ذلك يشعرهم أنك تثق فيهم، وأنهم كبار، وأنهم مسئولون عما ينطقون، محاسبون عليه، ويكسبهم الخبرات الحياتية التي تعلمونها من أحاديث الكبار، كما يربيهم على آداب الحوار، وهذا قبل أن يكون تربية لهم هو حث لك على انتقاء من تجالسه، فإنه سيجالس أطفالك فيما بعد.

ثانيًا: عندما تتكلم معهم لا تحاكِ أسلوبهم الطفولي بكل حدثهم ككبار مع مراعة طاقتهم العقلية وقدراتهم الذهنية. فإن ذلك أدعى إلى زرع الثقة فيهم.

ثالثًا: إذا أردت لهم نصحًا فأبدأ بصفة حسنة فيهم ثم اتبعها بصفة جيدة. كقول النبي، نعم عبد الله لو كان يصل من الليل. وكمثال توضيحي: صلاتك جميلة وستكون أجمل لو حافظت عليها في المساجد.

رابعًا: علق في البيت لوحة يكتب فيها اسم أحد أبنائك، والصفة الجيدة التي قام بها لتعززها عنده.

خامسًا: عوده على الثقة بنفسه والتحلي بالمسؤولية، قل لهم سأخرج للعمل البيت مسئول منك انتبه لأمك وأخوتك، أنت رجل وأنا أثق بك. ومثلها عند الفتاة انتبهي لإخوانك الصغار، أثق بك وثقتي بك أبدًا لن تهتز.

سادسًا: قل له أنا أحبك، أنت رائع، قبله، ابتسم له، ضمه، أشعره بحبك وبثقتك فيه، لا تجعل مشاعرك صلبة خشنة، بل كن رحمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد