إن وظيفة التعليم الأولى هي إعداد الطالب لمواجهة تحديات الحياة، وإكسابه المهارات اللازمة لتأهيله لخوض غمار التجارب الجديدة التي قد يتعرض لها مع اختلاف الظروف والأحوال، وتجدد السنين والأعوام، ومن المفترص أن يتم ذلك من خلال تنمية التفكير والابتكار والإبداع، وتحلي المتعلم بالأدوات البحثية والمعرفية التي يستطيع بها أن يُكمل مشواره الوظيفي الذي يفرضه عليه سوق العمل، وينبغي أن يتم كل ذلك في مناخ يسوده الحرية والأمان، وفي نظام يلبي ميول المتعلم ويحترم مواهبه ويكشف عن نقاط تميزه ويجلي قدراته، ويعالج نقاط ضعفه.

للأسف غابت تلك الأسس التربوية عن ميدان التعليم شأنها شأن العديد من الحقائق والبديهيات التي لم يدركها ضباط حركة يوليو 1952م، أو ربما أدركوها وتغافلوها، فلا ريب أن أي قيادة تختصر الأصوات في صوت واحد، وتختزل الآراء في رأي واحد، فهي محكوم عليها بالفشل مهما بلغت دقة تدبيرها، فإن السنن الكونية لا تحابي أحدًا سواء أكان حسن النية أو سيئها، ومتى أخذت القيادة بمظاهر النهضة المادية من بناء البنيان وأهملت بناء الإنسان؛ فقد أهدرت مجهوداتها ومجهودات العلماء والمفكرين من حولها، في ظل محاولتها البائسة في صنع قوالب متشابهة تم تدريبها على طريقة أحادية في التصرف والتفكير تنسجم مع الجو السياسي العام، وتردد تفاصيل الخطاب الإعلامي الرسمي دون تفكير ناقد أو تحليل أو نقاش، وغالبًا ما يأتي كل ذلك في إطار السعي للتكريس لحالة الدولة المركزية التي تحتكر الحقيقة والعلم والمعرفة، ولا تقبل التعددية إلا بخطابات باردة ودعاوى حنجرية لا يعرف لها واقع ولا تطبيق.

وعقيدة الأنظمة السياسية النمطية التي جعلتنا من دول العالم الثالث، لا بد أن تمحو محاسن من سبقك لتبرز نواحي تميزك، ولا تتحسن صورتك إلا بتقبيح صورة غيرك إما بنسج الأكاذيب حوله وحول كل المنافسين الحاليين والمحتملين أو بنسبة نجاحاتهم إلى نفسك، أو تضخيم إخفاقاته من أجل خدمة صورة الفرد الذي يرأس معسكر الحكم، والذي غالبًا ما يكون محدود القدرات والإمكانات مقارنة بغيره من أبناء عصره، فتتلخص قدراته في إحكام السيطرة، وتدبير المؤامرات والتخطيطات ليبقى على رأس السلطة أطول فترة ممكنة؛ وانطلاقًا من ذلك تم نسج أكذوبة التعليم المجاني في الحقبة الناصرية – تلك التي أكلت الأخضر واليابس وألقت بالوطن في مهاوي الردى غير مبالية إلا بالمجد المكذوب- فيؤكد أيمن المهدي في مقال له في جريدة الجمهورية عن أكذوبة مجانية التعليم في عصر ناصر:

(كان التعليم الابتدائي في مصر مجانيًا منذ عهد الملك فؤاد في الثلاثينيات، وبالدخول إلى عام 1944م أصبح التعليم الأساسي كله مجانيًا أيضًا، وذلك في حكومة النحاس باشا ووزير المعارف أحمد نجيب الهلالي، كما صدر القرار بمجانية التعليم الثانوي ليصبح التعليم قبل الجامعي كله مجانيًا في عام 1951م حينما أطلق وزير المعارف المصري «طه حسين» مقولته الشهيرة: «التعليم كالماء والهواء» والتي ربط تنفيذها باستمراره في الوزارة وساندته حكومة الوفد، تلك هي الحقيقة المؤكدة تاريخيًا والتي لا يستوعبها الكثيرون منا رغم موثوقيتها)، والغريب أن من نسج تلك الأكذوبة هم أنفسهم أبناء البسطاء الذين تربوا في التعليم المجاني في العصر الملكي كعبد الناصر ورفاقه، بل إن ذلك التعليم المجاني الكامل لم تنقطع مجانيته الكاملة منذ عهد محمد علي إلا إبان بعض فترات من الاحتلال الإنجليزي، فكانت كما ذكرنا المرحلة الابتدائية مجانية كاملة، وكانت هناك ما يقرب من 8: 10% من المدارس التوجيهية تتبع جمعيات خيرية، (بل حتى المرحلة الجامعية ربما يتمكن من الالتحاق بها مجانا من حصل على مجموع 60% فأكثر وربما زاد إلى70%؛ فكان المجموع هو الذي يحدد هل تحصل على المجانية الكاملة أم نصف المجانية أم تتعلم بتكلفة كاملة)، وإن هذا النظام الدقيق الذكي حينما تم التخلى عنه بقرار الرئيس عبد الناصر عام 1962م قلت جودة التعليم الجامعي، وأصبح معظم خريجيه لا يبلغون شأو أصحاب المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة في العهد الملكي إلى أن انحدر مستوى التعليم حاليًا ليصبح خارج نطاق الإنسانية الرشيدة.

ولعل طبيعة عبد الناصر ونشأته التي جعلته يمارس العمل السياسي في سن مبكرة، وشغفه السابق بالعمل السري، وانضمامه لأكثر من تنظيم ديني وسياسي، جعلت الشباب والطلاب في الجامعات والمدارس الثانوية يشكلون محط اهتمامه المتزايد ومصدر قلقه ومخاوفه المستمرة؛ فهو لا يريدهم أن يخرجوا عن سيطرته حتى لا يصبحوا مصدر إزعاج له وضغط سياسي عليه كما كان هو ورفاقه مصدرًا لإزعاج النظام الملكي من قبل، وتمثل ذلك في:

أولًا: بالنسبة للجامعات

1- كان تركز الدراسة في ثلاث جامعات مشكلة كبرى من وجهة نظر النظام لسببين:

أ- تزايد أعداد الطلاب نتيجة سياسة المجانية الكاملة للتعليم الجامعي التي انتهجتها ثورة يوليو؛ ومعنى ذلك أن جميع طلاب الجمهورية يلتقون في هذه الجامعات الموجودة في القاهرة والإسكندرية فقط؛ مما يجعل أي حدث يحدث في الجامعة (مظاهرات – اعتقالات) ينتقل إلى صفوف الشعب كله بسرعة نظرًا لما يردده وينشره أبناؤهم، أما لو كانت جامعاتهم بجوار بلادهم ومحافظاتهم الأصلية فيكون انتشار خطايا النظام أكثر صعوبة في ظل وجود آلة إعلامية وحيدة تسيطر عليها أجهزة الدولة المخابراتية.

ب- إذا قامت مظاهرات أو حركة رفض للحكم في جامعة فقد يوازنها التأييد والمبايعة في جامعة أخرى؛ لهذا عمل عبد الناصر على إقامة فروع للجامعات في المحافظات الكبرى، ثم تحولت إلى جامعات إقليمية بعد ذلك حتى يتباعد الطلاب عن بعضهم البعض؛ فظهرت جامعة أسيوط أول الجامعات الإقليمية 1957م ثم أنشئت كليات في طنطا والمنصورة والزقازيق تحولت في بداية عهد أنور السادات إلى جامعات مستقلة.

2- أصدر عبد الناصر بطريق غير مباشر (وزارة الداخلية) أوامر اعتقال لقيادات الطلاب خاصة لذوى الميول اليسارية  أو الميول الدينية المنضمين لجماعة الإخوان المسلمين، أو حتى من الاشتراكيين الذين يختلفون في وجهات النظر مع النظام، وبالطبع لم تغفل تلك الأوامر عن كل من ينادي بالحرية أو الليبرالية، وكانت هذه الاعتقالات تتم في غيبة من القانون، ومنها ما كان بناء على وشايات ودسائس، وفي بعض الأحيان بناء على تقارير يكتبها عملاء الثورة المندسين بين صفوف الطلبة.

3- إنشاء أجهزة تستوعب هؤلاء الطلاب وتحولهم إلى تروس في آلة خدمة النظام وكانت هذه الأجهزة مثل: الفتوة – التنظيم الطليعي – منظمة الشباب وكلها عبارة عن منظمات تجسس في صورة أنشطة طلابية.

4- تقليص سفر البعثات العلمية والتعليمية للخارج إلى الدول المتحررة فكريًا، والتي يتوافر فيها قدر كبير من الرفاهية للمواطنين مثل: (فرنسا – إنجلترا – الولايات المتحدة) بسبب سوء العلاقات بيننا وبينهم من ناحية، ولأن من وجهة نظر النظام البوليسي-العسكري المهووس بالسلطة؛ إن من يسافر إلى تلك البلاد يسهل تجنيده للتجسس على مصر، أو قد يصبح معارضًا للنظام، لأنه سيرجع حتمًا ناقمًا على النظام وأعوانه لما رآه من حرية في كل شيء، ورغد في العيش؛ لهذا كانت البعثات التعليمية تولي وجهها شطر الشرق حيث الأصدقاء الروس وأتباعهم التشيك واليوغسلاف؛ حيث الأنظمة الشمولية المشابهة لنظامنا وحيث القهر والكبت والفقر المشابه.

5- السجن والاعتقال مصير أي أستاذ جامعي يحاول إثارة الهمم أو بث الحماسة أو يحاول أن يلفت نظر طلابه لأحوال مصر السياسية، وقد يفصل تأديبيا فصلا نهائيا، ثم يضيق عليه في الالتحاق بأي عمل آخر حتى يشرد جوعًا وفقرًا.

ورغم أن كل تلك القيود منعت الطلبة من الخروج في مظاهرات تندد وتعارض النظام البوليسى في الفترة المزدهرة له منذ حرب 56 حتى 1966م ولكن بدأ الرفض يظهر جليًا بعد السقوط الفظيع للنظام بعد الهزيمة المنكرة في حرب 1967م، ولأن النظام الناصري كان يشعر بالضعف بعد هذه الهزيمة المذلة؛ فإنه ترك الباب مواربًا لطلبة الجامعات للتعبير عما يدور في نفوسهم في المظاهرات التي خرجت في عام 1968 و1969م

أما بالنسبة للتعليم الثانوي وهو المرحلة الدراسية المؤهلة للجامعة:

لقد أولى عبد الناصر عناية كبيرة لهذه المرحلة؛ حيث إن هؤلاء الشباب عجينة طيعة يمكن تشكيلها والسيطرة عليها واستغلالها لمصلحة النظام، ونرى من ذلك صورة خبر نشر بجريدة الأهرام يوم الأربعاء 20 أكتوبر 1954 م فحواها ( اتصل بوزارة التربية والتعليم عدد كبير من نظار المدارس الثانوية والإعدادية وأبلغوها أن عددا كبيرا من طلابها قد طلبوا السماح لهم بإظهار شعورهم لمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء، وقد أبلغت الوزارة المدارس موافقتها على السماح لهؤلاء الطلاب بمغادرة المدارس لهذا الغرض، ووجهتهم إلى ضرورة العمل على المحافظة عليهم حرصا على سلامتهم وحمايتهم ممن ليسوا منهم).

وبشيء من الجهد اليسير بدأ جمال عبد الناصر السيطرة على جموع الطلاب في هذه السن عن طريق:

أ – ضمهم لتنظيم الثورة الأوحد أيا كان مسماه من خلال أنشطة مثل (الجوالة – الكشافة – منظمة الشباب).

ب – التوسع في إنشاء المدارس الثانوية فبدلا من أن تكون في المركز فقط، أنشئت مدارس جديدة في القرى الكبرى والمناطق ذات الكثافة العالية، بهدف تفريق التجمعات الكبيرة إلى تجمعات أصغر.

جـ – تنويع إنشاء المدارس والتوسع في إنشاء المدارس التجارية والفنية الصناعية بهدف تخريج شباب صغير السن يُعين فور تخرجه في الجهاز الإدارى للدولة أو في مصانع القطاع العام؛ وذلك لشغلهم عن السياسة بالسعى لتأسيس أسرة جديدة في سن مبكرة، ولمحاولة السيطرة عليهم من الدولة التي تملك مصدر دخلهم الثابت، ونشأ العقد الاجتماعي -غير المنصوص عليه- وهو أن يُعين الموظف ويبقى في وظيفته مقابل سكوته على الخطايا السياسية والجرائم التي يرتكبها النظام،وهو ما نشأ عنه متأخرا أزمة البطالة المقنعة التي تتمثل في وجود موظفين بلا عمل حقيقي ودون حاجة المصالح الحكومية إليهم، وكذلك لإثبات أن الثورة جاءت بالخير للمجتمع المصرى الفقير فالأب يعمل وكذلك الأبناء، وهذا أكبر ضمان لتأييدهم للثورة وزعمائها بالإضافة إلى أن تعليمهم مجاني وعلاجهم مجاني فماذا يريدون أكثر من ذلك؟!، وأصبح المواطن متواكلا على الدولة، وينظر لمصلحته الشخصية والفئوية ولو على حساب المصلحة العامة باعتباره شريكًا في عقد اجتماعي يتمثل في السكوت المدفوع مقدمًا.

د – إدخال التربية العسكرية في المدارس الثانوية بعد هزيمة يونيو 1967م بقصد تدريب كوادر شبابية تشارك في قتال العدو إذا لزم الأمر، وتستطيع القيام بمهمات الحماية للجبهة الداخلية إذا طلب منها ذلك، ولتدريب الطلاب على طاعة أوامر النظام مهما بلغت قسوتها، ويأتي كل ذلك كان في إطار عسكرة عقول الشباب، وإجبارهم أن يعيشوا بغير إرادة حرة؛ فما هم إلا آلات وظيفتهم تنفيذ رؤية الطغمة الحاكمة من وجهة نظر النظام التعليمي البائس.

هـ – بدأ طلاب الجامعات حالة من الصحيان والانتباه دفعتهم للقلق على حال البلد، وظهر ذلك جليا بعد ما فتح جمال عبد الناصر لهم باب المشاركة السياسية القوية من خلال بيان 30 مارس 1968م؛ لأنه خشي أن يقف في مواجهة هذا التيار الجارف الرافض للهزيمة وأسبابها لهذا بدأ مرحلة جديدة معهم من التقارب والترغيب لهم في ضرورة المشاركة في العمل السياسي؛ لأنهم هم قادة المستقبل ورجال الغد، وحتى لا تجذبهم القوى المعارضة لثورة 23 يوليو؛ ولهذا سارع جمال عبد الناصر بإنشاء التنظيم الطليعي الذي برز على الساحة السياسية باعتباره جزءا من الاتحاد الاشتراكي، ولكنه سرعان ما تحول إلى تنظيم معاد للمجتمع؛ فقد أصبحت وظيفته الأساسية كتابة التقارير والإبلاغ عن كل من يناصب الثورة الرفض أو النقد أوالعداء حتى وصل الأمر بأعضائه إلى كتابة التقارير في أهليهم وفي بعضهم البعض، كميثاق ولائحة معلنة قام الأعضاء بالتوقيع عليها رسميا.

ورغم كل ذلك لا يُنكر جهود الضابط الشاب كمال الدين حسين، الذي حاول إحداث نهضة تعليمية والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة، وأدرك أن التقدم لن يحدث إلا عن طريق التعليم، ولكن غاب عنه الكثير من التفاصيل لأنه هو نفسه لم يكمل دراسته التوجيهية وانتقل من الثقافية إلى مدرسة الحربية مباشرة، وتمثلت الإشكالية المعقدة في تسييس العلم والتعليم، والحشد الأيدولوجي للنظام، وتلك جريمة بشعة لا تقل شناعة عن تسييس الدين لمصلحة نظام أو شخص أيا كان اتجاهه أو أفكاره أو نواياه، وترتب على ذلك إهدار جهود المصلحين والعلماء والمفكرين على مر الأعوام والسنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ثورة يوليو والتعليم د. صابر عبد الباقي. كلية الآداب جامعة المنيا
تاريخ التعليم في مصر لأحمد عزت عبد الكريم. ط الهيئة العامة لقصور الثقافة
عبد الناصر والتنظيم الطليعي. د. حماده حسني. ط مكتبة بيروت
مركزية التعليم في مصر. نزيه الأيوبي. ط مركز دراسات الوحدة العربية.
مقال بعنوان: مجانية التعليم.. بين الحقيقة والادعاء لعباس الطرابيلي
عرض التعليقات
تحميل المزيد