من هذا الباب نخرج إلى أن نستعرض الإبداع ومتطلباته، وكيف تؤطره المؤسسات؟ لنرى بعد ذلك نماذج أثارت دهشة مجتمعاتها بالتمرد على العادات وأتت أحلامهم الوردية متأخرة من بعد مجازفة. ثم نستعرض النظم الجامعية في سير العملية التعليمية، وهل تنجح أكبر الجامعات في تلبية حاجات المجتمعات لما خلقت لها؟ ثم نستعرض رأي «كين روبنسون» في محاولة بريطانيا التغيير من أسس المناهج الدراسية في المدارس لحل معضلتها التي اكتشفتها في الربع الأخير من القرن العشرين. ومن ثم نرى أثر أهمية الإبداع على دولة شهدته مدارسها منذ عام 2000م وقت أن كان تعدادها السكاني يبلغ خمسة ملايين نسمة، وكيف تُطبق وسائله في مدارسها؟ كل هذا في سلسلة الإبداع التي لا تتعدى بضع مقالات.
الإبداع الإبداع الإبداع! لماذا كل هذه الضجة حوله؟ لماذا كثرة التكرار حول أهميته؟ هل هو أهم من التفوق الدراسي؟ ما المردود المادي منه؟ هل هو كفيل بحل مشاكل البطالة والتخلف الدراسي والاقتصادي والمعرفي على المستوى العربي؟
حسنًا.. أوافق «إيفان إيليش» على كثير مما ذكره في كتابه «مجتمع بلا مدارس»، خاصة فيما يتعلق بالتأثير السلبي للمدارس، خاصة منها تلك المدارس التلقينية التي هي أكثر المدارس انتشارًا في العالم الثالث، خاصة فيما يسمى بالعالم الثالث بما فيه عالمنا العربي، وإن كانت متفاوتة من بلد لآخر ومتماثلة فتجد هنالك مصر والصومال.
صديقي العزيز، حريٌ بالذكر أنه ليس فردًا واحدًا كـ«إيفان إيليش» من وقف في صف معارضة المدارس التقليدية، بل هو ليس أول من دعا لهذا، تعود جذور هذه الدعوة إلى القرن الثامن عشر الميلادي والتي مثلها علماء وفلاسفة عقلانيون ولا أعني من بينهم التنويريِّن، بل كان من بينهم المفكر الفرنسي «جان جاك روسو» الذي دعا إلى إغلاق المدارس التلقينية والعودة إلى التفكير الفطري الطبيعي الذي قاد البشرية قرونًا طوالًا نحو التقدم والازدهار.
إن عملية إقصاء الإبداع في الأمم التي ازدهرت فيها الحضارة الصناعية وبلغت أوجها هي أضعف مما كانت، وهي تسير سيرًا حثيثًا إلى الهمجية -وهي لا تدرك ذلك- إنه لا حارس لها من المحيط الثائر الذي أقامته العلوم حول هذه الأمم.
فالأمم التي بنت حضارتها العلمية؛ فاستطاعت أن تتحدث من وراء القارات والبحار، وأن ترسل الصور بالبرق، وأن تنصب اللاسلكية في منازلها، وأن تستمع إلى دقات (Big-Ben) التي تضرب في لندن، وأن تركب فوق الأرض والبحر وتحتهما، ثم جاءت بالآلات الكاتبة الصامتة، وملأت الأسنان من غير إيجاع، وكادت زروعهم أن تنمو بالكهرباء وأن تفرش شوراعهم بالمطاط، ومن أشعة روتنجن (X-Ray) جعلت منافذ تطل منها أبدانها، ولطياراتهم النحو إلى القطب الجنوبي ولغواصاتهم إلى الشمالي، ثم أفضوا إلى خلق مساحات رحبةٍ للأطفال يلهون فيها في أمن وسلام، إنه لا حارس لها من المحيط الثائر الذي أقامته تلك العلوم في الأمم الأخرى.
فلا خير في إحكام طريق للحياة يُقصى فيه العنصر الخَلقي وتُبعد منه أشرف عناصر الأمم العظيمة، بل إن الأليقَ بنا أن نعنى بأنفسنا أكثر من أن نعنى بصناعة البواخر الأسرع والسيارات الأريح، والراديوهات الأرخص، وتلسكوبات لفحص هيكل سديم على بعدٍ سحيق.

الإبداع ليس مجرد موهبة بل هو خليط من الموهبة والعمل والتوفيق من الله –سبحانه وتعالى-

أورد «كين روبنسون» -وهو استشاري كلفته الحكومة البريطانية عام 1997 بإجراء دراسات عن الإبداع والاقتصاد والتعليم- في كتابه «صناعة العقل»، فكتب:
«إن السبب الرئيس في هدر الطاقات أثناء فترة التعليم يكمن في العقلية الأكاديمية التي تركز على تطوير الإمكانات المتعلقة بنواحي علمية معينة دون غيرها».
فهذا الجانب الأكاديمي يربط مفهوم الذكاء والقدرات على حد مجالات محصورة حصرًا، مما يؤدي بالحتمية إلى هدرٍ كبيرٍ من المواهب والطاقات لدى المتعلم، وهذا ثمن باهظ لم يعد بالإمكان احتماله بعد الآن لدى متعلم الألفية الثالثة الذي يواكب عصره زيدًا من أفكارٍ لم تكن تُدرَّس، بل هو أصبح يعلم جيدًا أن كثيرًا من نظريات ما نتاج تفكير آخرين باتت بالخطأ، فهو يتعلم الأسماء الخمسة ويصيروا ستةً في الجامعة، بل ويدرس نظريات الفيزياء الكلاسيكية وفي العام الذي يليه يُبرهنُ جُرمَ عالمِها من خلال دراسته للحديثة، وفي النهاية يقولون له إنا لا نميل لقول دون الآخر.
حقًا هي أنظمة التعليم التي علمتنا ألا نبدع، وهي المدارس التلقينية تقوّض مدى التخيل وتؤطره، وتحد من عبقرية المتعلم بحدها لقدراته في بكور عمره، وها هي المدارس عبثٌ من تعاليمَ مختبئةٍ وراءَ كلماتِ العجز من الناحية التشجيعية.

الفكر البشري أغنى وأكثر قدرة ونشاطًا مما جعلتنا أنظمة التعليم نعتقد

نعود هنا لـ«كين روبنسون» عندما تحدث عن عملية رفع المستويات الدراسية في المدارس والجامعات وأوضحَ أنه ممكن ألا تُحل المشاكل التي نواجهها بهذا الرفع، بل على العكس فهو لربما قد يؤدي إلى زيادة تعقيدها، فكتب:
«علينا أن نعيد تقييم الأمور بشكل جديد، بحيث نفهم المعنى الحقيقي للذكاء والإمكانات البشرية وأن نكوِّن مفهومًا جديدًا عن الإبداع».
فنحن جميعًا نملك إمكانات وطاقات نظرية هائلة، ولكن بشكل مختلف من شخص لآخر، ولا يوجد أشخاص أذكياء وآخرون غير أذكياء، بل تختلف أشكال هذا الذكاء ومجالاته باختلاف الأشخاص والقدرات؛ فبعض الناس يتمتعُ بنظر حاد، أو سمع قوي، أو بحركة نشيطة، أو بتفكير حسابي … إلخ؛ ومع ذلك فما يزال ينظر إلى الدراسة الأكاديمية على أنها مقتصرة على فئةٍ معينة من الناس دون غيرها، نظرًا لامتلاكها إمكانات معينة تحددُ درجةَ ذكائهم؛ متجاهلينَ احتمال وجود إمكانات أخرى في مجالات مختلفة، قد لا تقل أهمية عن الدراسة الأكاديمية، وتفتح الباب لما سواها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!