يخبرنا المولى عز وجل في كتابه الكريم إحدى أروع القصص القرآنية بلاغة وحكمة وتثبيتًا، إنها قصة سيدنا الخضر ونبي الله موسى عليهما السلام. وجاءت العبرة من هذه القصة في فضل العالم وقيمة العلم والمعرفة، وأمر المولى عز وجل من أنبيائه وأصفيائه أن يذهبوا إلى العلم، رغم أنه علام الغيوب وكل العلم علمه، لكنه استوجب أن يسعى العبد إلى العلم والمعرفة لا العكس. وفي هذا تفضيلان:

1-   تفضيل للإنسان لأنه كرم من دون المخلوقات جميعا بحمل مشعل العلم وتقلد مفاتيح هذا الكون، ليسير فيه ويعيش في إطاره، بل إن الله عز وجل جعل كل الخلائق في خدمة الإنسان من أجل أن يعيش حياة كريمة، وعندما نستطلع مكنونات الآية الكريمة “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” الإسراء (70)، فإنه ولا ريب يتضح عظمة هذا المخلوق الذي أسجد الله له أطهر وأعبد ما خلق وهي الملائكة.

2- تكريم للعلم والمعرفة وإجلال لهما، ولهذا فإن العلم اقترن دائما بالفعل الإلزامي من الله عز وجل فكان دائما يلزم أنبياءه وأولياءه وعباده الصالحين بالسعي من أجل إدراك العلم، يقول في بيان قصة نبي الله موسى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) وقد كان نبي الله موسى من أولي العزم وصاحب همة عالية لهذا فقد امتثل لأمر المولى عز وجل مهما كانت المصاعب، وقد جاء في الأثر أن سيدنا الخضر ونبي الله موسى عليهما السلام بينما هما في السفينة إذ بعصفور يأتي فيقع على السفينة فيغمس في منقاره قطرة ماء، فقال سيدنا الخضر لنبي الله موسى “ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما نقر هذا العصفور من البحر”.

إذًا فإن الله تفرد بالعلم والمعرفة وجعلها خاصية من خصائصه لعظمها وجلال قدرها، وأجزل في العطاء منها لمن يشاء من عباده فكان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عالم العلماء وسيد الأبرياء والشهداء، يقول الله تعالى في كتابه العزيز “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” سورة المجادلة، فقدم مقام الإيمان والعبادة ثم أردفه بالعلم.

ورغم أنه لا إيمان إلا عن علم نافع ولا طريق إلى الإيمان والتقوى إلا بالعلم النافع فكلاهما يكملان بعضهما، إن العلم في الإسلام من أقدس المهمات ومن سعى إليه فهو في أعلى الدرجات وفي رضوان المولى الله وفي رعايته حتى يصل إلى غايته حتى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة”، وروى أبو داوود والترمذي وابن ماجه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في طالب العلم “من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارًا، ولا درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر”.

وأول الــوحي كان في العلم فقال الله تعالى “اقرأ” أعظم الدعوات الربانية إلى نبيه أن الأمر لا يستوي ولن تتم الدعوة ولن ينتشر الإسلام ولن يبلغ البدر التمام إلا بالقراءة والتدبر في آيات الله الكبرى، وتحصيل العلم النافع والحجة الدامغة والبرهان الذي يقنع العقول ويفتح القلوب، ولهذا فإن الله عز وجل علم نبيه من العلوم والبينات والمعارف ما يستطيع أن يواجه به المغرضين من كفار قريش والجزيرة العربية ومن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فكان عليه الصلاة والسلام قبل كل شيء طالبَ عالم فصيح اللسان جلي البيان فقال صلى الله عليه وسلم “رأيت أني نائم شربت – يعني لبنًا – حتى أنظر أنى الري يجري في ظفري ثم ناولت عمرا” فقال الصحابة ما أولت ذلك يا رسول الله: قال “العلم”، فالعلم نور دونه الضلالة فكم من الأمم دونما العلم أموات وكم من القرون غدت ولكنها بالعلم والمعرفة أحياء حتى يقول الإمام علي بن أبي طالب:

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم               على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقيمة المرء ما قد كان يحسنه             والجاهلون لأهل العلم أعداء

فقم بعلم ولا تطلب به بدلا                   فالناس أموات وأهل العلم أحياء

ويقول الشاعر أحمد شوقي:

العلم يبني بيوتا لا عمـــاد لها           والجهل يهدم بيوت العز والشـــرف

 

وتحرير العقول وإنارة الدروب وطرد المحتل الغاشم لا يقل تضحية ولا بذلا عن الجهاد في سبيل الله وتحرير الأوطان، وكما يقول الشيخ عائض بن عبد الله القرني أن طلب العلم لا يكون براحة الأجسام والسهر المفلس مع عامة الأنام، ولكن العلم يكون بالسهر في التحصيل والسعي وراء العلماء من أجل التزود بما صح من التفسير والتحليل، وأحسب أن خيرة طلاب العلم من كان لديه طموح شامخ وإرادة فولاذية وعقل راجح وهمة عالية، ولله در أصحاب الهمم العالية حتى يقول أبو الطيب المتنبي في أبيات جميلات:

لا يعـــرف المجد إلا سيد فطن        لما يشق على السادات فعال

لولا المشقة لساد الناس كلهم          الجود يفقر والإقدام قتال

ويضيف آخر:

لا تحسبن المجـــد تمرا أنت آكله        لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر

ويقول عالم الإسكندرية وواعظها وحكيمها ابن عطاء الله السكندري “من لم تكـن له بداية محرقة لن تكون له نهاية مشرقة”، والهمة العالية تقهر الواقع وتقزم المحن والمشكلات وتصنع من الوهم حقيقة ومن الأحلام هدفا وغاية، ثم لا يكون من أصحاب الهمم العالية إلا السير بخطوات ثابتة متزنة عارفة بالمقادير والموازين لتحقيق الهدف المنشود، ودونما شـــك سيد الهامات العالية معلم الخلق سيدنا محمد هذا الفتى القرشي الذي كان يرعى الغنم رفعته همته العالية إلى عليين فأصبح إمام الدنيا وسيد ولد آدم.

والمواقف كثيرة في تجليات همته بل إنه الهمة تتجلى، ففي سقيفة عمه أبي طالب اجتمع رؤوس الضلال من قريش وقالوا: يا أبا طالب محمد يفسد علينا أمورنا وأولادنا وتجارتنا فسله فإن أراد ملكا ملكناه علينا وإن أراد مالًا جمعنا له المال جميعًا وإن كان به مس و”حاشاه خير البرية” التمسنا له أطباء”، فيذهب أبو طالب يستشيره ثم يعود ويقول أجمل وأعظم ما قيل من أصحاب الهمم العالية “ما أعظم محمدا تعرض عليه الدنيا فيأبى ويقول والله يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أن أهلك دونه”. ما هذه العظمة وما هذا الهيلمان وهل يعجب من همة سيد ولد آدم، وفي أصحاب الهمم في طلب العلم كثير ولكنني سأقف عند بعض النماذج المشرقة في التاريخ الإسلامي من الذين بلغت بهم الهمة عنان السماء.

 

أصحاب الهمم العالية:

همــــة ابن عباس: يقول شيح الإسلام ابن تيمية أن همة ابن عباس رضي الله عنه كانت مصروفة في التفقه والاستنباط، وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها”، وقد أصاب ابن عباس رضــي الله من دعاء رسول الله شـيئًا عظيمًا فقد في بيت ميمونة رضي الله عنها فوضعت له وضوءًا وقالت: وضع لك عبد الله بن العباس وضوءًا فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فأصبح بقدرة من الله بحر العلم والحبر وترجمان القرآن، حتى أن عمر كان يجلس ابن عباس مجالس كبار الصحابة وهو الذي لم يبلغ العاشرة من عمره دون أنداده من الصبية، فقال بعض الصحابة غيرة منه لعمر بن الخطاب ما يفرق ابن عباس عن أبنائنا، فاصطحبه ذات يوم وقال مخاطبًا الصحابة: ما تقولون في قوله تعالى “إذا جاء نصر الله والفتح” فقالوا: نصر قريب وفتح يتبعه تسبيح واستغفار، فقال وما تقول أنت يا ابن عباس فقال: دلالة على قرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر: والله ما علمت منها إلا ما تقول يا ابن عباس.

ويروي ابن عباس أنه لما توفي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال رجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله فإنهم اليوم كثير فقال له الرجل: واعجبا لك يا ابن عباس أترى أن الناس يفتقرون إليك، قال: فتركت ذاك وأقبلت أسأل، فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل فآتي إليه وهو قائل وأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك لولا بعثت إلي فآتيك فأقول: لا أنا أحق أن آتيك، فعاش الرجل الأنصاري حتى رآني وقد التف الناس حولي فجعل يقول: هذا الفتى كان أعقل مني.

همة عطاء بن أبي رباح: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في علمه ومدحه “أتجمعون لي المسائل يا أهل مكة وفيكم ابن أبي رباح” وهو ابن أبي رباح مولى أبي ميسرة الفهري وهو سيد سادات التابعين وخليفة ابن عباس في الفقه والعلم الشرعي، وقد تتلمذ على يد حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه وعلى يد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ونهل من علم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كان عطاء مملوكا لامرأة من وجهاء مكة وكان أفطس أشل أسود لا يحسن الشيء الكثير فقالت من تملكه: أعتقتك في الله ليس حسبة في ذلك ولكنك لا تصلح أن تكون حطابا ولا طباخا وفلاحا فقال لها: وماذا أفعل فأشارت: اطلب العلــم.

يقول عطاء فمكثت ثلاثين سنة لا أبرح الحرم، فأصبح مفتي الدنيا وعالم الحرم وقد كان خليفة حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه. يقول قتادة: قال لي سليمان بن هشام هل في مكة من أحد قلت: نعم، أقدم رجل في جزيرة العرب علمًا. فقال: من؟ فقلت: عطاء بن أبي رباح، ويقول محمد بن عبد الله الديباج: ما رأيت مفتيًا خيرًا من عطاء إنما كان مجلسه ذكرًا لا يفتر، وهم يخوضون فإن تكلم فسئل عن شيء أحسن الجواب، وجاء سليمان بن عبد الملك مع ابنيه إلى عطاء بن أبي رباح والناس ينتظرون الفتية من عالم الحرم، فتقدم سليمان إلى عطاء وقدم نفسه على الناس فرده عطاء وقال خذ مكانك مع الناس، فلما انتهى من ذلك نادى المنادي في مكة المكرمة لا يفتي للناس إلا عطاء بن أبي رباح، وقال سليمان لابنيه اطلبا العلم فوالله ما ذللت لأحد إلا لهذا الرجـل، حتى يقول الشاعر في هيبة العلماء وسلطانهم مادحًا الإمام مالك بن أنس:

يأبى الجواب فلا يراجع هيبة           والسائلون نواكس الأذقان

أدب الوقار وعز سلطان التقى        فهو المطاع وليس ذا سلطان

همة الإمام مالك بن أنس:

قال مصعب الزبيري: “كان مالك من أحسن الناس وجهًا، وأحلاهم عينًا، وأنقاهم بياضًا، وأتمهم طولًا في جودة بدن”، وقال أبو عاصم: “ما رأيت محدثًا أحسن وجهًا من مالك”.

هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي. وكان أبو عامر – أبو جَدِّ مالك – حليف عثمان بن عبيد الله التيمي القرشي، وكنيته أبو عبد الله من سادات أتباع التابعين، وجلّة الفقهاء والصالحين. وأمه هي عالية بنت شريك الأزدية. وُلِد بالمدينة المنورة سنةَ 93هـ/ 703م، وعاش فيها، روى الترمذي بسنده عن أبي هريرة، عن النبي أنه قال: “يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة”. ثم قال: هذا حديث حسن. (ضعفه الألباني) وقد روي عن ابن عيينة أنه قال: هو مالك بن أنس. وكذا قال عبد الرزاق. وكان الإمام مالك كثير العبادة والتواصل مع الله فكانت تقول ابنته فاطمة “كان مالك يصلي كل ليلة حزبه، فإذا كانت ليلة الجمعة أحياها كلها”.

يقول ابن المبارك “رأيت مالكًا فرأيته من الخاشعين، وإنما رفعه الله بسريرة كانت بينه وبين الله، وذلك أني كثيرًا ما كنت أسمعه يقول: من أحبَّ أن يفتح له فرجة في قلبه، وينجو من غمرات الموت، وأهوال يوم القيامة، فليكن في عمله في السر أكثر منه في العلانية، قال البخاري في علمه “أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر”.

وقال سفيان بن عيينة: “ما كان أشد انتقاده للرجال”.

وقال الشافعي: “إذا جاء الحديث فمالك النجم”. وقال: “إذا جاءك الأثر عن مالك فشد به يدك”. وقال أيضًا: “من أراد الحديث فهو عِيالٌ على مالك”.

فطوبى لأهل العلم وحملته فلابد أن صاحب العلم يبقى بعد العمر أجيالا وأجيالا فهو صاحب رسالة خالدة وعزيمة صارخة وأهداف مقدسة، فليس قيمة الإنسان في منظره ولا في ملبسه ولا مفخره، ولكن قيمته في عقله وقلبه. فالعقول تحيا بالعلم والقلوب تطيب وترتاح بالعلم حتى يقول الشاعر:

يا أخية لا تبكيه ولا تطيلي النحيب ولا الإعوال           كلهم ميتون إلا صاحب العلم يعيش بعد العمر أجيال

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد